دمشق ـ “القدس العربي” ـ من يارا بدر: تحوّلت دمشق في ربيعها الحالي إلي ما يُشبه حارة الشعبية بأحبال الغسيل المتناثرة هنا وهناك وعليها صور مُرشحي مجلس الشعب في دورته التشريعية الثامنة، بين حملة هذا المرشح وذاك تسلل مهرجان الهواة المسرحي الأول في سورية بدورته الثانية إلي صالة مسرح القباني بدمشق، محاولاً تقديم رؤي أولئك البعيدين عن النجومية، الهاربين من وظائفهم الحكومية إلي خشبة المسرح، إن كانت لديهم خشبة.
عبر 12 يوماً، تتعاون شركة العبن الثالثة للإنتاج الفني واتحاد شبيبة الثورة، وتحت رعاية مجموعة ماس الاقتصادية علي تقديم سبعة عروض من حماة والقنيطرة والحسكة ودمشق وريفها ودير الزور، وواحد مُشترك للشبيبة والعين الثالثة رجال محترمون، وثلاث ضيوف من الأردن ليل المدينة والعراق حظر تجوال، والعرض الفلسطيني حفار القبور لفرقة المسرح الشعبي، وهو الوحيد الذي لم ينجح في التسلل عبر الحدود، فغاب عن المهرجان.
قدّم مولود داؤد مع فرقة نقابة فناني حماة عرض اللص الشريف عن نص للإيطالي داريو فو، وهو ثاني عرض لمولود يستعين فيه بتقنيات كتابة داريو فو للمسرح الشعبي، بعد العاري والأنيق في العام الفائت. يُحافظ المخرج علي توجهه الإخراجي نحو تقنيات الفارس لتقديم نقده الاجتماعي، إن صح القول. والفارس حسب المعجم المسرحي كلمة فرنسية الأصل، تدل علي مسرحية خفيفة وقصيرة. بُنية الفارس تعتمد حبكة بسيطة فيها مواقف تقوم علي الالتباس وتتم بين شخصيات قليلة العدد، إلا أنّ الخداع بين الشخصيات لا يصل حد المواجهة ولا يُوّلد صراعاً بالمعني التقليدي للكلمة.
من خفة المسرحية وقصرها، علي ما تتصف به من ملامح واقعية، وصولاً إلي الإضحاك في الفارس الذي يقوم علي المبالغة الكلامية والحركية (إيماءات جنسية وعنف) من هذه التفاصيل الصغيرة، يمد مولود داؤد جسوراً من عرضه إلي الجمهور السوري.
القاضي المحترم يُحضر عشيقته إلي منزله بعد أن أشاع خبر سفره خارج المنطقة، والزوجة المطمئنة لسفر الزوج تروّح عن نفسها مع عشيقها في المزرعة. قد يكون هذا الترتيب إجراء عادياً في حياة زوجين من الطبقة الاجتماعية الراقية، بصالون المنزل الفخم. إلا أنّ حضور اللص البسيط للسرقة يُعد الأمور. فالمرأة الشعبية، ذات الملامح البعيدة عن الجمال، لا تستطيع تجاوز محدوديّة تفكيرها والتوقف عن الاتصال بزوجها في مكان عمله، فتهاتف المنزل المطلوب ليرد القاضي بعد أن كان في أحضان عشيقته وتحضر المفارقات الكلاميّة لتزيد غضب الزوج، فيعطي رقم هاتف المزرعة للزوجة الثرثارة، ممّا يقود الزوجة للحضور من مزرعتها ويتبعها لاحقاً صاحبها، لنكتشف في هذا العشيق الثري زوجاً للعشيقة الأنيقة. حين تفتضح اللعبة يتفق الأزواج الأثرياء بلغتهم الأنيقة علي أنّ ما حصل هو سوء فهم، ليعود اللص لصاً والقاضي قاضياً.
