زهرة مرعي
لم يخطر في بال نجوم برنامج ستار أكاديمي يوماً أن يتحول حفلهم في أي بلد عربي إلي كارثة إنسانية. كل ما كان يجول في خاطرهم هو ذلك اللقاء المباشر المغمور بالفرح مع شبان وشابات أحبوهم بقوة ورافقوهم عبر الشاشة المتواصلة علي مدي أربعة أشهر. لكن الكارثة كانت حقيقية في مدينة صفاقس التونسية والضحايا بلغوا سبعا وهم في ريعان الشباب. وقعت الواقعة وكثر الجلادون حيث قرأت علي شبكة الإنترنت في صحيفة “القدس العربي” كتابات من القراء تشبه الشماتة إن لم تكن الشماتة بحد ذاتها. في حضور الموت يرفض أي منا هذه المقاربة لأسبابه. وهذا لا يعني إن إبداء الرأي ممنوع، بل هو مطلوب بقوة. إنما من خلال آليات تحليلية منطقية وليس من خلال الجلد والتشفي، فالضحايا من لحمنا ودمنا، ويفترض أن نحترم حزن عائلاتهم علي فقدهم.
علاقة شبابنا وشاباتنا مع تلفزيون الواقع الذي شكل برنامج ستار أكاديمي باكورته علي صعيد الوطن العربي كانت دون شك علاقة إنبهار كامل بمن ساهمت الشاشة في صناعتهم نجوماً. وهكذا تحول هؤلاء بين ليلة وضحاها إلي مثل يحتذي به. وأصبحوا النموذج الحلم للآلاف من الشبان والشابات. هذا الإنبهار، وهذا الإهتمام المبالغ كان يصلنا من خلال الرسائل التي تظهر أسفل الشاشة في برنامج ستار أكاديمي، كما كانت تصلنا من خلال النجاح الكبير الذي تحققه علي الدوام حفلات نجوم ستار أكاديمي.
مفاعيل تلفزيون الواقع تلك علي المراهقين مسألة فيها وجهة نظر تجعلها ممكنة من النواحي التربوية والنفسية. وبما أننا أمام مراهقين نسأل عن دور الأهل في وضع هذا الإنبهار ضمن أطر طبيعية، منطقية ومألوفة. فمن حق الشبان أن يتمتعوا بالعمر الذي يعيشونه، ومن جهة أخري من واجبات الأهل أن يساعدوا أولادهم علي نوع من التوازن النفسي الذي يتيح لهم السيطرة علي إنفعالاتهم نحو هذا أو ذاك من النجوم. وبالتالي أن تكون حياة هؤلاء المراهقين مشغولة إلي جانب نجم أو نجوم التلفزيون بقضايا أخري ذات قيمة وهدف. ملحمة مسرحية إليك أعود تلك الملحمة المسرحية التي يفترض أنها عرضت في الدوحة ـ قطر كانت ضمن برنامج حديث الصباح من قناة الجزيرة. فقرة صغيرة وكلام قليل، ومشاهد أقل عن ذاك العمل المسرحي كانت كافية لتجعلنا كمشاهدين نتمني لو كنا من المتفرجين علي هذا العرض الكبير.
تلك الملحمة تشكل تطوراً كبيراً علي صعيد تجسيد النكبة التي عاشها ولا يزال الشعب الفلسطيني علي خشبة المسرح بأسلوب فني راق. تجسد الهجرة واللجوء والشتات تؤكد علي حق العودة. عرض يمس الذاكرة ويجعل القضية متواصلة ومنقولة كهدف وطني وقومي سام من جيل إلي جيل. عمل ملحمي وطني يرد في جانب منه علي زحف الحكام العرب وإستجدائهم الحل غير العادل من العدو. ذلك العدو الذي يستميت في سبيل إلغاء حق العودة، والنفاذ كما الشعرة من العجين من الهولوكوست المتتالي فصولاً الذي يرتكبه بحق الشعب الفلسطيني منذ نكبة 1948 وحتي اليوم. للقائمين علي هذا العمل المسرحي نقول أن واجبهم التاريخي يحتم عليهم أن يجولوا كافة أرجاء العالم لعرضه وحيث ينتشر الشتات الفلسطيني. فعرض يمس الذاكرة بهذه القوة وهذه الجمالية الفنية من الحرام أن يبقي فقط عرضاً مقتصراً علي الدوحة. وإن كان ذلك متعذراً فمن أدني واجبات قناة الجزيرة أن تعرضه مراراً وتكراراً علي شاشتها، حتي وإن كان العرض الفني من غير إختصاصها.
