ثلاث ساعات في الأكاديمية العسكرية

حجم الخط
0

د. عبد العزيز المقالح

مجموعة كبيرة من الأسئلة الصامتة ارتسمت في ذهني ونحن ـ صديقي الشاعر الكبير محمد عبد السلام منصور وأنا ـ نجتاز بوابة الأكاديمية العسكرية لحضور مناقشة رسالتي ماجستير. كانت الأسئلة التي ارتسمت في ذهني تدور كلها حول الماضي والحاضر، ماضي بلادنا الذي يشبه العدم إن لم يكن هو العدم ذاته، والحاضر الذي يسعي إلي استكمال وجوده متحدياً كل الصعاب والمعوقات وما أكثرها.

لم تكن هذه الزيارة هي الأولي لي إلي هذا الصرح الأكاديمي ـ أو بالأصح المدينة العلمية ـ بقاعاته ومبانيه الباذخة المتعددة، فقد سبق لي أن حضرت إليه في حفل الافتتاح. كما حضرت حفل تخرج إحدي الدفعات من حملة (الأركان) لكن هذه الزيارة كانت مختلفة، وكان لا بد أن تكون مختلفة لا لأنها خالية من الرسميات وما يرافقها من ترتيبات وحشود، وإنما لأنها كانت علمية بعيدة عن كل المظاهر التي تمنع التأمل المحايد وتستقصي أبعاد الصورة، والمناسبة ـ كما سبقت الإشارة ـ مناقشة رسالتي ماجستير لضابطين يمنيين أحدهما في الحرس الجمهوري والآخر في القوات البحرية. كانت رسالة الأول المقدم أركان حرب ناصر علي، طريق عن (الثأر، الأسباب، النتائج، الحلول) وكانت رسالة الثاني العقيد عبدالله محمد حمادي عن الإبرار البحري في (جزيرة حنيش الكبري). في الموعد المحدد بدأت مناقشة الرسالة الأولي، لا يختلف الأمر كثيراً في الأكاديمية عنه في الكليات الجامعية سوي أن المشرف علي الرسالة لا يتولي رئاسة لجنة المناقشة وإنما يتولاها ضابط أكاديمي آخر يشاركه في المناقشة عضو أول وعضو ثانٍ، وبعد أن ينتهي الباحث من تقديم رسالته والدفاع عن محتواها وتحديد منهجها وأهميتها، يبدأ المناقشون الثلاثة في إبداء آرائهم التي تنتهي بقدر جهد الباحث وتزويده بالملاحظات اللازمة ثم إعطائه الدرجة التي يستحقها. وبالطبع فقد كان كل باحث يناقش في قاعة مستقلة وله مشرفه ولجنته المتخصصة. ولا أخفي أنني علي مدي الساعات التي استغرقتها المناقشات كنت أسرح بذهني ـ بين حين وآخر ـ إلي البعيد، البعيد من المستقبل لأري هذه الأكاديمية المبني، أو بالأصح المعني بما ترمز إليه من تطور للمهارات المعرفية والقيادية لأبنائنا العسكريين الذين يتم تأهيلهم علمياً ليشكلوا الدرع الحقيقية في الدفاع عن الوطن وثورته ووحدته، بعد أن لم تعد الشجاعة وحدها والإخلاص وحده هما المؤهل الوحيد للضابط في زمن المتغيرات بل لا بد من أن تضاف إليهما المعرفة في أحدث أساليبها. وتأكد لي أننا في ضوء ما نعيشه ونجابهه من مشكلات قادرون علي توفير المناخ العلمي وإتاحة الفرصة للموهوبين والقادرين من أبناء القوات المسلحة علي متابعة دراستهم الأكاديمية ليقدموا أبحاثهم العلمية عن أهم ما يعترض الوطن من مشكلات وما يطمح إلي تحقيقه من مقومات النهوض وإلحاق الهزيمة بالتخلف. أخيراً، أعترف أنني أنتمي إلي جيلٍ مخضرمٍ عاش جزءاً من شبابه في زمن العدم، زمن الأطلال والسجون والفراغ الفكري والاجتماعي، وأني لهذه الأسباب ولغيرها أشعر بسعادة لا حدود لها حينما أري مدرسة تنشأ أو طريقاً يرصف أو مستشفي أو حتي مستوصفاً يضاف إلي سلسلة المستشفيات والمستوصفات التي بدأت تخرج من المدن إلي القري، ولهذا فإنني معذور إذا ما انبهرت بمبني الأكاديمية أو بالأصح بمبانيها ومحيطها الذي جعلني أتحسس نفسي أكثر من مرة لكي أتذكر أنني ما زلت في صنعاء وليس في أي مكان آخر، وزاد انبهاري بالمعني والدلالة وما يؤكدان عليه من أن التطور ليس كل ما يقال أو يكتب في الجريدة وإنما هو حقيقة علمية موضوعية موجودة علي أرض الواقع تتحدث عن نفسها وتقول ما لا تقوله الخطب والشعارات أو تستوعبه القصائد والمقالات. تأملات شعرية:

لا تيأسْأعرف أن الدربَ طويلٌ وعسير والرحلةُ شائكةٌ والغابة ملأي بالأخطارْ.

لكنك يا وطنَ الشهداء وقبلتَهم، موعودٌ منذ الأزل الأولأن تتبوأ في هذا الكون مكاناً تهفو لمطالعهِالأبصار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية