قراءة نقدية في مقاربة تونسية حول منزلة المرأة في الإسلام (3 من 3)

حجم الخط
0

قراءة نقدية في مقاربة تونسية حول منزلة المرأة في الإسلام (3 من 3)

الحداثيون يقولون انهم تحرروا من سلطة الكهنوت ولم تبق امامهم الا شرعية الاستبداد ومعارضة الصالوناتقبل الخوض في تأويلات حول مساواة ارث المرأة بالرجل علي الباحث ان يعرف القانون والفلسفة والمنطق والعقيدةقراءة نقدية في مقاربة تونسية حول منزلة المرأة في الإسلام (3 من 3)أبو يعرب المرزوقيہ المسألة الرابعةلم أفهم لجوء الاستاذة إلي قياس الإرث المخول للمرأة في الشرع الإسلامي بالإرث المخول لابن الزني في القانون الفرنسي. فهل وحدة المقدار بمجردها كافية لتكون مبررا للقياس؟ ومع ذلك فلست ممن ينفي حرية الباحثة في اختيار نموذج الصوغ النظري الذي ترتئيه: فلها كامل الحق في ذلك. اختارت الباحثة إذن أن تقيس هذين الأمرين ربما بسبب ما فيه من التبشيع المقصود إذ قد بينا ما يجعل القياس خاليا من الدور المأمول في عملية معرفية تعتمد علي ترجمة من هذا الجنس وهو فيها لا يكون مطلوبا إلا لهذه الغاية. فأصبحت الترجمة مجرد حيلة خطابية توحي للقارئ بسؤال استنكاري قد يكون نصه قريبا من: كيف يمكن لشريعة يزعمها أصحابها سماوية أن تكون نظرتها إلي المرأة دون نظرة شريعة وضعية لابن الزني ثم يواصل المؤمنون بها اعتبارها مقدسة؟! وهذا أيضا مما لا أناقش فيه. فهو أمر مشروع عند من يميل إلي الكتابة الخطابية رغم بدائيته لخلوه ـ ليس بالذات ـ بل عند الباحثة من حذق الخداع الذي يرغب فيه الخطباء: فالاستبشاع من أدوات التأثير في الإقناع الخطابي بشرط أن يكون خفي الخيوط وبارع الحياكة فلا تبرز مخارزه للعين المجردة فيفتضح صاحبه ويحصل الوقع المقابل. أما منطقيا فقيــــــاس الباحـــــثة بين الحالتين المقيسة والمقيس عليها لا يستقيم إلا إذا سلمنا لها بما بنت عليه علاجـــها: سلمــــت أن العلاقــــة بين مقدار الإرث دالــــة المنـزلة الوجـودية للوارث دالة بالمـعني الرياضي للكلمةfunction in a mathematical meaningومن ثم فالتساوي في مقداره دليل علي التساوي في مقدارها (بل هي ذهبت إلي أكثر من ذلك إذ الحل الإسلامي بات عندها مفضولا والحل الفرنسي فاضلا لأن ابن زني في هذا أكبر حظا من البنت في ذاك). وقد عالجنا مسألة العلاقة بين المنزلة الوجودية والملكية والإرث عالجناها آنفا في ثانية المسائل الموضوعية فبينا سخف هذا الحكم فضلا عن كونها تسلمته ولم تعتبره بحاجة إلي دليل. لكن إذا كانت الباحثة قد اعتمدت طريقة الترجمة فمعني ذلك أن الظاهرة المترجم إليها تبدو لها ذات شفيف كاشف للبنية النظرية التي أرادت استخراجها لشرح سطح الظاهرة بعمقها أعني بالنموذج المحدد لقوانينها بالمعني الرياضي للكلمة. وليس بعزيز أن تجد في حديث المتحدثات عن الحداثة من يفهمن هذه الأحداث البديهية لأن حظهن من العلم ينبغي ألا يقل عن حظ ابن الزني حتي في القانون الفرنسي قبل تعديله الأخير إرثا عن أصحاب الحداثة قيسا لقيمها علي قيم