كما كان متوقعا فقد حملت النتائج الفرنسية مترشحين اثنين إلي الدور الثاني، لأن ساسة القوم هناك لا يجيدون فن فبركة النتائج بـ 99.99 بالمئة كالعرب، ولا الشعب يستسيغ نتيجة كهذه، وكــــــما كان متوقعا أيضا كان في الدور الثاني المرشح نيكولا ساركوزي، لأنه ما وجد إلي نتيجة 50 بالمئة +1 سبيلا، ولأن مرشــــح السلطة عندهم لا تخدمه الأشجار والأحجار كما يحدث في كثير من بلاد قمع ـ ستان العربية.
باستثناء موريتانيا الديمقراطية ولأن عبارة مرشح الإجماع عندهم تكاد توصف بأنها ضرب من التزوير أو هو انقلاب مغلف بالانتخاب، وعند هذا الحد يكون كل من ساركوزي اليميني قد بدأ يميل نحو الوسط وكذلك تفعل منافسته سيغولين روايال اليسارية، بحيث ستكون أصوات الكتل الوسطية هي محط المنافسة بين الغريمين، وأي منهما تمكن من استمالتها إلي صندوقه تبوء رئاسة فرنسا وعلي العموم فمهما كانت نتيجة الدور الثاني فإن الفائز سيصنع حدثا غير مسبوق لا في تاريخ انتخابات الرئاسة في الجمهورية الخامسة فحسب، بل في تاريخ فرنسا ككل ذلك أنه إن كان الرئيس المقبل هو ساركوزي فمعني ذلك أن فرنسا ستقاد لأول مرة في تاريخها من قبل رجل من غير العرق الغالي، بل إنه أجنبي عن الفرنسيين عامة وإذا صارت الرئاسة إلي رويال فكذلك الأمر بحيث ستقود فرنسا لأول مرة في تاريخها امرأة. هذا عما قبل الانتخابات أما ما بعدها، وذلك هو شغل الفرنسيين الشاغل وتطلعهم المهلوس، فإن كل العوامل الخارجية تصب في بوتقة ساركوزي، الذي لم تمنحه عوامل الداخل إلا تفوقا طفيفا علي خصومه يُنظر إليه علي أنه باعث حقيقي لمنافسة شديدة في الدور الثاني وعليه قد يختزل حراك كل من ساركوزي و روايال في إطار نمطين إنكليزيين، بحيث تحاول رويال أن تجعل من نفسها مرأة فرنسا الحديدية باقتفائها لآثار مارغيرت ثاتشر بالعمل علي المحافظة علي مكاسب فرنسا السياسية العرفية المتضمنة أساسا استقلالية القرار الفرنسي عن التبعية الأمريكية، ومحاولة تزعم الفضاء السياسي والاقتصادي وما سواه علي الصعيد الأوروبي بغية الاستقواء لتشكيل قطب يجعلها في موقف الندية مع أمريكا، بينما يسعي ساركوزي للانسلاخ عن هذه القيم السياسية التي لا يري فيها أكثر من مجرد معطيات سياسية تندرج ضمن المتغيرات.
ولذلك كانت أمريكا تعمل منذ ما قبل الحملة الانتخابية علي دعم وتأييد ساركوزي لعله يكون البديل الأحسن لتوني بلير الذي باتت أيامه معدودات في رئاسة وزراء بريطانيا ولعلم واشنطن المسبق بأن خيلفته لن يكون تابعا وفيا لها، وهو ما تأمل تحقيقه من خلال ساركوزي الذي يمكنها من الاستفادة من فيتو فرنسي في الأمم المتحدة وحليف استراتيجي عسكري واقتصادي وبالنظر إلي عباءة ثاتشر التي ارتدتها روايال وبردة بلير التي تريد واشنطن إلباسها لساركوزي ويسعي هو بدوره إلي لبسها طواعية، يمكن أن نتصور حملة الدور الثاني منافسة بين الشعب الفرنسي والبيت الأبيض الأمريكي.
عبد الله الرافعي[email protected]