كفاية نق! مولودون للتصدير. عنوان لافت لحلقة برنامج كلام الناس السياسي من قناة أل بي سي الفضائية والأرضية. حلقة تضمنت أرقاماً وتحقيقات من خارج الإستديو وداخله، وكماً كبيراً جداً من الإتصالات من لبنان وبلاد الإغتراب اللبناني. من خلال هذا العرض الممتد والمتواصل فصولاً لم نصل في نهايته إلي رقم يحدد حجم الهجرة الفعلية التي يعيشها وطننا الصغير لبنان. فكل ما حمله ضيف الإستديو أرقاماً منشورة علي شبكة الإنترنت من قبل الأمن العام اللبناني تفيد عن عدد المغادرين لمطار بيروت من اللبنانيين. ومن بين هؤلاء من يستطيع أن يحدد عدد المهاجرين؟ في حين أن أحداً لم يقدم رقماً لعدد العائدين. وحتي تلك الأرقام التي تحدثت عن المغادرين أثبتت فرقاً شاسعاً بين من غادروا في سنة 2001 وهم 260 ألفاً، وبين من غادروا في 2006 وهم 48 ألفاً. وهذان الرقمان يدفعان بنا للقول أو حتي التأكيد بأن التداول في أي رقم في لبنان لا يبتغي سوي الهدف السياسي الذي يريده مطلقه. ويدفعنا للقول أيضاً (كفاية نق). صحيح أن أوضاعنا الإقتصادية ليست بخير، وأن البطالة متفشية في أرضنا. لكن الهجرة ليست بهذا الحجم. لقد درسنا في كتب التاريخ والجغرافيا منذ الطفولة أن اللبناني يطلب الهجرة ويحب ركوب البحر وهو مسكون بالطموح وحب الثروة منذ منتصف القرن التاسع عشر. وهناك الكثير من العوامل التي تساعد علي الهجرة إلي جانب العامل الإقتصادي، ومنها دون شك عامل الإقطاع السياسي المتفشي في بلدنا رغم غلاف الديمقراطية الذي نلتحفه ونتغني به.
مولودون للتصدير، حلقة نشرت غسيلنا السياسي والإقتصادي علي أثير الفضائيات، لكنها لم تقل حقيقة عجزنا عن إصلاح ذواتنا والتحول إلي دولة شفافة متطورة ومنتجة تحل محل المزرعة القائمة منذ الإستقلال والتي (تتناتشها) الطوائف دون رحمة.
المغنون يتوزعون برامج الهواة وتفقيس الفنانين تتوالي علي فضائياتنا العربية، وكل منها يقول بتفرده وتميزه وإحترافه المطلق للعمل. والشبان العرب يقبلون علي هذه البرامج بقوة تقودهم أحلامهم بالشهرة وجمع الثروة طبعاً. ما أن يبدأ برنامج حتي يكون آخر قد أخذ طريقه إلي العرض علي الفضائيات. ويبدو أن أصحاب أقنية التلفزيون يستغلون حالة الكآبة التي ينشرها حكامنا الأشاوس في نفوس وقلوب الأجيال الصاعدة فيعملون لإستغلالها. لذلك تشهد بعض برامج الهواة في بدايات الإعداد لها هجوماً يشبه التظاهرات الجماهيرية. فما أن حط برنامج ستار أكاديمي رحاله علي قناة أل بي سي، كان برنامج سوبر ستار علي قناة المستقبل يلاقيه في منتصف الطريق. وما أن إقترب سوبر ستار من حلقاته النهائية حتي كان برنامج نجوم العرب علي قناة أم بي سي يلاقيه في منتصف الطريق أيضاً، وكذلك كان من برنامج إكس فاكتور علي قناة روتانا. ربما تكون هناك برامج أخري علي قنوات عربية لم نتمكن من رصدها. وبعد تخريج هذا الكم من الهواة لا شك بأن المغنين سيتوزعون علي كافة أحيائنا بحيث يصبح لكل حي مطربه أو مطربته، إن لم نبالغ ونقول لكل مبني مطربه.
ہ صحافية من لبنان[email protected]