الملكية في مثالنا. فعندما نترجم معطيات مشكل رياضي بلغة الجبر لحله فنصوغ معطياته بمعادلة جبرية يكون المقصود بالترجمة الانتقال من الصوغ الذي ينطق بمعجم اللغة الطبيعية ونحوها إلي الصوغ الذي ينطق بمفردات الجبر وقوانينه. عندئذ تصح الترجمة الصوغية: إذ النقلة تغير مستوي الصوغ فتيسر إجراءات العلاج لكونها تبين الخفي من البنية الباطنة للظاهرة المدروسة. وهي لا تكون كذلك إلا بافتراض شرطين يصعب أن يتوفرا في مثال الأستاذة متراتبين علي النحو التالي: فالشرط الأول هو أن يكون الانتقال ضروريا للعلاج علما وأن فعل الانتقال من الصوغ الذي لا يقبل العلاج العلمي (إرث البنت في الإسلام) إلي الصوغ الثاني (إرث ابن الزني) الذي يقبله ذا قواعد معلومة لأهل الاختصاص ومتفق عليها: شرط وحدة السياق بين الظاهرتين أعني عدم أخذهما بمعزل عنه وهو هنا روح القانون العامة. والشرط الثاني هو شرط الشرط الأول وهوأن يكون بين الصوغين تشاكل بنيوي يبرزه الصوغ الثاني ويخفيه الصوغ الأول وهو عينه ما يمكن من العلاج. فالصوغ الثاني ليس هو العلاج بل هو كما في مثال الصوغ الجبري يمثل منطلق العلاج المؤدي إلي الحل تحليلا أو تركيبا: شرط التشاكل البنيوي بين نظامي الملكية والوصية. فهل الحكم القانوني الذي يحدد الإرث عند ابن الزني في القانون الفرنسي الذي تشير إليه الباحثة يشترك مع النظام الذي يحدد الإرث عند البنت في الشرع الإسلامي في غير المقدار؟ وهل اعتبار انتقال الملكية بالإرث حقا للوارث يقتضي المساواة بين الورثة يبقي لمفهوم الحرية في التصرف في الملكية معني خاصة إذا لم نجد أدني مبرر لحصر هذا المبدأ في الأخوة؟ وهل الاشتراك في المقدار وحده كاف للقول بالتشاكل البنيوي بين الظاهرتين الموصوفتين أم إنه يستوجب الاشتراك في العلة العميقة التي بموجبها يحدد المقدار أيا كان كما علل القرآن سبب نهي المالك من تفضيل من سيوصي له بما يظنه علما بمن هو أكثر نفعا له من بينهم؟ والعلة إن وجدت ألا ينبغي أن تكون هي عينها جوهر المبدأ الوجودي الذي يستند إليه التشاكل البنيوي العميق تحت سطح الظاهرتين؟ والتشاكل المبني علي المقدار حتي عند التسليم بقابليته للاستعمال في الكلام علي الإرث معدوم في هذه الحالة بسبب الخلل في حدود المعادلة. فالمقارنة كان يمكن أن تكون مفيدة لو لم يكن أحد الحدود الأربعة مختلفا: فمقدارا الإرث متجانسان (النصف في الحالتين) لكن الوارثين من جنسين مختلفين (ذكر وأنثي) إلا إذا كان مدلول ابن الزني يعني الجنسين عند الباحثة. لذلك فالتشاكل حتي لو قبلناه لن يكون وجوديا بل رياضيا لا غير بمعني انتسابه إلي طبيعة طريقنا إلي علمه وليس إلي طبيعته هو. طبيعته التي لا ندري ما هي دراية تمكننا من زعم الكلام علي المنزلة الوجودية لمن تنسب إليهم الحقوق. فعلاقة الطبيعتين إحداهما بالأخري منعدمة أعني أن الوجود (معين المنازل الوجودية) والمال (معين مقادير الملكية الموروثة) ليس بينهما علاقة مباشرة. ومن يدرس العلاقة يجدها تمر بتوسط الحقوق التي