مطاع صفدي
هل يعني تجديد الديمقراطية تجاوز قطبية اليسار واليمين؟ هذا السؤال لم يعد نظرياً بل تصاعدت إشاراته ومعانيه من خلال معركة الرئاسيات الفرنسية غير المعهودة في درجة الإقبال علي المشاركة المتجاوز لثلثي عدد الناخبين في كل من الدورتين الأولي في الرابع والعشرين من الشهر الفائت والثانية في السادس من الشهر الحالي. ليس العدد هو الظاهرة الكبري وحده؛ هنالك ذلك الزخم الفكري الجدلي الذي صاحبها. ولعل المحور الأعمق المتلامح وراء الصخب الإعلامي البالغ أوجه لدي أبواق كلا الفريقين، كان يثير قضية التغيير في مفهوم الديمقراطية الغربية، وليس في شكلها وإجراءاتها فحسب. فهل يمكن تصور ديمقراطية بدون جدل اليسار واليمين اجتماعياً واقتصادياً، وقبل أن يكون فكرياً أو تشريعياً؟ هذه المسألة ليست آنية أو محلية وتخص الرئاسيات الفرنسية وحدها. إنها بكل بساطة تطرح أسئلة التحولات البنيوية التي ربما لا تخص المشروع الثقافي الغربي فقط، بقدر ما هي ذات طبيعة كونية. وقد تكون المجتمعات غير الغربية والمحرومة حتي اليوم من تخطي أبسط العقبات السياسية علي الطريق نحو أشكال أولية من حرية الرأي والاختيار، بحاجة ماسة إلي دروس المتغيرات التي لا تكف التجارب المتقدمة ديمقراطياً ذاتها، عن التقاط رموزها الإيجابية والسعي إلي تعديل مفاهيمها السياسية، وتصحيح أنظمتها الحاكمة علي ضوئها. إن تاريخ الديمقراطية الغربية ملتحم تماماً مع التوزع الاجتماعي بين قطبين رئيسيين؛ وقد جاءت تسميتها باليمين واليسار منذ أن جلس ممثلو الشعب الفرنسي في الجانب اليساري من قاعة المجلس، ذي الصفة الاستشارية، والأولي في تاريخ الملكية القديمة؛ وجلس مقابلهم ممثلو طبقة النبلاء، في الجانب الأيمن. وكان ذلك هو التوزع المكاني الذي ميّز تلك الجلسة التاريخية التي أصر فيها نواب الشعب علي منع حق الفيتو الملكي وتدخله في القرارات المتخذة، ما وضع نهاية سريعة لذلك المجلس الناجم هو عينه عن قرار اضطراري من قبل الملك علي سبيل المناورة والتهدئة. لكن الحدث الرمزي ذاك قد فتح الطريق سريعاً أمام انطلاق الثورة الفرنسية التي أطاحت بكل مؤسسات (النظام القديم) كما صار يُدعي فيما بعد توصيفاً للحكم الملكي المطلق، ومعه طبقة النبلاء المستأثرة بمختلف مصالح الدولة.
شكل هذا التوزع المكاني في أصله لمفهومي اليسار واليمين، الثنائية السياسية التي ستحكم منعطفات التاريخ الحدثي لديمقراطية الغرب. غير أنه إذا كانت هذه الثنائية ثابتة الدلالة الاسمية علي الأقل، إلا أنها اتخذت تعريفات شتي بناء علي متغيرات الصراعين السياسي والاجتماعي الحافلين للقرنين الأخيرين. فمن المعروف أن الصراع خلال القرن التاسع عشر كان محركه تحصيل الحقوق المدنية وانتظامها دستورياً وعملياً. بينما تتابعت تحولات القرن العشرين وثوراته الكبري تارة وراء المطامح القوموية العنصرية (الفاشية والنازية) وتارة وراء تحصيل الحقوق الاجتماعية، بحسب المنظور الطبقي (الشيوعية السوفييتية والاشتراكية الغربية). لكن عبر النصف الثاني من القرن العشرين، اغتنت ثنائية اليسار واليمين في أوضح صورة سياسية عسكرية، واكتسبت ملامح دولية شاملة تحت قطبية المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، المسيطرة علي الخارطة الجيوسياسية للعالم كله.
لكن إلغاء الاتحاد السوفييتي لذاته ولامبراطوريته المفاجئ، فضلاً عن كونه أودي بهذه الثنائية، في صيغتها الدولية المسيطرة، فقد قصم ظهر اليسار العالمي الموحد تقريباً حسب النموذج الماركسي السوفييتي، وأعاده من جديد إلي حدود الدول مغلوباً علي أمره، وإن اجتهد في تبني المشكلات المحلية والانخراط في الحياة الوطنية الخاصة بكل مجتمع علي حدة. بالمقابل قفزت الرأسمالية إلي ذروة القطبية الواحدة، وساعدها ذلك علي اختراع (العولمة) التي تحاول أن تجعل كل داخلٍ لمجتمع أو دولة، جزءاً من خارج عولمي كلياني؛ ويصير هو عينه إلي هذا الداخل الكوكبي الأعظم. من هنا يجيء مصطلح إعلامي ثقافوي حول إشكالية المأزق الفكري والبنيوي الذي انتهي إليه اليسار الوطني، غربياً في الدرجة الأولي. إذ أنه بعد خسرانه لمرجعية القطبية الدولية الكبري، فقد أمسي في ظل المجتمع الواحد، يجد نفسه مطالباً باجتراح النضالين معاً: ضد يمين داخلي متنام، ويستمد قوي إضافية من غزو العولمة محلياً، وضد هذه العولمة عينها، عابرة القارات في آنٍ واحد. فالمتابعة للنقاشات المحتدمة هذه الأيام خاصة بمناسبة الانتخابات الرئاسية في فرنسا، توضح إلي حد بعيد مدي العسر الفكري الذي يعانيه اليسار الحالي، المهيض الجناح، والمنقسم علي نفسه إلي شراذم وراء حزب اشتراكي كبير ومهم، وأتيح له أن يحكم فرنسا لمدة أربعة عشر عاماً تحت رئاسة ميتيران. لكنه أزيح عن المركز الأول في السلطة لدورتين رئاسيتين بقيادة جاك شراك. ولكن طيلة هذه الحقبة الطويلة نسبياً والحافلة بشتي المتغيرات وطنياً وأوروبياً ودولياً، فإن هذا الحزب، ومع المزيد من تفرق قياداته (التاريخية)، وتعدد تياراته المتنافسة داخلياً علي كل شيء، لم يعد قادراً علي إعادة إنتاج أدواره الماضية بشكل متطور عن شعاراتها وإجراءاتها التقليدية. فليس ثمة قابلية فردية أو جماعية لابتداع منظومة جديدة من الأفكار والحلول الصعبة للمشكلات الراهنة، وطرح منهجية عمل موحدة لسلوكه السياسي، بما يضفي عليه تميزاً ومعقولية جاذبة للجماهير المتقدمة بوعيها عن مجمل التنظيمات الحزبية القائمة. هذا لا يثبت أن اليمين الحالي أمسي في حال أفضل، فإن له تمزقاته وشراذمه هو كذلك، وإن كان له حزبه الكبير الموصوف بالديغولي، الذي يكاد يستأثر بحكم فرنسا منذ ستينيات القرن الماضي، ما عدا حقبة ميتيران الاشتراكية التي لا يبدو أنها ستُكرر بسهولة، مع إخفاق (الاشتراكي) في إيصال مرشحته الحالية سيجولين رويال إلي سدة الرئاسة، هذا بالرغم من كل طابع الجرأة الفكرية بل الحداثة الإنسانية، المميز لهذا النوع من الترشيح النسائي الأول في تراث الثورة الفرنسية. لكن الطريف حقاً في المعركة الرئاسية هذه أن كلاً من اليسار واليمين يتصارعان علي ادعاء التجديد وضرورته الوطنية القصوي بالنسبة للحالة الاجتماعية والاقتصادية العامة المتردية التي يتشارك الحزبان في تصنيفها بالخطيرة والقريبة من دفع فرنسا إلي خانة التخلف بالمقارنة مع أندادها الأوروبيين. غير أن التحسس المشترك بالأزمة البالغة الخطورة والتعقيد من قبل اليسار واليمين، لا يجعلهما يتفقان أبداً حول التوصيف والتحليل، وبالتالي حول الحلول الناجعة. والأرجح أن أياً منهما لن يتمكن لوحده من المواجهة مع التغيير الشامل سواء كان الفوز بالرئاسة معقوداً للمرأة الذكية الشجاعة (رويال)، أو لغريمها (ساركوزي) المشهور إعلامياً بالمحافظ الجديد، لطموحه المعروف عنه إلي الاستئثار بسلطات الجمهورية، وتحويل الحكم إلي نسخة عن النظام الرئاسي الأمريكي، ومحاكاة النموذج البوشي عنه خاصة، وبرلسكوني الإيطالي المنزاح عن السلطة، حتي بعد اغتصابه لها انتخابياً، وعلي شاكلة النسخة البوشية الثالثة، (أسنار) الإسباني الذي أسقطه تحمسه لغزو العراق والمشاركة العسكرية في احتلاله، والكذب علي شعبه. ولعل من الطريف حقاً أن التجديد الذي يريده ساركوزي ملحاً عليه في كل خطبه الانتخابية، يريد له أن ينصب أولاً علي حزبه الديغولي نفسه الذي يوصله إلي السلطة. إنه متهم كلياً بنزع الديغولية عن الحزب، أي باختزاله إلي مجرد حزب يميني طبقي صرف، ويعبر عن مصالح رأسمالية فرنسية، موصوفة بالقدم، وعليها أن تلتحق بالليبرالية الأمريكية، وتتبع خطاها لإنقاذ فرنسا من (التخلف). لكن ربما يتنبه مستشارو ساركوزي إلي أن البوشية ومعها إيديولوجيا المحافظين الجدد، تواجه آخر مراحل تحدي الوجود والعدم في وطنها الأم. فكيف للنُسَخ المستعارة ألا تنقل معها قصة انهيار الأصل، كما كانت تنقل عنه أوهام استعلائه والعربدة السياسية المجنونة المميزة لسلوكه الأخلاقي تجاه ذاته وكل الآخرين. خلاصة الموضوع أن تطورات السياسة العالمية بما حفلت به من المنعطفات الفاصلة فكرياً واستراتيجياً إنما يتحسسها بالدرجة الأولي الغربيون الذين يعتقدون أنهم الأولياء والقيمون علي تراث الديمقراطية والحداثة. فكل الجدل الثّرّ الذي صاحب حيوية المعركة الرئاسية في فرنسا، قد يكشف عن تلك الحاجة العميقة والمشتركة بين مختلف الأفرقاء، إلي تحرير خارطة كل من اليسار واليمين من عناوينها التقليدية، والانفتاح نحو الثنائيات الجديدة الحارة والراهنة، من مثل العولمة (والعولمة البديلة، صراع الحضارات أم تضامنها ضد أعدائها المستجدين، التكنولوجيا والأخلاق الحيوية التي تحد من شططها التقني علي القيم الإنسانية، الأحادية المتعنصرة أم الكوسموبوليتيا المدنية..). هذا علي مستوي الهموم الكونية، وأما ما يخص قضايا الداخل الاجتماعي، فإن للحداثة حاكميتها الأعلي في كل شأن من الحياة العامة والفردية. ويصاحبها بالطبع التطلع إلي المزيد من الديمقراطية التي لا حدود لآفاقها مهما تحقق منها الكثير من مُثُلها ومعاييرها التي لا تنفد. فالمزيد من الديمقراطية هو قانون بقائها من أجل أن تظل سلطتها العادلة فوق كل سلطات الأمر الواقع اليوم أو غداً، هذا بالرغم من قول البعض أنه في شأن الحرية، يمكن القول باقتصاد السوق، وليس بمجتمع السوق. هكذا عاشت فرنسا هذه الأسابيع عرساً حقيقياً مجدداً لتراث ديمقراطيتها، وبصرف النظر عن شخصنة الرئاسة وعمن يكون مجسدها. هناك عودة سعيدة صاخبة للمجتمع إلي عاداته العريقة في ممارسة حقوقه المدنية العامة، وليس فقط الفردية أو الذاتية. لا خوف علي فرنسا أو مستقبلها. وإن كان الحداثيون في كل جيل من أجيالها، يتطلعون دائماً إلي ما هو الأفضل الذي لم يتحقق بعد بالإضافة إلي زحمة الواقع بمزايا التقدم والحرية. فلا شَبَعَ من غذاءٍ للحرية لا ينضب، ولا ارتواءََ من ينابيع للتقدم لا تجفّ.
أما المراقب الآتي من عالم مختلف فيستمع إلي صوت لسانه الصامت يتمتم: إن استمرار الحرمان من الديمقراطية يحول المجتمعات المقموعة إلي جنس بشري آخر. 9