المنزلة الوجودية لا علاقة لها بالملكية والكلام عنها لا معني له عند من لا يميز بين الواجب والواقعهل ميز الاسلام بين الرجل والمرأة في العبادات.. وهل ساواها في مسألة حرية التصرف بالملكية ام لا؟
أبو يعرب المرزوقيہ نشرت الأستاذة رجاء بن سلامة مقالا عنوانه للذكر محل حظ الأنثيين وشبه عنوانه جرح التفضيل في عدة أحياز آخرها في العدد 58 من الطريق الجديد يستحق النقاش لعلتين ظرفية وبنيوية. فهو يستحقه ظرفيا لتمثيله عينة من المحاولات التي عرف بها تيار التحديث في ما يسمي باختصاص الحضارة من أقسام العربية في كليات الآداب بالجامعة التونسية. لذلك فسيكون النقاش معه بوصفه عينة من نظائره في الكلام عن الشرع الإسلامي برد علل التشريع البنيوية إلي أسبابه الظرفية. وهو فضلا عن بعده الظرفي يستأصل النقاش بنيويا لاستناده إلي مسلمات تمثل عينة مميزة لما يسمي بالفكر العلماني والتحديثي العربي عامة والتونسي منه خاصة. ويجمع بين الوجهين فنيات العلاج التي يستعملها كلا الفريقين خالية من شروط المعرفة بالموضوع ومن مقومات المنهج الذي يزعمون الاحتكام إليه. ذلك أن هذا المقال يظهر علي سطحه الكثير من شكليات البحث العلمي الأكاديمية التي قد تضفي عليه وعلي أصحابه صفة المعرفة الموضوعية التي تخفي مواقف إيديولوجية صرفة. ومن أهم هذه الفنيات ضربان يشترك فيها الأستاذ محمد الطالبي والاستاذ عبد المجيد الشرفي والأستاذة صاحبة المقال رغم أن أولي حلقات السلسلة تمتاز علي حلقتيها الأخيرتين بشيء من الحذر تلاها تسيب ليس له حد:
والضرب الأول الذي يقدم من منطلق حكم التحديث المسبق يبدو عقليا. إنه الاستعمال السطحي لمقولات فلسفية وتأويلات هرمينوطيقية لما يصفونه بالمسكوت عنه في النصوص والمواقف دون استيفاء شرطي المنهجية التأويلية الفعليين أعني القبول بطبيعة النص والقبول بمحددات الموقف المؤول الحاصلة خلال تاريخ ذلك النص فهما وتأويلا.
والضرب الثاني يبدو نقليا ويتعلق بالاستشهاد الانتقائي بنصوص القرآن والحديث وأسباب النزول المنتخبة دون استقراء تام يمكن أن يضمن شرط الاعتماد الفعلي علي الأصل النقلي إذ لا دلالة للمعطيات النقلية من دون الاستقراء التام قدر المستطاع سواء كانت المعطيات النقلية من التجربة الحسية أو من التجربة النصية.
لذلك فلن يكون نقاشي متعلقا في المقام الأول بمسألة مقادير الإرث وما قد تفيده من ظلم أحد الجنسين أو العدل بينهما أعني بما تصورته الأستاذة موضوع النص التشريعي الذي تجادل فيه ـ لأن المسألة لا صلة لها من قريب أو بعيد بالعدل والظلم ولا حتي بحقوق الورثة ـ بل هو سيقتصر علي مزاعم ربطها هذين الأمرين اللذين ظنتهما ثمرتي النص بمنزلة المرأة الوجودية في الإسلام وعلي مدي فاعلية هذين النوعين من فنيات المنهجية من حيث التمحيص العلمي المتين والفهم الدقيق للمعاني الفلسفية المستعملة. فهذه