تضبط أمرا يكون مشتركا بينهما له شيء من طبيعة حدي التوسط. فمن المنزلة الوجودية تنبع الحرية شرط إرادة الفعل في المجال الإنساني. ومن المال تنبع القدرة عليه في المجال الإنساني. فتكون العلاقة بين الملكية من حيث هي أداة الفعل والحرية من حيث هي علته وغايته أو العلاقة بين الإرادة وإحدي أدوات القدرة موضوع الحقوق التي تصل القانون الذاتي بالقانون الموضوعي ومن ثم تصل الذات من حيث أحد أبعاد منزلتها الوجودية بالملكية من حيث أحد أبعاد دورها في تحقيق أحد شروط الإرادة النافذة أي القدرة: فيكون الأمر كله متعلقا بحق تملك المال وبحرية التصرف فيه دون وصاية أيا كان مقداره وفي ذلك تتساوي المرأة والرجل في الشرع الإسلامي ولا أظن الأمر كذلك في أصل الشرع الذي أخذت الباحثة منه مثالها المحبب. ولن يختلف الأمر حتي لو كان كذلك إذ يكون التعلق بحرية التصرف وليس بمقدار المتصرف فيه. أما تساوي المقدارين وحده فهو غير كاف ليكون في المقيس عليه دلالة أوضح مما في المقيس في هذه الحالة علي القانون العام الذي يشتركان فيه أعني في التشاكل البنيوي المطلوب المعلل للنقلة من أحدهما إلي الآخر ومن ثم الممكن من العلاج. ولا أظن الكاتبة تجد مثل هذا الكلام صعبا فهو واضح حتي للمبتدئين في فنون العلاج الرياضي فكيف بالمتجاسرين علي تفسير القرآن بمثل هذه الأقيسة العجيبة؟وظني ـ والله أعلم ـ ان علة نصف الإرث عند ابن الزني غير علة نصف الإرث عند البنت في الإسلام رغم علمي أن هذا النصف الأخير ليس معللا في أي نص قرآني اللهم إلا إذا حملنا محمل الجد ما استنتجته الكاتبة بتأويلاتها لتاريخ خصومة الإرث عند العرب في الجاهلية وفجر الإسلام. فكل هذه التأويلات أقل ما يقال فيها إنها ليست مبنية علي قواعد سليمة كما سنري في المسألة المنهجية الموالية. فعلة مقدار الإرث ينبغي أن تكون من جنس الموروث أعني أنها ينبغي أن تكون من خصائص الملكية الكمية وليس من كونها ملكية ولا من كونها دالة علي الحرية التي هي مقوم من مقومات المنزلة الوجودية: فحرية التصرف في المال لا تقدر بمقدار المال بل بمقدار التصرف. ولا شك أن مدي فاعلية الحرية يمكن أن تقاس بمقدار المال في المجتمع الإنساني لتقدير المنازل الاجتماعية بمقداره وخاصة في المجتمعات الأليغارشية كالتي يحلم بها حداثيونا ويسمونها ديمقراطية: يصعب أن يفهموا التشريع المعد لمجتمع ذي قيم ارستوقراطية تشمل الجميع مجتمع للفضيلة فيه معني وبها تحدد المنازل لأن معيارها التقوي في التعارف وليس التقية في التناكر. وفي هذه الحالة تكون علة النصف في إرث ابن الزني ـ والله أعلم ـ تقليدا موروثا عن العرف الفرنسي قبل الثورة بقي في لاوعي المشرع الفرنسي. فهو ابن من أم لم تدفع لأبيه ما يقابل الصداق عندنا لأنه لم يتزوجها قانونيا ـ كما هو الشأن في عرفهم المشار إليه ولا ننسي أننا نتكلم علي من عندهم ما يورث ولهم القدرة علي الزنا المعلن والاعتراب بالأبناء الطبيعيين بالمصطلح غير الديني ما دمت أتكلم بلغة الأكاديميين المتحررين من