أهم ملحن من جيل الكبار يفتح خزائنه
لقاهرة ـ “القدس العربي” ـ من أحمد الشوكي: يعيش الموسيقار خالد الأمير حالة اكتئاب مزمن رغم انه أهم ملحن من جيل كبار المطربين مازال في قيد الحياة. صعد نجم الأمير في سماء الأغنية أوائل السبعينات، وجعل المطرب هاني شاكر يدخل كل بيت بمجموعة أغنيات بدأها ب كده برضه يا قمر ومع المطربة الكبيرة سعاد محمد عندما نقلها نقلة نوعية، بأغنية وحشتني ومع المطرب السوري الراحل فهد بلان بأغنية من فوق ظهر الحصان وعلي ألحانه غنت المطربة شادية الأغنية الطويلة مثل الحقيقي الحقيقي و اتعودت عليك.
إلا أن الزمان دار دورته، ولم يعد يري الأمير علي الساحة جيله، وأصبح للأغنية مفردات لا تناسبه.
وفي ذات الوقت ينظر الأمير إلي دولابه المكتظ بألحان كتبها صلاح جاهين صديقه التاريخي، والذي يحتفظ له بمائة وعشرين أغنية، لا يعرف أحد شيئا عنها حتي ورثته، وأغنيات أخري لم تظهر للنور كتبها الراحلون مأمون الشناوي ومرسي جميل عزيز وحسين السيد، فيزداد حزن الأمير حين لا يجد منفذا لأغنيات كانت شركات الانتاج قبل ثلاثين عاما تسرع للفوز بها.
سألته.. كيف تعيش هذه المرحلة من عمرك الغنائي؟ هي مرحلة مريرة، فقدر كل موهوب في مصر الآن أن يغترب، فالإعلام الرسمي بعيدا عن اهتمامات الناس، الذين تحولوا عنه الي الفضائيات وهي بدورها لا تتبني المشروعات الفنية الجديدة إلا ما دخل دائرة الإعلان، ونشر العري بواسطة ألوان غنائية مشوهة، أنا ما كنت أتصور يوما أن الساحة الغنائية ستخلو من كبار الملحنين سواء الجيل الذي سبقني، أو جيلي، ولا أجد إلا وجوها غنائية غير مألوفة، لا تقنعني. أليس من مخرج لهذه الحالة؟ المخرج الوحيد هو عودة الضمير لأجهزة الدولة ذاتها، والتي أصبح يسيطر عليها عديمي الموهبة، فصوت القاهرة رغم أن أساس عملها هو الانتاج الغنائي، إذ بها تتخلي عنه لصالح أعمال درامية، هزيلة، وكذلك الإذاعة التي كانت العمود الفقري للأغنية، إذا بها تموت إكلينيكيا ولا تقدم إلا التراث، والتلفزيون بكل قنواته مليء بالبرامج التافهة، ولذلك حين تعود الدولة إلي ممارسة مسؤولياتها، سيعود الغناء إلي مجده القديم. بماذا تحتفظ في دولابك من أعمال غنائية؟ أحتفظ بمائة وعشرين لحنا لصديقي الشاعر صلاح جاهين، وقد كنا كتوأمين فنيين، فتوحدنا في هذا الكم الكبير من الألحان والكلمات التي تجمع بيني وبينه لا يعرفها ولم يسمعها أحد، حتي من ورثته، أذكر منها تابلوه القاهرة، والذي تقول بعض كلماته: القاهرة، القاهرة، تعظيم سلام للقاهرة، فيها حاجات يا محترم، ما تلقهاش في انكلترا، أمال يا بيه، دي القاهرة، المليونيرات من تفليسهم رموا روحهم من البلاكون، باردون، رقصني شرلستون.
ويصور التابلوه ملاهي روض الفرج في فترة الثلاثينات يقول جاهين:
حدث ما شئت ولا حرج، قدامها دايما، فيه زحام، وفيه هرج وفيه مرج في تياتروهات روض الفرج.
وكتب جاهين عن شارع محمد علي في نفس التابلوه:
يانوم يانوم هشك هشك، مفيش غريب.. اكشفي وشك، لا تغشي حد، ولا يغشك.
وكله بحسابه يا أخه، ضحكتنا، حلاوتنادي حاجتنا، وف بيتنا، ومين يقول علي كده كخه.
وأحتفظ أيضا بتابلوه آخر لجاهين هو هونولولو والذي يصور الأمريكي اللص، الذي يعيش من سرقة الشعوب الأخري، فجاهين كان عارفا بالشخصية الأمريكية، وقد تنبأ بمستقبل إجرامها، هذا بالإضافة الي أغنيات أخري عاطفية ووطنية، لرواد الأغنية مثل مأمون الشناوي ومرسي جميل عزيز وحسين السيد وأخرين. ما هي الوسيلة لخروج هذه الأعمال للنور؟ سأطرحها، ولو علي نفقتي الخاصة، ولربما أغنيها بمفردي علي العود، أو أصمم موقعا علي النت أطرحها عليه، هذا إذا فشلت في التعاقد مع إحدي شركات الانتاج. من يعجبك من الأصوات الغنائية الحالية، تري له مستقبلا جيدا؟ يعجبني وائل جسار، وجنات، لكن المشكلة أن الجيل الحالي حين يوفق في طرح أغنية جيدة، فإنه يقدم بعد ذلك أعمالا غنائية ركيكة، فتصبح أغنيته الناجحـة بمثابة شهادة الرحيل، وهـــــذا يؤكد لنا أن النجاح لدي هذا الجيل يكون وليد المصادفة، ويزيد هذا التأكد حين تعلم أن أكثر هذه الأغنيات الناجحة إلي حد ما، رفض مطربوها أن يغنوها، لكنهم قبلوا تحت ضغط المنتج، أو لأي سبب آخر. كيف وفقت بين مسؤوليتك كلواء في سلاح للمشاة بالقوات المسلحة، وبين التلحين؟ لقد أنفقت سنوات في تعلم الموسيقي، حتي أصبحت أفرق بين الصوت الصحيح والنشاز، وقد استفدت من الأولي إحساسي بالمسؤولية، وعدم إنفاق الوقت سدي، وشعرت ايضا أن الغناء الجميل هولون من ألوان الوطنية. من هو الأب الروحي لك في عالم الموسيقي؟ هو الموسيقار العظيم محمد عبدالوهاب، الذي فتح للأجيال بعدة أبواب واسعة في عالم الغناء والموسيقي، ونقلهما الي مرحلة مليئة بألوان مختلفة وايقاعات جديدة وآلات موسيقية سمعها المستمع العربي علي يديه لأول مرة. علمت أن لك اغنيات سجلتها بالفعل، لماذا لا تطرحها؟ لقد سجلت ثمانية أغنيات علي نفقتي الخاصة، وبلغت تكلفتها نصف مليون جنيه، منذ قبل عشرة أعوام، وهناك شركات انتاج تعرض علي طرحها إلا أنها لا تريد أن تدفع المقابل المادي اللائق، وقد كتب كلمات هذه الأغنيات رواد الشعر الغنائي من جيلي. وعلمت أيضا أن لديك أغنيات للمقاومة الشعبية ضد الفساد، لماذا لم تظهر وهذا وقتها؟ هي أغنيات لحنتها قبل ثلاثين عاما، وتتحدث باسم المواطن المصري العادي، وتعبر عن حالته ورأيه بصراحة، إلا أن أجهزة الدولة ستحول دون ظهورها للناس، وما عدت في هذا السن احتمل دخول السجن، بعد أن دخلته أول مرة في عهد عبدالناصر بسبب خصومة معه. هل تقرأ النوتة الموسيقية؟ لا أعرف قراءتها فقد فشلت في تعلمها، وقد عوضتني أذني الموسيقية عنها، فأنا أعزف وأغني أي لحن موسيقي بمجرد سماعه. لماذا لم تلحن لأم كلثوم وعبدالحليم؟ كانت هناك اتفاقات مبدئية حول بعض الأغنيات إلا أن رحيلها أوقفها وهي أفكار تلحينية أولية لم تكتمل، وليس لهاتين القمتين فقط اللتين لم ألحن لهما، فلقد توقفت مشاريع غنائية بيني وبين وردة ونجاة بسبب غيرة البعض من زملاء المهنة.