المعاني يمكن أن تكون فعلا أدوات تحليل وهي قابلة لأن تكون مجرد أدوات تنميق خالية من علامات الاستيعاب إذا ثبت خلوها من الحذر والأمانة في مسائل التأويل الدقيقة خلوا يثبت أنها من مزوقات الحكم التحديثي المسبق لا غير. وسيكون نقاشي في مستويين من الخطاب: فهو يبدأ بوجاهة المنهجيات التحليلية والتأويلية ليصل إلي متانة التصورات القانونية والفلسفية. لذلك فلن أناقش الأستاذة في مواقفها العقدية. لن أهتم بتقويمها حق الإله في تحديد منازل المخلوقات أو المفاضلة بينها إذ لا أنوي الخوض في مسألة العدل الإلهي. فعندي أن للجميع الحق في أن يؤمنوا وألا يؤمنوا بأصل العقائد كلها ليس عقلا فحسب (وهذا أمر كلي لا يحتاج إلي دليل) بل وكذلك نقلا (ودليله الآية 256 من البقرة): حرية المعتقد. سأكتفي بمناقشة ثلاث مسائل تصورية تتعلق جميعا بالوصف القانوني والحد الفلسفي لما ورد منهما في النص الذي تجادل فيه الأستاذة ومسألتين منهجيتين أولاهما هي منهجية الترجمة التي استعملتها لصوغ الإشكالة صوغا يمكن من علاجها، والثانية هي منهجية التأويل التي استعملتها لتحديد مقاصد النص بأسباب نزوله وبتاريخ الظاهرة التي يحدد حكمها. ويقتضي منطق العلاج أن أبدأ المناقشة بالمسألتين المنهجيتين. لكن ذلك قد يزعج القارئ غير الصبور أو غير المتعود علي مقدمات العلاج النظري. لذلك فسأبدأ المحاولة بالمسائل الموضوعية الثلاث لأختم بالمسألتين المنهجيتين علي النحو التالي:
المسألة الأولي تتعلق بفهم معني المنزلة الوجودية:
وهل يمكن استنتاج منزلة النساء الوجودية أو منزلة الرجال من قانون الإرث فنعتبرها علة حكم الإرث كما فعلت الأستاذة أم ان المنزلة الوجودية لا علاقة بالملكية فضلا عنها بالإرث من حيث صلته بمقدار الملكية. وبصورة أدق هل يحق لنا أن نستنتج هذه المعادلة: منزلة المرأة الوجودية تساوي نصف منزلة الرجل لذلك فهي ترث نصف ما يرث.
المسألة الثانية تتعلق بفهم النص: فهل قانون الإرث (بلغة القانون الوضعي) أو حكم الإرث (بلغة الحكم الشرعي) أمر يتعلق بمنزلة الورثة عند الله كما توهمت الأستاذة أم هي في الحقيقة ذات صلة بمنزلتهم عند صاحب الملكية التي ستوزع إما في حياته أو بعد مماته؟ فيكون الاستنتاج السابق مصدره عدم فهم النص في منطوقه بسبب العجل والدجل الباحث عن المسكوت عنه قبل المنطوق به.
المسألة الثالثة تتعلق بفهم معني التفضيل الإلهي: وأخيرا هل المسألة الناتجة عن حكم الإرث تقبل الوصف بالتفضيل الإلهي وصفا مناسبا عند من يفهم المقصود بالمنزلة الوجودية ويدرس أصناف التفضيل الواردة في القرآن الكريم خاصة بعد حسم سطحية الفنيات الخطابية المستعملة في كلام الأستاذة التي قارنت نصيب المرأة من الإرث بنصيب ابن الزنا.
المسألة الرابعة: منهج الصوغ بالترجمة وشروطه.
المسألة الأخيرة: منهج تأويل المقاصد بأسباب النزول وحدوده.
المسألة الأوليلو صح ما فهمته الاستاذة من حكم الإرث عندما ظنته محكوما بمنزلة المرأة الوجودية منزلتها التي تعلل كونه علي ما كان عليه ]الرجل: الإرث الكامل = 2 (المرأة: نصف الإرث( [ == ) (منزلة الرجل = ضعف منزلة المرأة =) (منزلة المرأة = نصف منزلة الرجل[( لكان معني ذلك أن المنزلة الوجودية رهينة مقدار الملكية ومن ثم لكان عدم المساواة في الثروة بين البشر رجالا كانوا أو نساء هو المحدد لمنازلهم الوجودية. فلا يبقي عندئذ فرق بين واقع المنزلة الإنسانية محددة بالقدرات الاقتصادية وواجبها محددا بالامكانات الوجودية حتي لو سلمنا بأن للمنزلة الاقتصادية دورا ما فيها. بعبارة تساؤلية مضاعفة أوضح: هل ينبغي أن تقاس منزلة الإنسان الوجودية بما يملك فتزداد كثافة وجوده بازدياد ثروته أم إن ذلك أمر واقع لا يعبر عن منزلة الإنسان الوجودية بل عن انخرام في نظام المنازل الاجتماعية التي قد تعتبر محددة لمنزلة الإنسان الوجودية عندما ينحصر وجوده في تقديره بالتقويم المادي؟ وهب ذلك مقبولا ـ تسليما بما بات موجودا في مجتمع الفكر التحديث فكر الأغنياء الجدد ـ هل يمكن عندئذ أن تقاس بما يعطيه إياه غيره أو لا يعطيه فتصبح منزلته الوجودية مرتهنة بإرادة غيره وليست بسلطانه علي ما يملك هو بفعله الذاتي؟ لو صح الجواب الإيجابي عن السؤال الأول لكان ذلك يعني أن المساواة الوجودية بين الرجال فضلا عنها بينهم وبين النساء تقتضي أن يتساووا في الملكية. فيكون الرجل الأقل حظا ماديا هو أيضا متردي المنزلة الوجودية وليست المرأة وحدها. وعندئذ سنقع في طريقين مسدودوتين لا مخرج منهما: فلن يبقي بعد ذلك وجود للمساواة الوجودية لتغير الملكية أو لن يبقي للملكية تغير لثبات المنزلة الوجودية. وكلا الأمرين ممتنع عقلا وواقعا. فواقعا لا أحد ينكر أن الملكية تتغير وأن منزلة الإنسان الوجودية تبقي ثابتة اللهم إلا إذا اقتصرنا علي المعيار المادي لتقويم الناس: لأن من يفتقر ماديا لا يفقد الأمل في أن يسترد ثروته وما كان ليفعل لو آل به الفقر المادي إلي الفقر الوجودي إذ يكون قد فقد القدرة علي الاستئناف. وعقلا حتي لو قبلنا بهذا التقويم فإن المعيار لن يكون الملكية من حيث هي ما صار في الحوز بل القدرة علي تحصيلها في الحوز. فيكون الإنسان تقاس منزلته ليس بما عنده فعلا بل بما يمكن أن يكون عنده ومن ثم فالمهم هو ما يفعله ليكون عنده ما عنده: لذلك كان الأمل هو جوهر الملكية كما يقول ابن خلدون. والحلم بالتملك لا الملكية هو محرك الآلة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي وكان فقدان الحلم بالتملك لا فقدان الملكية هو سبب فقدان الأمل ومن ثم اندحار النظام الشيوعي. وبذلك نميز بين الملكية التي يمكن أن تكون علامة علي الكفاءة في إدارة الرزق بدلالتها علي كيفية تحصيله الدالة عليها. والملكية التي يمكن أن تكون علامة علي الدناءة في اختلاس الأرزاق بدلالة كيفية تحصيله عليها تحصيلا لا يراعي قيما تجعل بعض الجماعات تحكم مثل هذا الحكم حتي لا نعمم لعلمنا أن الملكية صارت في بعض المجتمعات جوهرها اغتصابا وسرقة: وفي كلتا الحالتين فإن الملكية لا تحدد المنزلة الوجودية والمنزلة الوجودية لا يترتب عليها قانون الملكية. لكن من يمدني بمن يلتفت إلي هذا المنطق وبعائد الأمور قل أن يراها الباحثون في المسكوت عنه وهم يتجاهلون المنطوق به تسليما جدليا بأنهم لا يجهلونه!
أما لو صح الجواب الإيجابي عن السؤال الثاني فإن المنزلة الوجودية تصبح منزلة وجودية غير ذاتية لصاحبها بل هي لمن يمده بما سيرثه. فتكون منزلته منزلة مستعارة ممن يهبه إياها خلال وهبه ما يورثه إياه أو يتفضل عليه به: وهذا بحد ذاته نفي لمفهوم التصور الذي يفاد بالمنزلة الوجودية إلا عند القائلين بوحدة الوجود حيث يكون كون الشيء ما هو مجرد كونه حالا من أحوال غيره أعني الجوهر الكلي الذي تكون الجواهر العينية سلوبا قيامه الكلي. فتكون منزلة المرأة والرجل الوارثين علي حد سواء منزلة مستعارة من المالك الذي أمدهم بالكثافة الوجودية التي تتضمنها المقادير المالية التي ورثوها عنه ولا يكون ذا منزلة وجوديه ذاتيه له إلا هو. وعندئذ فمنزلة الرجل أو المرأة تتحدد بغيرها فلا يحددها إلا من يوصي لهم بفتات ثروته وهي تكون عدما حتي أوصي لهما بها كلها. لذلك جاءت الآية لتحديد هذا السلطان بالحد من تحكم المالك في الوصية وفي تقسيم رزقه بحسب ما يظنه من فائدة ممن سيوزع عليهم ملكه وليست في تحديد منزلة من سيصبح ورثة: واعتبرت الآية ذلك فريضة من الله أعني جزءا من العبادات وليست من المعاملات لأنها حد من أحد مقومات الملكية أعني حرية التصرف في الوصية. لذلك فإنه ينبغي أن نضيف ملاحظة جوهرية تحدد أمرا وسيطا بين الملكية والمنزلة الوجودية دون أن تجعلهما في صلة التحديد المتبادل قصدت ما يترتب علي معني الحرية التي هي مقوم جوهري من مقومات المنزلة الوجودية ومن مقومات الملكية بإطلاق من حيث هي أحد مجالات ممارسة الحرية وأدوات تحقيقها وليس بمقدارها. فهذا المعني جوهري لأنه من مقومات المنزلة الوجودية ومن مقومات الملكية فيكون من ثم أمرا واصلا بينهما وصل الغاية بالوسيلة بشرط أن نفهم أن الحرية وسيلة المنزلة والمال وسيلة الحرية فيكون المال وسيلة الوسيلة وهو من ثم أبعد ما يكون عن المنزلة: وتلك هي العلة التي تجعله لا يكون مصدرا لها إلا عند اللئام في حين أنها دائما مصدره عند الكرام. من يفهم هذه المعاني ينبغي أن يسأل: هل عامل التشريع الإسلامي المرأة معاملة الرجل في مسألة حرية التصرف في الملكية مهما كان مقدارها أم لا؟ هل ضبطت حرية تصرف المرأة في ما تملك بنفس الحدود التي ضبطت بها حرية الرجل أم لا؟ ذلك أن حرية التصرف في الملكية هي الوجه الوحيد من الملكية، الوجه الوحيد الذي يمكن أن يعد ذا صلة بمنزلة الإنسان الوجودية بخلاف مقدارها: حرية التصرف في الملكية تالية عن الحرية التي هي مقوم جوهري للمنزلة الوجودية. وتلوها عنها هو الذي أوجب الحد من حرية تصرف المالك في التوريث لئلا يكون المال من حيث هو أحد مصادر السلطان دولة بين الأغنياء. إن حرية التصرف في الملكية التي يتساوي فيها الرجل والمرأة في الشرع الإسلامي هي الأمر الوحيد من الملكية، الأمر الوحيد الذي يمكن أن يعتبر ذا صلة وثيقة بالمنزلة الوجودية لأنه يعني أن صاحبه يسلم له الشرع بالرشد وينفي عنه السفاهة بنفس المعايير سواء كان رجلا أو امرأة: كلاهما مثل الآخر في حرية التصرف في ما يملك لأنهما يشتركان بالتساوي في المنزلة الوجودية. أما مقدار الملكية فهو متغير بحكم حوالة الأسواق فضلا عن تحكم شروط أخري سنري بعضها خلال البحث في معاني ما بدا للباحثة دالا علي ظلم وقسمة ضيزي استثارتها إلي حد مقارنتها لغير صالحها مع إرث ابن الزنا.
وكان علي حداثيينا العجلين أن يسألوا السؤال الذي يلهيهم عنه هوسهم العلماني بالعاجل والفاني: ماذا يعني تحديد المنزلة الوجودية بمقدار الملكية خلقيا ووجوديا وما دلالته الانثروبولوجية؟ ولن أجادلهم في حق الرد بالسؤال علي السؤال معاجزين بالقول: ما الذي يحدد المنزلة الوجودية إذا لم تكن الملكية فضلا عن مقدارها سواء كانت آتية من عمل صاحبها أو مما يرثه من آبائه أو أبنائه؟ أجاب القرآن الكريم عن هذين السؤالين في نصوص أخري ليس لها صلة بالملكية لأن المنزلة الوجودية لا صلة لها بها حتي وإن كان للأمرين صلة بالحرية التي هي وسيلة للمنزلة وغاية للمال فيكون المال وسيلة الوسيلة:
وجواب السؤال الأول رهن جواب السؤال الثاني. فالمنزلة الوجودية يحددها القرآن بأمرين يجعلانها مطلقة التساوي بين البشر كلهم فضلا عن الجنسين. ولا علاقة للأمرين بالملكية ولا بالجنس لانهما يتعلقان بمعني الوجود (گtre) لا بمعني المال (avoir) أو بجنس مالكه. والأمر الأول هو وحدة المصدر بالنسبة إلي صاحب المنزلة (خلقا من نفس واحدة ومنها زوجها). والأمر الثاني هو وحدة الفضيلة بالمعني العميق أو الوظيفة بالمعني السطحي بالنسبة إليه كذلك (خلقكم من ذكر وأنثي وجعلكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم). فالمنزلة الوجودية لم تحدد هنا بالجنس ولا بالثروة بل حددت بالمنزلة عند الله ومعيارها حدد بالتقوي في التعارف أي في مداري العمران (الذوق والرزق اللذين يمكن أن يكونا سببا للتعارف أو للتناكر) وفي ما يترتب عليهما من سلطان (وبهما يحصل نظام التعارف أو التناكر) ووحدة الكل (أعني الكيان المادي الروحي أو الجماعة). ولما كان الظاهر من معيار التقوي هو ما يرمز إليه عادة بالعبادات فإن هذا الرمز هو الذي يحدد طبيعة المنزلة الوجودية في دين من الأديان: فهل يوجد في القرآن الكريم ما يميز الرجل عن المرأة في العبادات؟ أما لو حددت المنزلة الوجودية بالملكية عامة أو بالمقدار فإن النتيجة تكون نفي هذين المحددين الوجوديين: فلا يكون الناس متساوين في البداية ولا في الغاية وإنما هم رهن ما يملكون. وعندئذ تصبح المنزلة الوجودية هي عين الأمر الواقع من الظلم والحيف الناتجين عن التناكر الغالب علي الصراع من أجل الرزق بدل التعارف الشارط للذوق وتكون منزلة نسبية إلي أدوات القوة، وليس منزلة تقاس بمعيار القيم التي يكون بها الإنسان إنسانا: فالرزق أداة في التعارف يصبح غاية في التناكر والذوق غاية في التعارف يصبح أداة في التناكر. ولو صح ذلك لامتنع أن تكون المعاملات هي بدورها يمتاز فيها الواجب عن الواقع: لكن الواجب في المعاملات يمتاز عن الواقع ومن ثم فالحقوق لا تقاس بالملكية بل بالمنزلة الوجودية. ولو صح أن الوارث له حق في ما سيرث غير الحق الذي يحدده الشرع أو وصية المالك لكان كلام الباحثة ذا فائدة: فالملكية هي لصاحب ما سيصبح تركة وهو الوحيد الذي يمكن أن يحمل عليه حق الملكية في هذه الحالة. فالوارث لن يصبح ذا حق إلا بإرادة المالك (الوصية) أو بإرادة المشرع (تحديد انتقال الملكية بعد وفاة المالك بتشريع يحدد من مطلق الحق أي مما كان ينبغي أن ينتقل بالوصية إذا سلما أن الميت يبقي ذا حق علي ما بقي من ملكيته من بعده). أعلم أن الباحثة ستقول: يكفينا مثاليات، حدثنا عن الواقع. وهنا يجابهنا الصنم الأكبر في فكر التحديثيين الذين يغلب عليهم عدم فهم ما يقولون. فالكلام عن المنزلة الوجودية لا معني له عند من لا يميز بين الواجب والواقع إذ هو عندئذ يجعل الواقع مثالا ويستعمله في وظيفة الواجب: ذلك أن الباحثة هي التي فسرت قواعد الإرث بالمنزلة الوجودية ولم تفسر المنزلة الوجودية بقواعد الإرث إلا عكسا غير واع لما انطلقت منه أعني من قياس المنزلة الوجودية بالثروة الاقتصادية. وهذا العكس غير الواعي الذي قلب وجهة كلامها حال دونها واختيار التناسق في خطابها: كان ينبغي حتي لا يتناقض قولها أن يكون الواقع الاقتصادي ومنه قانون الإرث هو الذي يعلل المنزلة الوجودية وليست المنزلة الوجودية هي التي تعلله. لكنها تتكلم عن شريعة هذا واقع تشريعها في الإرث وهذا نص تحديدها للمنزلة الوجودية فاضطرت إلي استنتاج منزلة وجودية من نصيب المرأة في الإرث ليس لها وجود في القرآن ثم نسبت إليها دور تحديد النصيب في الإرث. لذلك استبدلت المنزلة الوجودية القرآنية التي لم تطلبها في بحثها بالمنزلة الوجودية التي تخيلتها علة لأحكام الإرث وطلبتها مما سمته أسباب النزول وتاريخ الإرث عند العرب. فذهبت إلي قياس دوافع الصحابيات في طلبهن الجهاد بدوافع من تعبر عن مطالبهن في نسخ آية الإرث: طالبن بالجهاد للحصول علي المساواة في الملكية والإرث وليس لأنهن مؤمنات بقيمة الجهاد لذاته أو استكمالا لثمرات المبايعة التي طولبن بها خلال مرحلة التأسيس! العزائم لا تأتي فحسب علي قدر أهل العزم بل هي تقوم بنفس المعيار: فالصَغار يغفل إلا عن الصغائر!