هذه المفردات غير المحايدة فلا معني لوصف العلاقة بالزنا عندهم ! ـ فلا يكون له من الإرث إلا نصف حق الابن الشرعي الذي يرث من الثروة بكاملها ـ أعني من ثروة الأب وفيها ثروة الأم التي انضمت إلي ثروته والتي يعد الصداق جزءها الأهم ـ وليس من نصفها. وهذا يبين أن النصف هنا عادل بإطلاق. لكن مثل هذا التعليل منعدم في الحالة الإسلامية: ليس للأب مبرر لحرمان البنت من النصف الذي خصم من حقها الكامل بمنطق الباحثة إذ حتي هذه الحجة التي وجدناها لنصف ابن الزني ليس لها وجود لبنت الحلال ! إنه حرمان تحكمي مئة في المئة: ليس من مبرر قابل للتصور من أصل الملكية نفسها كما في حالة ابن الزني.لكن الباحثة استعاضت عن العلة التي حددها الشرع الإسلامي بعلة استنبطتها بعملية تأويلية غير مشروعة منطقيا وفلسفيا سنأتي إليها لاحقا. فالعلة عندها ليست إلا مجرد تحليل ينصف به الشارع المفضول للمحافظة علي منزلته الدونية أو مفضوليته. وهو عندها لن يتحرر إلا بالعدل الذي هو عندها المساواة وهي في عرفها فوق الإنصاف. وكنت في الحقيقة أظن الإنصاف أبلغ من العدل لأنه يتجاوزه إلي الإحسان فإذا بي أجده قد أصبح حائلا دون العدل والمساواة. فلا العدل هو أن تعطي المرء ما يستوجبه مقامه ولا الإنصاف هو أن تقسم معه مناصفة دون اعتبار للمنازل بل العكس هو الصحيح عند فيلسوفة الحقوق في فقه اللغة الحداثية: ربي زدني علما.والمشكل الأهم في هذه الترجمة العجيبة أن الأستاذة لم تبحث في تعليل مناصفة ابن الزني أصلا فضلا عن عدم الوعي بعدم تعليل مناصفة الإناث في الشرع الإسلامي. لكنها حاولت طلب التعليل من خارج النص واللجوء إلي أسباب النزول بدون رابط بين الآية وسبب نزولها كما حاولت طلبه من غير الآية إما في السنة أو في تاريخ الجاهلية. وهذا خروج عن مفهوم سبب النزول من أصله تسليما جدليا منا بأن سبب النزول يصلح تفسيرا لكون النصوص هي علي ما هي عليه فيتجاوز كونه من دوافع إيجاد النص المعلومة وليس علة كونه علي ما هو عليه. وحاصل القول إن الترجمة لم تكن بهدف صوغ المعادلة التي تساعد في العلاج بل هي من جنس حيل الخطابة التي تعتمد علي الاستشناع الخطابي من أجل الاستفضاع الدرامي المؤدي إلي إقناع المخاطب برأي الخطيب الذي أعيته الحجة بمقومات ما يصفه بخطابه. ولعله من فساد الذوق أن يقارن المرء شرعا مقدسا عند شعبه حتي وإن لم يكن المقدس ذا معني عنده بمدنس حتي في الشرع الوضعي الذي اعتمده رغم كونه يجهل منه العلل والأسباب: فتكون الشريعة الإسلامية في مسألة إرث البنت أشنع من الشريعة الفرنسية في إرث ابن الزني. ولما كانت ثروة الأب ليست له وحده في نظام الملكية التي أخذ منها مثال إرث ابن الزني بل هي ثروة الوالدين كان من المعقول جدا ألا يحصل ابن الزني إلا علي نصف ما يحصل عليه الابن الشرعي. ولما كانت الباحثة قد تكلمت عن ابن الزني دون بنت الزني فإننا لن ندلي برأي حتي تفعل علي ألا ننسي المساواة بين حظ الزواني والزناة حظهم من العلوم التي تقيس المنازل الخالدات بالفاني من الممتلكات. المسألة الأخيرةلعل مفهوم الحداثيين لا تزال دون إدراك الفرق بين السبب والعلة. ولا يدركون أن السبب لا يعدو أن يكون الحدث العارض الذي يمكن أن ينبه الإنسان إلي أمر. لكن علة الأمر غير سبب إدراكه. فالأمران ينتسبان إلي سلسلتين من الأحداث مختلفتين تمام الاختلاف: أولاهما متصلة بأثر وقعه يجري في مستوي الأحداث النفسيه (=صغائر التاريخ). والثانية لها تعلق بترابط أحداث الأمر (=عظائم التاريخ) الذي انتبه إلهي الإدراك.وهذا الأمر مقوماته ذات ترابط وجودي لا يعلم إلا بما يكونه العقل من ترابط بين حدود منطقية مشاكلة للحدود الوجودية ويجهل إذا ظنت علله راجعة إلي الأحداث النفسية. ولنضرب مثالا مشهورا حتي يفهم من يدعي الفهم من دون أسبابه: فلو صحت نظرية مفسري التشريع الإسلامي بأسباب نزول القرآن لكانت خرافة التفاحة التي سقطت علي رأس نيوتن تفسيرالبنية قانون الجاذبية! لافائدة من التذكير بدلالة المطلع الشهير لأشهر قصائد المتنبي. فتفسير جلائل التاريخ بصغائر الأحداث هو الأصل في الأهمية التي يوليها من يخلط بين أسباب النزول وعلل كون النازل هما علي ما نزل عليه. ويذكرني هذا بموقف ابن خلدون ممن يفسر نكبة البرامكة بالعلاقة الغرامية بين العباسة والبرمكي. فعندي أن كل محاولات فهم التشريع القرآني بأسباب النزول ـ حتي لو توفرت وكانت العلاقة بين النص والأسباب ثابتة ـ لا تعدو أن تكون تفسيرا للتاريخ الجليل بالتاريخ الصغير: لذلك تري كل الحداثيين يسترقون السمع لما يجري في بلاطات بلادهم لتفسير التاريخ بمقاسهم سواء كان ماضيا أو حاضرا. سأستسمح القارئ باستطراد مشروع في مثل هذه الحالات التي يكون فيها علاج المسائل البنيوية سانحة لعلاج المسائل الظرفية. فقبل الكلام علي هذه المسألة العويصة أشير إلي مأساة ـ ملهاة ركحها أقسام العربية في الجامعة التونسية. فعلوم العربية التي هي أسمي علوم الأمة ماتت وعوضها شبه من التفلسف مربع قل أن تجد له مثيلا في الجامعات التي جعلها النقد الذاتي تتحرر من سلطان الدجل: فبعض المختصين فيها أصبحوا فلاسفة تاريخ وبعضهم أضحوا فلاسفة حضارة وبعضهم أمسوا فلاسفة نقد وهم جميعا باتوا فلاسفة تشريع ولم يبق أحد في أقسام العربية مختصا في علوم العربية إذا أضفنا إلي هذا الرابوع الرطن بما يسمي اللسانيات بين قوم لا يكاد أغلبهم يجيد اللسان العربي حتي وإن حفظ قواعده فضلا عن غياب تعدد الألسن الضروري لمثل هذه المهام. ووهم تفسير التشريع الإسلامي بأسباب النزول بدأها زعيم فلسفة التاريخ رغم كونه ينتسب إلي اختصاص العربية وتابعها زعيم فلسفة الحضارة رغم نفس الانتساب وأتمتها زعيم فلسفة النقد رغم نفس الانتساب: وكلهم يشتركون في جرأة التطفل علي ما ليس من اختصاصهم جرأة لا يساويها إلا الجرأة علي إهمال اختصاصهم. فهل الآداب العربية تعد إلي فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة وفلسفة النقد إعدادا يؤهل أصحابها إلي الخوض في فلسفة التأويل والشرائع والأديان من حيث هم علماء؟ أم ان المنتسبين إليها يعبرون عن مواقف شخصية في حدود ما يضمنه حق حرية التعبير للمواطن بخصوص التشريعات التي تنتظم بها حياة الجماعة؟ لن أجادل إلا في الخلية الأولي من هذا الخيار. أما الخلية الثانية فلا جدال فيها. فحق المواطن في موقف شخصي من مثل هذه المسائل أمر مشروع. لكن أن يزعم البعض موقفه علما وأن يقدمه علي أنه ليس موقفا شخصيا بل تأسيسا لنظريات في فهم التشريع الإسلامي وتأويل مضموناته حتي يجعله مادة للتدريس الجامعي دون فهم لمعني الفصل بين المجال العمومي للنقاش بين المفكرين والمجال الخصوصي لتدريس المضمونات العلمية في الجامعات فذلك هو ما أعتبره مأساة ـ ملهاة تجري علي ركح أقسام العربية في جامعاتنا.ولنستأنف البحث في قضية العلاقة بين أسباب النزول والنصوص النازلة. وحتي نعالج القضية بأكبر قدر ممكن من الحياد سنفردها من بعديها التشريع عامة والتشريعي الديني خاصة. لن نهتم بأسباب التشريع عامة (وضع القوانين) ولا بأسباب النزول (التشريع الديني) بل سنهتم بالوقوع وأسبابه سواء كان الأمر متعلقا بوضع التشريعات (في مجال المعايير القانونية) أو بوضع النظريات (في النظريات العلمية).فلنبدأ بالنظريات العلمية إذ هي أيسر علي الفهم من التشريعات القانونية. فلا شك أن بعض التجريبيين يتصور المعاينات التجريبيبة من أسباب وضع النظريات العلمية. لكني لم أسمع بواحد منهم ذهبت به النزعة التجريبية إلي أن يصير غفلا فيعتبرها علل كون القوانين العلمية هي ما هي. فالقوانين العلمية تخضع لمنطقين متعامدين: 1 ـ أحدهما منطقي خالص هو تناسق النظريات في تواليها التاريخي (تاريخ بناء علم الفيزياء مثلا هو الذي يحدد المشاكل الفيزيائية وحلولها ومن ثم النظريات من حيث هي لبنة في جسم علم الفيزياء) وفي تساوقها الفني (التناسق مع فروع علم الفيزياء والعلوم الشارطة كالرياضيات والمشروطة كالكيمياء). 2 ـ والثاني اقتصادي خالص هو النسق الأبسط والأقل مفروضات لعلاج أكبر عدد مممكن من القضايا التي يطرحها المجال الموضوع للعلم في تواليها التاريخي (التقليل من الشذوذ التجريبي في ظاهرات الموضوع) وتساوقهاالفني (الاستفادة من تقدم العلوم الشارطة والعلوم المشروطة). أما ما يسمي بأسباب الوقوع أو التجارب التي بموجبها يضطر العالم إلي مراجعة نظرياته أو وضع نظريات جديدة فهي من جنس المنبه الذي يوجه انتباه العالم وليست من جنس علة العلم الذي يصل إليه العالم. إنها تنبهه إلي أمر ينبغي أخذه في الحسبان دون أن تحدد كيفية أخذه في الحسبان. فهذه الكيفية ينبغي أن تخضع للمنطقين المتعامدين اللذين أشرنا إليهما أي المحدد المنطقي أو ما يمكن أن يعتبر جوهر الأكسيومية التي هي صورة العلم والمحدد الاقتصادي الخالص أي ما يمكن أن يعتبر جوهر الفاعلية التي هي وظيفة العلم من حيث هو صورة عن العالم وأداة فعل فيه.ولنأت الآن إلي التشريع. فهو يقبل القياس علي ما يتصف به العلم من حيث هذين المحددين المؤثرين في كونه ما هو وتحرره من سبب الوقوع. فلا وجود لتشريع يتجدد في كل لحظة بمقتضي المنبهات الخارجية التي تمثلها أسباب النزول في حالة التشريع المنزل وأسباب الوقوع في حالة التشريع الوضعي: ويذكرني هذا الموقف بموقف فقهاء عقاب الزمان الذين يتصورون الفقه لا يتطور إلا بالمنبهات الخارجية التي يسمونها فقه الواقع الذي هو في الحقيقة البديل من علمه أعني الجهل بطبيعة التشريع والواقع. فكل قانون جديد لا يتصل به سبب النزول أو الوقوع إلا بصلته بتوقيت التشريع وظرفه. لكن التشريع الذي سينتج بعد هذا التنبيه لن يكون محكوما إلي بالمحدد المنطقي والمحدد الاقتصادي بالمعنيين اللذين أشرنا إليهما في حالة القانون العلمي علي الأقل من حيث صورته القانونية. لا شك أن الكثيرين سيحتجون بأن القانون التشريعي عامل التأثير فيه الخفي أهم من هذين العاملين المحددين لصورته القانونية دون مضمونه القانوني: وهذا العامل هو علاقات القوة في المجتمع. وهم يحتجون هذا النوع من الاحتجاج لظنهم القانون العلمي خاليا من أثر علاقات القوة في المجتمع. فخيار الحلول في الحالتين خاضع للتناسق مع النسق العام للحضارة التي يقع فيها التشريع بحسب مجالاته الثقافية. الفرق الوحيد أن المحدد الذي من هذا الجنس في العلمية هو علاقات القوة في وسط الثقافة العلمية أو في الجماعة العلمية: الخيارات في الحلول النظرية محكومة بعلاقات قوي بين مذاهب فكرية أو فلسفات يحكمها في الغاية خيارات عملية تعود إلي جنس الخيارات التي تحكم الأخلاق العامة ما كان منها واعيا أو غير واع أعني ما يسمي بـ المعروف والمنكر Silichkeit. وهي في التشريع علاقات القوة التي يبدو فيها هذا الطابع بأكثر وضوع لأنها تحدث في وسط الثقافة السياسية أو الجماعة السياسية التي مدارها الأخلاق العامة لجماعة من الجماعات.وفي كل الأحوال فليـــــس سبب النـــــزول أو سبب الوقوع إلا المنبــــه أو ما يسمي بالفرنسية La causalitژ occasionnelle ليس هو العلة الذاتية لما سيكون عليه القانون سواء كان علميا أو شرعيا بل هو المناسبة التي يأتي القانون لعلاجها بمنطقه الخاص وليس بما ورد في السبب من منبهات تعد السانحة التي وجهت الذهن إلي عرض من أعراض ما سيعالجه التشريع. فكل ما قاله طالبو التفسير بأسباب النزول يمكن أن يكون صحيحا من حيث التنبيه إلي ضرورة علاج المسألة التي يريدون تفسيرها. لكن تلك الأسباب لا تفسر كون ما يريدون تفسيره علي ما كان عليه بل هي قد تفسر توقيت وقوعه وظرفه لا غير. لذلك فلــــــيس لما قالته الباحثة حول الإرث عند العرب وفي لحظة نزول الآية علاقة بما تم في آية الحد من حرية التصرف في الوصية. الخاتمةكيف نفهم عدم الفهم عند من لا يميز بين سبب نزول النص (أو وقوعه في القانون الوضعي) وعلة ما نص عليه ومن يتصور الترجمة أداة تحليل كيفما اتفق وينتهي إلي التطفل علي غير اختصاصه بمعان ثلاث. ذلك أن مسألة المساواة في الإرث بين الرجال والنساء وإن كان ذات صلة بقضية الجناسة والحركة النسوية فإنها لا تقتصر عليها بل تتعداها إلي ثلاثــــة وجوه يحق لأي إنسان أن يقف منها