أحلام السينما البديلة وأوهام السينما الفقيرة!

حجم الخط
0

ختام استثنائي لمهرجان قومي حضره عادل إمام:

القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من كمال القاضي: الدورة الثالثة عشر للمهرجان القومي للسينما المصرية يمكن اعتبارها دورة استثنائية لعدة أسباب، أولها أنها تكاد تكون المناسبة السينمائية الأولي التي نزل فيها النجم عادل إمام عن عرشه وذهب لتسلم جائزته كأحسن ممثل عن فيلم عمارة يعقوبيان علي غير المعهود دائما حيث لم يلب عادل طوال مسيرته الفنية أية دعوة داخل مصر، حتي وإن كان مكرما بها اللهم إلا مرة فريدة استجاب فيها لدعوة الجامعة الأمريكية بالقاهرة العام الماضي وكانت لأغراض سياسية أكثر منها فنية بحكم دوره كسفير للنوايا الحسنة، وهو الامتياز الذي جعله يقترب في الأونة الأخيرة من الجمهور وفق الخطة المرسومة لتحركاته من قبل الأمم المتحدة جهة الترشيح وصاحبة السبق في التأثير عليه كنجم كبير له بالطبع توازناته وحساباته الخاصة، لقد صعد عادل إمام خشبة المسرح في حفل الختام وسط عاصفة مدوية من التصفيق، خاصة أن حضوره كان مفاجأة للجميع، ولعل ذلك ما أعطي للختام أهمية أضيفت لأهميته الأساسية كمهرجان له تاريخ لا بأس به في مجال الدعم السينمائي والثقافي، والتركيز هنا علي شخص عادل إمام يأتي من قبيل الاعتقاد بأنه الفنان الوحيد علي الإطلاق الذي مازال يحتفظ بسحره وإشعاعه بين أبناء جيله إذا أخرجنا الفنان القدير نور الشريف من المنافسة والذي تم تكريمه والاحتفاء به ضمن فنانين آخرين هم المخرج الكبير داود عبدالسيد والسيناريست وحيد حامد ومهندس الديكور نهاد بهجت والناقد كمال رمزي.

وبالعودة إلي فعاليات المهرجان سنجد أننا مطالبون بإلقاء الضوء علي السينما التسجيلية والروائية القصيرة باعتبارها الأميز من الناحية الفنية لاقترابها من هموم المواطنين ونبض المجتمع، فهي بمثابة مرآة تضع تفاصيل الحياة اليومية في بؤرة العدسة ليصبح بإمكان العين المجردة إدراكها بسهولة، فهناك علي سبيل المثال فيلم عشق آخر للمخرجة هبة يسري الفائز بجائزة شادي عبدالسلام للعمل الأول وقدرها أربعة آلاف جنيه وفيلم رقم قومي الفائز بجائزة لجنة التحكيم وقدرها ثمانمئة آلاف جنيه للمخرج محمد يس وكذلك فيلمي فلوس ميتة لرامي عبدالجبار، همس النخيل لشرين غيث فالأول روائي قصير والثاني تسجيلي وكلاهما فاز بجائزة لتميزه الفني والتقني، والحالات كلها تمثل في مجملها تفوقا ملحوظا في مستوي الوعي بأهمية اللقطة الإنسانية وضرورة تحويلها إلي حدث يستوجب التوقف والتأمل كثيرا، فما نتصوره لحظة عابرة ينطوي في حقيقته علي مضمون وقيمة ربما لا تتسع لوصفها غير عدسة الكاميرا التي رصدتها، ففي فيلم فلوس ميتة يكشف رامي عبدالجبار النقاب عن واقع شديد المرارة لعدد من الباعة الجوالين في شوارع القاهرة ويعيش معهم تفاصيل حياتهم المليئة بالعذابات والشقاء، كما يشهد معاناتهم مع شرطة البلدية التي تطاردهم طوال اليوم وتجردهم من أدواتهم وبضاعتهم فيتحول رصيدهم المالي إلي فلوس ميتة ممنوع عليهم استثمارها، وكذلك فيلم حُلم إسطبل عنتر لمخرجه يوسف هشام هو تنويع علي أوجاع الفقراء وحاجتهم الماسة إلي الاستقرار والطموح – مجرد الطموح في أربعة جدران تأويهم من برد الشتاء وحر الصيف، وايضا يصور فيلم همس النخيل لشيرين غيث واقع سيدة عاملة تعيش حياة بسيطة لا ترغب إلا في تعليم أبنائها الصم، وتظل تكافح في سبيل هذا الهدف حتي تراهم أمامها أزهارا يافعة تتفتح للحياة، فيما تظل هي تعمل في مهنة تصنيع الأقفاص والسلال وتواصل مشوارها الطويل، وعلي هذا القياس والمنوال تطالعنا السينما التسجيلية والروائية القصيرة بآيات من القصص المؤلمة والحزن الشفيف لأناس يعيشون تحت خط الفقر دون أن يشعر بهم أحد، وربما هذا المعني هو نفسه ما يوحي به فيلم رقم قومي للمخرج محمد محسن.

من هنا وعلي خلفية الإلتقاء النفسي والإنساني استطاعت السينما التسجيلية أن تتجاوز في قدرتها وحرفيتها وعمقها السينما الروائية الطويلة، لتركيز الأخيرة علي الربح كهدف رئيسي وأساسي دون الاعتناء بالقيمة الفنية أو الرسالة الضمنية المنوطة بها، وإن كان هذا لا ينفي وجود تجارب حقيقية ترفعت عن هذا المنطق وربت فوق غرائز المنتجين ونهمهم للمال، ولعل من بين هذه النوعية بعض الأفلام الفائزة مثل فيلم أوقات فراغ للمخرج محمد مصطفي الذي جسد محنة الشباب الضائع المهزوم التائه بين عوالم العنف والمخدرات والجنس نتيجة الأزمات الاقتصادية والأمراض المزمنة للمجتمع، كما أن فيلم عمارة يعقوبيان ترجم ايضا الأزمة علي نحو مشابه ولم تشوبه غير الهنات السياسية التي ربطت الأحداث بحقبة الستينيات وما قبلها في في إنحياز واضح لفترة الأربعينيات، فترة الحكم الملكي التي شهدت علي حد رؤية السيناريست وحيد حامد رخاء واستقرارا غير مسبوقين، وهو الزعم المنافي بالطبع للحقيقة!

أما فيلم حليم ثالث الأعمال التي حصدت الجوائز بتأثير التعاطف مع النجم الراحل أحمد زكي باعتباره بطل الفيلم وصاحب البصمة الفريدة في التاريخ الحديث للسينما المصرية، فقد كان محاكاة لسيرة نجم الغناء العربي الكبير عبدالحليم حافظ قائمة علي التقليد ليس أكثر، خاصة أن هيثم نجل أحمد زكي لم يسبق له التمثيل من قبل، الأمر الذي دفعه بشكل تلقـــائي الي محاولة تقمص شخصية عبدالحليم بغير إحساس كافٍ بطبيعة الدور، فضلا عن أن أحمد زكي كان في أسوأ حالاته الصحية.

وفي تقديري أن فيلم قص ولزق للمخرجة هالة خليل كان الأولي بالفوز من الناحية الفنية، ولكن مشكلة هذا الفيلم أنه واجهه تحديات صعبة حالت بينه وبين نصيبه من الجوائز بغض النظر عما أثير حوله من قلاقل ومشاحنات.

لقد خرج المتابعون لفعاليات المهرجان بنتيجة مفادها أن كثرة الانتاج ليست دليلا علي ازدهار السينما كما يتصور البعض، وانما الواقع قد أكد عكس هذا الزعم، حيث لم يبلغ المتميز من حصاد العام كله اكثر من أربعة أفلام فقط هي ما يمكن أن تصنف كسينما أما البقية الباقية فهي غثاء كغثاء السيل سواء كان للمصنف الفني أو القائمين عليه، كلهم أمام الحقيقة سواء، وأن الأمل الآن بقي معلقا علي السينما البديلة، كتلك التي تضع الإنسان في أولوياتها وتبتعد عن لغة المال وتحترم حقوق المشاهد، ولعل أهم ما تؤكده المهرجانات هو ذلك المعني المتضمن في القيمة والفارق في المستوي والخبرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية