عبد الباري عطوان
يتصاعد الحديث هذه الايام في بعض وسائط الاعلام المكتوبة منها والمرئية، عن سوء المعارضات العربية، ويذهب البعض الي مقارنتها بالانظمة الحاكمة، وتأتي النتائج لصالح الاخيرة، باعتبارها اكثر ليبرالية وفاعلية، بينما الاخري اما همجية او عميلة.
ما كنا نتطرق الي هذه المسألة، لولا ان التهجم علي المعارضات بات ظاهرة خطيرة، يصب في نهاية المطاف في مصلحة انظمة حكم دكتاتورية قمعية فاسدة اوصلتنا كعرب ومسلمين، الي ما نحن فيه من تخلف في مختلف المجالات، حتي بتنا مضرب المثل في الكسل والفساد والعمولات والجبن، وخسارة جميع الحروب، واستجداء السلام من موقع الضعيف الذليل.
المعارضات العربية سيئة، وبعضها لا يستحق هذا اللقب اساسا، لانه ارتمي في حضن المستعمر الاجنبي وتحول الي اداة لتبرير عدوانه علي الامة، والهيمنة علي ثرواتها وفرض الحصارات التجويعية علي شعوبها المقاومة. ولكن ليست جميع المعارضات العربية هي المعارضة العراقية التي تواطأت مع المحتل لبلادها واوصلته الي ما نراه حاليا من تمزق وحروب اهلية وتطهير عرقي. كما ان ليس كل المعارضين العرب هم احمد الجلبي وفريد الغادري. فالسجون والمعتقلات العربية تطفح، وعلي مدي الخمسين عاما الماضية، بالمعارضين الشرفاء الذين قالوا لا للديكتاتورية القمعية، وطالبوا بالحريات الديمقراطية واحترام حقوق الانسان في بلدانهم ولم يترددوا لحظة في دفع ثمن باهظ من حريتهم الشخصية، واستقرار اسرهم، بل وحياتهم في بعض الاحيان.
بعض المعارضات العربية سيئة نعم، ولكن نتاج الانظمة العربية الاكثر سوءا، ولانها ـ اي الانظمة ـ لم تسمح مطلقا بظهور معارضة جيدة وطنية شريفة، لان هذا النوع من المعارضة مكانه اما في القبور، او السجون، او المنافي، في افضل الاحوال، وحتي من هاجر بعقيدته ومبادئه الي المنفي وجد فرق الموت التابعة لمخابرات الانظمة تطارده بالرصاص او السموم، والامثلة كثيرة في هذا الصدد.
المعارضة الجيدة والشريفة هي نتاج مناخ ديمقراطي تعددي تسوده الحريات، والقضاء المستقل والشفافية والدساتير المحترمة، ومن المؤسف انه لا توجد دولة عربية واحدة تتوفر فيها هذه البديهيات المتاحة لدول وشعوب كانت تستر عوراتها بورق الشجر عندما كنا نصدر الحضارة وعلومها الي مختلف اصقاع الارض.
وحتي لا نغرق في العموميات، مثل الكثير من الكتاب العرب، ونتهرب من تسمية الامور باسمائها نلخص احوال المعارضة في ثلاث دول عربية، رئيسية، اخترناها لانها تعتبر الاكثر نفوذا وفاعلية في المنطقة، وشكلت مثلثا حكمها لاكثر من ثلاثة عقود. اولاها الاغني ماليا، وثانيتها الاضخم بشريا وحضاريا، وثالثتها الاوسع باعا في الثورية، وايدت اثنتان منها الغزو الامريكي للعراق دون تحفظ وتطوعت الثالثة (سورية) متأخرة لمساندته: المملكة العربية السعودية: هذه هي اغني دولة عربية من حيث الاحتياطات والعوائد النفطية (220 مليار دولار سنويا) هذا غير الناتج المحلي من المعادن والصناعة والزراعة، ويوجد فيها تجانس بشري وديني وعرقي، مع استثناء محدود، ومع ذلك تغيب فيها الحريات بشكل كبير، وتمنع فيها الاحزاب السياسية، بل ان معظم الاندية الكروية التي باتت بمثابة احزاب سياسية مقنعة، يتولي زعامتها امراء من الأسرة الحاكمة. وهذا ينطبق علي معظم القطاعات الاخري ابتداء من المؤسسة العسكرية وانتهاء بالغالبية الساحقة من الشركات التجارية.
المعارضة السعودية الدينية توصف بالارهاب وتطلق عليها الحكومة الفئة الضالة ومن لا يقتل من هؤلاء برصاص الشرطة، يتعفن في السجون دون محاكمات، هذا اذا لم يعدم بحد السيف فورا. اما المعارضة الاصلاحية الليبرالية التي تجرأت علي التقدم بعرائض، مجرد عرائض وبطريقة حضارية مهذبة تتضمن مطالبها العادلة في الشفافية والقضاء العادل ووقف الفساد والمساواة، فعوقبت بالاعتقال، لسنوات، واجبر رموزها علي التوقيع علي تعهدات بعدم المشاركة في اي عرائض اصلاحية جديدة، وصدر قرار بمنعهم جميعا من السفر واسألوا السادة محمد سعيد طيب وعلي الدميني وعبدالله الحامد، وسعيد بن زعير ومتروك الفالح وغيرهم. مصر: الحكومة المصرية تعتقل يوميا المعارضين السلميين لنظامها، ويكاد يكون الدكتور عصام العريان احد قادة الاخوان المسلمين، اكثر من دخل المعتقلات وخرج منها ليعود اليها في العالم بأسره، ويستحق ان يدخل موسوعة غينيس للارقام القياسية. واذا كان البعض يرفض معارضة الاخوان المسلمين لانها اسلامية اصولية، ويراها مصدر كل الشرور مرددا مقولة الامير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي، فماذا عن السيد ايمن نور، صديق امريكا وحليفها، وزعيم الليبراليين في نظرها، فهل تصديق النظام، والقبول بشروطه، وتعديله المزور الكاذب للدستور، والدخول في انتخابات الرئاسات منافسة للفرعون الاكبر يؤدي به الي المعتقل دون رحمة او شفقة؟
واذا كان ايمن نور، ونحن لسنا من مريديه، تجرأ علي معارضة الفرعون، وطرح نفسه منافسا لنسله المقدس، فما هو ذنب كتاب المدونات والزميلة هويدا طه التي حكم عليها بالسجن ستة اشهر لانها تجرأت علي التطرق لممارسات التعذيب في معتقلات مصر وبشكل خفيف وخجول؟ سورية: المعارضات السورية في معظمها سيئة، وبعضها مرتبط بالغرب، ولكن هذا لا يعني ان النظام هو مجموعة من الملائكة، والحريات في بلاد الشام اكثر منها في سويسرا. فريد الغادري ليس المعارضة السورية، ولا السيد عبد الحليم خدام نائب الرئيس السابق. فالاول يعارض من منفاه المخملي في واشنطن وبدعم مالي وسياسي منها، والثاني يعارض لانه اراد ان يكون مخلدا في الحكم حتي بعد تجاوزه الخامسة والسبعين من عمره. فالنظام كان جيدا ونموذجيا عندما كان هو احد اعمدته، لاكثر من اربعين عاما، واصبح ديكتاتوريا قمعيا عندما غادره الي المنفي الآمن في باريس.
النظام في سورية لم يرحم مطلقا المعارضة الشريفة الوطنية، وسجونه ومعتقلاته تطفح بهؤلاء الذين قرروا المعارضة من داخل بلادهم، والابتعاد عن امريكا ودعمها. واسألوا ميشيل كيلو واكرم البني وعارف دليلة ومأمون حمصي ورياض الترك، والقائمة تطول.
استخدام المعارضة العراقية كنموذج لتشويه المعارضات العربية الاخري هو اخطر شيء يهدد المنطقة العربية ومستقبلها، لما يتضمنه من خلط وليّ اعناق الحقائق. فالمعارضة العراقية التي تعاونت مع الاحتلال كانت معارضة مدسوسة مأجورة طائفية حاقدة، خطفت المشروع الاصلاحي العراقي من المعارضة الشريفة ووضعت مصالحها الذاتية والطائفية فوق مصالح العراق والامتين العربية والاسلامية، ولهذا جاءت النتائج كارثية بكل المقاييس.
المعارضة العراقية هذه تسببت في تمزيق العراق ومقتل مليون من ابنائه، وتشريد اربعة ملايين آخرين نصفهم خارج العراق، وقدمت اسوأ الامثلة في الفساد ونهب المال العام، وتشكيل فرق الموت وممارسة التطهير العرقي، وبناء الاسوار العنصرية، ومسح هوية العراق الوطنية والعربية، ولذلك لا يجب اخذها كمثل لتثبيت انظمة عربية قمعية تحت اكذوبة الاستقرار والامن. وعلينا ان لا ننسي ان هناك معارضة عراقية وطنية حقيقية تقارع الاحتلال وتريد تحرير بلدها وتقدم الشهداء يوميا. ثم ماذا عن المعارضة الفلسطينية التي تتصدي للاحتلال وتقاومه منفردة في ظل حصار ظالم وتنكر ذوي القربي؟
ماذا قدم لنا الاستقرار الذين حققته الانظمة الديكتاتورية، غير التخلف والقهر والفساد والسرقات والمحسوبية والطائفية والعشائرية؟ هل قدموا لنا نهضة صناعية او علمية، هل اقاموا جامعات محترمة، ومؤسسات دستورية، وقضاء مستقلا.. هل طوروا اسلحة نووية او تقليدية تحافظ علي مصالح هذه الامة، وتنصر قضاياها؟
نحترم كل الآراء الليبرالية التي تنتقد الاصوليين الاسلاميين وفكرهم، ولكن اليس من حقنا ان نسأل هؤلاء، ومنابرهم، عن الذي دعم هذه الظاهرة ووظفها، في يوم من الايام، لخدمة المشاريع الامريكية، ولضرب التيارات الليبرالية والقومية واليسارية العلمانية التي يدعي هؤلاء الحرص عليها؟ وانفق المليارات لتعميمها في المنطقة بأسرها، وعندما نمت هذه الظاهرة وترعرعت ووجهت بنادقها الي الاحتلال الامريكي انقلبوا عليها وتآزروا لقمعها ووظفوا كل طاقاتهم الاعلامية لتشويهها؟
لماذا لا يسمون الاشياء باسمائها ويخرجون من تحت عباءة التعميم، ويحللون هذه الظاهرة من جذورها وبشكل علمي، ينسجم مع الشهادات العليا التي يحملونها، واسلوب البحث الراقي في الجامعات الغربية والعربية التي تخرجوا منها؟
ختاما نقر ونبصم بان بعض المعارضات العربية سيئة، ومرتشية، ومخلب للمشاريع الامريكية في الهيمنة واذلال العرب والمسلمين، ولكن هذا لا يعني انه ليست هناك معارضة شريفة ووطنية، ومعارضين شرفاء باتوا يقاتلون علي جبهتين، جبهة الانظمة العربية الديكتاتورية الذليلة والحامية للمشاريع الامريكية، وجبهة الاستعمار الامريكي الجديد. ولعمري ان معارضة علي هذا القدر من الجرأة والشجاعة والتضحية تستحق الاحترام. ازمة الامة من فساد مثقفيها، وتناسل وعاظ السلاطين وما اكثرهم هذه الايام.