الموقف الذي يلائمــــه دون أن يزعم موقفه مستندا إلي معرفة علميـــة بل هـــو مجرد رأي. ليس يحق له أن يقدم مبررات موقفه وكأنها عــــلوم بأسانيد فيها شبه من البحث الأكاديمي بما يرد فيها من مصطلحات رنانة تزعـــــم عقلية (مثل المنزلة الوجودية ومنهج الترجمة طلبا للبنية العميقة والمسكوت عنه زعما باستعمال الهرمينوطيقا إلخ..) وتشخيصات تبدو انثروبولوجية في ما وراء أسباب النزول. فلا بد من علم متين في ثلاثة اختصاصات ليس لمن اختصاصه العربية حتي وإن زعم التفلسف في التاريخ أو في الحضارة أو في النقد الأدبي مقومات الكلام العلمي فيها:أولها حقوقي وقانونيوالثاني منطقي وفلسفيوالثالث عقدي ودينيولما كان الاختصاص الأخير أقل الثلاثة بعدا عن الالتزامات التي يصعب ألا يقع فيها الخلط بين الموقف والعلم بات التطفل عليها داء دويا وخاصة في المتطفلين علي فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة وفلسفة النقد فإني ركزت علي الأولين ولم أجادل في الأخير رغم علمي بأن أكثر الناس هوسا بالهاجس الديني هم من يزعمون وقوف مواقف العلمانية: فلو اعتبرنا كثرة الكلام في المسائل الدينية حتي سلبا مقياسا لمعرفة الهواجس التي تدور في خلدهم لكانوا أكثر معاناة للمسألة الدينية ممن يزعمون إسلاميين في الحركات المتحمسة للفعل المباشر واستبدال النظريات الفلسفية بالثرثرات الإيديولوجية.وحتي يتأكد من الحداثة الكاذبة في فكر الحداثيين العرب يكفي أن تسأل عن طبيعة الشرعية التي يستند إليها التشريع الوضعي الذي يريدون. فمن المفروض أن يكون البديل الوحيد من شرعية التشريع الذي تقول به أخلاق الجماعة التي ينتسبون إليها الشرعية الديمقراطية أعني إرادة الجماعة التي يريدون أن يفرضوا عليها آراءهم التشريعية. فهل يقبلون مثلا أن يعرض مقترحهم بالحد من حرية المالك في الوصية إلي غاية تتحقق فيها المساواة بين المرأة والرجل في الإرث علي الاستفتاء الشعبي؟ طبعا سبكون ردهم: لكن الشعب جاهل ولا يفهم ما يفهمون. فيثبت من ثم أنهم ليسوا علمانيين بل قائلين بكنيسة العقلانيين الاستبداديين الذين يشرعون للشعب بديلا من الكهنوت الذي ينسبون إليه ما يعتقد الشعب أنه إرادة الله. إنهم يقدمون أنفسهم علي أنهم تحرروا من سلطان الكهنوت الزائف باسم إله وهمي حسب رأيهم بسلطان كهنوت أكثر زيفي باسم إله هو عين التزييف: العقل الذي لا يمتاز عن الرأي وعبادة الهوي إلا بالادعاء. أما خصومهم فيجمعون بين الشرعيتين: شرعية ما تؤمن به أغلبية الجماعة وشرعية ما تريده الجماعة شرعا لها لو استفتيت في تشريعاتها. لذلك فإنه لم يبق لهؤلاء غير شرعية الاستبداد الذين هم حلفاؤه موضوعيا وذاتيا مع رفاه المعارضة الصالونية التي لم تعد تنطلي علي أحد وخاصة منذ أن تبين للجميع حلف أغلبهم مع رأس الطاغوت في الحرب علي حصانة الأمة الروحية بالعمالة الفاقدة لكل روح والعابثة بكل القيم باسم عقلانية قاصرة علي أدني شروط علوم العقل والنقل.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية