عزت القمحاوي
المفاوضات التي أعنيها ليست بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولا بين الديمقراطيين والجمهوريين الإمريكان بشأن العراق. ما عنيته مفاوضات سرية مهمة لن يقرأ عنها أحد في غير هذه الزاوية! وهي خاصة بأوضاع الصحافة المصرية التي أتتبع وقائعها بدوافع مهنية تتعلق بمستقبل مهنة أتشرف بالانتماء إليها، وبدوافع وطنية، حيث صارت الصحافة نوعاً من ماكيت لمصر يشبهها في كل شيء، من الفساد إلي انتفاء العدالة إلي انتفاء التأثير، وانتهاء بانفتاح مستقبل الماكيت والأصل علي مجموعة من أنفاق المصادفات المظلمة. جرت المفاوضات التي فشلت من اللحظة الأولي في الجلسة الأولي بشأن راتبي رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير ما صار يعرف بـ البرافدا المصرية حيث توجه وفد من مجلس الصحافة لإقناع القيادتين بالاكتفاء بمائة ألف جنيه راتباً شهرياً بدلاً من المليون. ولم تنس اللجنة تزيين عرضها بالاستعانة بالوازع الديني، حيث يمكن للبركة أن تحل في المبلغ البسيط المعروض فيستطيع الواحد منهم أن يتدبر أمور أسرته بهذا القليل المبارك! لكن الرد المفحم والقاتل للمفاوضات في مهدها كان كالآتي: هل نأخذ هذه الأموال خلسة أم بالقانون؟ قيل بالقانون. إذن اذهبوا غيروا القانون ثم تعالوا نتكلم!
القيادات الجديدة المتمسكة بمكاسب المنصب وصلت إلي سدة الحكم في المؤسسات الصحافية المملوكة للدولة في يوليو 2005 بعد الاستئصال الصعب للقيادات التي أكملت ربع القرن منسية وشائخة في مواقعها، ومنذ ذلك التاريخ لم يتوقف الجدل حول المليارات التي نهبوها من المؤسسات والتجهيزات الفخمة لمكاتب متعددة للشخص الواحد في المبني الواحد (مكتب لأنه رئيس التحرير ومكتب لأنه رئيس مجلس الإدارة وثالث لأنه رئيس الشركة الإستثمارية التابعة للمؤسسة) وبلغ الأمر حد تجهيز تلك المكاتب بحمامات جاكوزي صارت مزاراً للصحافيين المعدمين بعد خلع القيادات القديمة، مثلما فتحت الثورة القصور الملكية أمام جمهور الفقراء عقب خلع الملك! ولم تجد المحاكم حتي الآن ما تدين به قيادات العصر البائد الصحافية، لأن معظم ما كانوا يتقاضونه كان بحكم القانون، وجزء من سياسة أجور معتمدة تنظر إلي موارد الدولة ومؤسساتها بوصفها غنائم، وتنحرف بضوابط توزيع الثروة من قواعد النظام السياسي إلي أعراف التشكيل العصابي. وطبقاً لأعراف مثل تلك التشكيلات يستأثر الـ BIG BOSS بأكبر نصيب من الغنيمة بينما يلقي بالفتات إلي الأتباع، أو المستويات الأقل في منظومة الضبط والسيطرة. وهكذا، ففي الوقت الذي كانت نقابة الصحافيين تكافح فيه ـ ولازالت ـ من أجل إقرار الخمسمائة جنيه حداً أدني للتعاقد مع الصحافي (تسعون دولاراً) كان هناك بين المنتمين إلي المهنة ذاتها من يتقاضي ثلاثة ملايين جنيه، عشرات الآلاف منها راتبه الأصلي، وهو بحد ذاته متجاوز لأعراف التسلسل الوظيفي، والبقية تأتي من البدلات عن اجتماعات قطاعات المؤسسة المختلفة، ونسبة من إجمالي إعلانات الصحيفة، وعمولات الإنشاءات وتجديد المطابع التي كانت تجري بداع وبلا داع، فقط من أجل العمولة المباركة! وفوق كل ذلك فقد أخذت قيادات العهد البائد في تدوير مكاسبها في السوق، الأمر الذي جعل ملايينهم مليارات وأفقد الصحافة استقلالها في مواجهة رأس المال، يضاف إلي فقدانها المبدئي للاستقلال في مواجهة النظام. والنتيجة كانت باهرة: صحافة تضع سيدين في قلبها، ليس بينهما القاريء، سيدها الحقيقي. ولهذا صارت هذه المؤسسات نسخاً متشابهة من برافدا و إزفستيا مصرية لايصدقها أحد! ولم يأت التغيير بجديد، فلا اللوائح تغيرت، ولا الذهنية الحاكمة تغيرت، فقط تم استبدال المخضرمين بأغرار أغلقوا الجاكوزي في وجه الزوار وتسللوا إلي المكاتب مثلما تسلل الثوار إلي القصور الملكية، ومن غير المعقول أن يطلب منهم أحد بأريحية أو عبط أن يتنازلوا عن امتيازات أسلافهم التي يحددها القانون. ولايستطيع أحد أن يخيفهم من حساب قادم لأن صفحة الأسلاف تبدو حتي الآن بيضاء من غير سجن علي الرغم من المليارات التي بحوزتهم. وباستثناء تلك المفاوضات الفكاهية ليس هناك من أحد يقوم بإجراء جدي لوقف تداعي المؤسسات. وهذا أمر مثير للقلق والغضب؛ فالمؤسسات الصحافية هي في حدها الأدني ـ بعيداً عن أدوارها السياسية والثقافية ـ مصدر عيش لعشرات الآلاف من العاملين. إلي متي تستطيع تلك المؤسسات الصمود؟ علم ذلك عند الله، مثلما هو حال مستقبل مصر كلها، فجميع الطرق غير الآمنة مفتوحة. الماكيت مثله مثل الأصل.. هناك التداعي الاقتصادي وتبدد رأس المال الواقعي، بسبب استمرار الإدارة الاقتصادية الخاطئة.. هناك تبديد رأس المال الرمزي لدي الماكيت بمزيد من الانبطاح في مواجهة النظام وحلفائه من رجال الأعمال، ونشوء صحف جديدة مستقلة مسموعة الكلمة، بما يوازي انبطاح الأصل في مواجهة رأس المال والقرار الأجنبي، وفي ظل نشوء قوي عربية جديدة مسموعة الكلمة مثل السعودية! ومثلما يعاني الأصل من تبديد قواه بين حرس قديم وحرس جديد سرعان ما سيواجه الماكيت التحدي نفسه، إذ يعتزم من خرجوا بالمليارات من المؤسسات، إصدار صحفهم اليومية الخاصة التي ستأكل بالتأكيد من رصيد الصحف القومية المتآكل أصلاً! لم تصدر تلك الصحف بعد، لكنها ستكون صوراً من البرافدات القديمة القائمة، وستتقاسم معها أرقام توزيعها المتدنية؛ فهؤلاء الذين لاتزال سيوف العدالة فوق رقابهم لايمكن أن يرفعوا عيونهم في مواجهة النظام ليقدموا صحافة معارضة أو حتي حيادية، كما أنهم بلا كفاءة مهنية تؤهلهم لتقديم صيغة أخري غير تلك التي خبروها في البرافدات القديمة. وليس هناك من يمكن أن نتفاوض معه بشأن مستقبل الأصل أو حتي مستقبل الماكيت!