ولما كانت الباحثة تعتبر ما في النص القرآني المحدد للمنزلة الوجودية من المثاليات سعت إلي بديل منه في أسباب النزول وتاريخ الملكية عند العرب لتفسر ما ورد في النص القرآني المحدد لنصيب الإرث بمنزلة وجودية واقعية تناسب ما اعتبرته من ترابط بين المنزلتين: الوجودية والاقتصادية كما تتبين في مقادير النصيب من الإرث. لكن الفكر المجرد والمتجرد كان ينبغي أن يحلل المسألة منطقيا ليدرك أن الأمر لا يخلو من أن يكون منتسبا إلي إحدي الحالتين المضاعفتين التاليتين: فإما أن للنص المحدد للمنزلة الوجودية علاقة بالنص المحدد للنصيب في الإرث فيكون الحال إما أن النصين بينهما تناقض أو أن المسلمين قد طبقوا النص الثاني وأهملوا النص الأول. أو أن النص الأول لا علاقة له بالنص الثاني فتكون الباحثة قد ربطت بينهما بغير دليل ولم ينحرف المسلمون في التطبيق وينبغي البحث عن فهم آخر لحكم الإرث في غير المنزلة الوجودية.
المسألة الثانيةوهنا نصل إلي جوهر التناقض في موقف المطالبين بالمساواة في الإرث من غير فهم شرطه: إلغاء حرية المالك في الوصية. لم يسأل أحد من المساواتيين عن المساواة فيم تكون؟ هل يمكن أن يوجد قانون يفرض مساواة منزلة الوارثين المحتملين منزلتهم العاطفية لا الوجودية ـ إذ هذه المنزلة ليست نسبية إلي الغيرـ في قلب صاحب الملك عندما يكتب وصيته؟ وهل يمكن للقانون أن يزيل بإطلاق حق المالك في هذا التعيير العاطفي والمصلحي الذي تترتب عليه بنود الوصية المحددة للنصيب من الإرث ولا أقول الفرائض لما في هذه الكلمة من الجلال الذي لا يفهمه من لم يدرك معني تحويل الحد من حرية الوصية المطلقة إلي فريضة أو عبادة؟ أليس المتكلمون في الأمر لا يعلمون فيم يتكلمون: فهل لمن لم يصبح بعد وارثا قبل وفاة المالك حق في ما سيرث بعد أن يصبح؟ حق الوارث أمر يتجدد بعد أن لم يكن. فقبل وفاة المالك لا يتعلق الأمر بحق الوارث في المساواة بل بحق المالك في التصرف الحر في ملكه. لذلك فالحكم الوارد في الآية لا يتعلق بحق الورثة ـ إذ لا حق لهم ـ بل هو يتعلق بضبط حق المالك في التصرف في ما يملك بعد وفاته أعني حق الوصية لئلا يضر بهذا الحق فلا يلغيه بمقتضيات أمرين ذوي دور بعيد سنحللها في المسألة الموالية:
أولهما خلقي واقتصادي هو كيف يبقي المشرع قدر المستطاع علي وحدة الملكية القاعدية التي هي شرط العمران الإنساني السوي أعني العمران الذي لا يتحول إلي مجرد أرقام في اقتصاد خفي الاسم.
والثاني خلقي بيولوجي هو كيف يحرر المشرع حركة تبادل النساء من حركة تبادل المال تشجيعا للتزاوج الخارجي وتقليلا من التزاوج الداخلي الذي كان يمكن أن ينجر عن خروج إرث المرأة بقدر يجعل الأسرة تبقي عليها للإبقاء عليه.
لا أظن الأستاذة قرأت الآية الحادية عشرة من النساء الآية التي تحللها قراءة كاملة فهي تقف من نصها قبل غايته التي تحدد المبدأ الأساسي الذي يدور عليه الكلام ولا يتصل بأحكام الإرث إلا بصورة عرضية. ذلك أنها لو فعلت لفهمت أن الأمر لا يتعلق بالإرث أو بمنزلة الورثة عند الله بل بتعديل منزلتهم عند صاحب الملكية عند التفكير في توزيعها بين أقربائه لئلا يبني وصيته علي ظنونه: … آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (النساء غاية الآية 11 منها). من كان يبحث عن فهم هذه الآية في صلتها بأحكام الإرث فعليه أن يفهم موضوعها أولا والمبدأ الذي تضعه ثانيا: عليه أن يبدأ بالمنطوق قبل العجلة التي أجاءته إلي المسكوت عنه. فالمعلوم أن المالك له صلة بما يملك وبمن سيوصي له مما يملك. والصلة الأولي هي حق الملكية أعني حرية التصرف في ثمرة عمله. والصلة الثانية هي صلته بمن يمكن أن يفيده بما يملك حسب ظنه أو علمه المظنون بما أفاده به في حياته أو بما سيفيده به بعدها: وهو جزء من حق التصرف في الملكية. لكن الوارث لا صلة له بالملكية ذاتها بل صلته بمالكها فحسب خاصة إذا لم تكن الملكية ثمرة لعمل كل أفراد الأسرة وخاصة للرجال منهم في النظام القديم: وهي صلة قرابة أو صداقة ولا علاقة لها بالملكية إلا إذا كان شريكا. لذلك فلا حق للوارث في ما يملك المالك ما دام حيا: الإرث حق بعد الوفاة بمقتضي إرادة المالك (الوصية) أو إرادة المشرع (الحد من حق حرية التصرف في الوصية) وهو حق لا وجود له قبلها. لذلك فمحدد الحسم في المسألة أمران لا يتصلان بحق الوارث: الأول هو علاقة المالك بما يملك والثاني هو علاقته بمن سيختاره لينقل إليه ما يملك. والعلاقة الثانية هي التي تحدد عملية النقلة. أما العلاقة الأولي فهي بمنأي تام عن المنقول إليه. وموضوع الآية هو محاولة تخليص هذه العلاقة من تحكم المالك الذي يبني تفضيله لوارث عن وارث يبنيه عادة علي العلاقات العاطفية وعلي الظنون المتصلة بنوايا من يمكن أن يختاره المالك ليرث ملكه. الكلام يدور إذن حول محددات إرادة المالك في توزيع ملكه: هل يكفي لتحديدها علم المالك بعلاقة من يمكن أن يورثهم ملكه بحسب ما يدركه مما يتصوره من نفع له؟ أحكام هذه الآية تتصل بمسألة الإرث من هذا الوجه لا غير وهي تريد أن تؤطر إرادة المالك أو حرية تصرفه في ما يملك حتي لا تكون مطلقة الحرية بمجرد الاعتماد علي الظن: إنها إذن حد من حرية المالك في الوصية وليست تحديدا لحقوق الورثة إذ ليس للورثة حق بل ليس لهم وجود قبل أن يحددهم نص قانوني (يحد من حرية تصرف المالك في الوصية) أو وصية المالك. لذلك فلا حق لمن سيصبح وريثا ما لم تحدده وصية أو شرع يحد من الحرية المطلقة في الوصية. وبهذا الحد تختلف التشريعات في أحكام الإرث: فالتشريعات الحديثة (الفرنسية علي وجه الخصوص لكون الأستاذة اختارت منها حكم ابن الزنا وللناس في ما يختارون من الصور أسرار) تكاد تلغي هذا الحق بأن تجعل للجماعة فيها الحق الأول بتوسط الضريبة علي نقل الملكية وهو ما لا يقره الشرع الإسلامي.. والنص القرآني لا يحدد حقوق الورثة بل يحد من حق المالك في الوصية لئلا يحرم البعض لمجرد الظن. الفريضة التي تشير إليها الآية هي إذن فريضة الحد من حرية المالك المطلقة في المفاضلة بين أبنائه وآبائه عند تقسيم ماله. ويؤيد هذا الفهم الحد من حرية الوصية في التشريع الإسلامي عند ضم الحديث للقرآن: فالوصية للورثة ممنوعة والوصية لغير الورثة لا تتجاوز ثلث ما سيصبح تركة.