ہہہتتميّز هذه العروض بصفتها الهاوية، إلا أنّ هذه الكلمة علي شاعريتها تحمل الكثير من الخطورة، فحتي الآن ما يزال مولود داؤد والفرقة يبحثون عن هويتهم الخاصة من جهة، ويسعون نحو الاحترافية من جهة أخري. فالجمالية التي حملها العرض في خفته وروح ممثليه، لم تقيه من الوقوع في بعض الالتباسات النسبية التي كان من الممكن تفاديها بضبط تفاصيل الخشبة والعرض أكثر.
عرض اللص الشريف قدّم للخشبة ديكوراً يعتمد القطع الضخمة، ذات اللونين الأحمر الصارخ بالشهوة والأبيض الصافي بشكل ٍ رئيسي، ديكور يُمثل غرفة الجلوس في المنزل البرجوازي، كعروض مسرح البولفار في القرن التاسع عشر. ولكن العرض افتقد إلي التصوّر السينوغرافي للمكان الذي يُقدّم رؤية العرض فضائياً، ويُعيد تشكيل المكان. قطع الديكور الكبيرة الموزعة بغير تناسق مُحكم بالنسبة لعين المتلقي، واللون الأحمر الصارخ مع تشكيلات قطع الديكور التي تخلت تقريباً عن وظيفتها الأساسية كقطع أثاث في صالون المنزل، مؤكدة علي الإيحاءات الجنسية التي تكشفها بقوة، كل هذا أوحي بمسرح فقير للغرض المسرحي وتنويع استخداماته من جهة، وعكس نوعاً من الشعور بالثقل من كتلة القطع الكبيرة علي الخشبة. إنّ تركيز لمخرج علي فضح الجانب اللعبي في المسرحية يُساعد كثيراً في فهم اختياره لمثل تلك القطع بإيحاءاتها، فهذا المنزل البرجوازي يُشكل عالم المزيفين برغباتهم وفراغهم مهما بلغت قاماتهم. وإن تعارض نسبياً مثل هذا الكشف اللعبي مع ملامح النص الواقعية التي تفترض خشبة عرض إيطالية، وعلاقة مُجابهة مع الجمهور قوامها بالدرجة الأولي الإيهام بواقعية العالم المتخيّل علي الخشبة.
اشتغل المخرج علي مستوي آخر لكسر الجانب الإيهامي، من خلال التأكيد علي اللعبية في الأداء، إذ تبدو الشخصيات في بعض اللحظات وكأنها تسخر من نمطيتها، ممّا يُساعد في خلق مساحة إضافية للضحك. إلا أنّ طبيعة الأداء في الفارس التي تركز علي الجسد والمبالغة في الأداء من خلال أصول هذا الفن الكرنفالية، للسخرية من الشخصيات الاجتماعية النمطية في مستوي، ومحاولة المخرج تقديم أداء يكسر هذه النمطية ويخلق مساحة نقدية منها، ولكن لم يُضبط بدقة، شكل لدي المتلقي التباساً كبيراً بين التوجهين أضاع جماليّة كل منهما. فبدت بعض الحركات مبالغاً بإيحاءاتها الجنسية، أو أنها شخصيات فقيرة تفتقر للكثافة الذهنية والنفسية. فادي الصباغ بدور القاضي المحترم صاحب المنزل ربما كان الأكثر إجادة في تأكيده علي السخرية الذاتية من النمط الذي يُمثله، من خلال كشف الجانب الذهني للشخصية التي تحاول عكس المواقف لصالحها، فمثلاً بعد أن يكشفه اللص وهو يحاول خيانة زوجته يُسارع القاضي لإغراء هذا اللص بالقيام بالواجب الذي أتي من أجله وهو السرقة، في سعي منه لكي يتساوي ضعف موقفه بموقف ضعيف للص المتلبس بسرقته. دون أن يخلو الأداء من بعض الحركات الجسدية والمواقف الانفعالية المبالغ بها، وشكلت زيادة كان يُمكنه تنقية أداءهُ منها بسهولة.
أما المستوي اللغوي للنص فقد ضاعت بعض جمالياته في فضاء المكان المشتت، إذ بدا حاملاً للشخصيات الانفعاليّة العالية، دون أن ينجح في خلق التباسات لفظيّة تولد الضحك. بل مباشرة وخطابية بدت تعليميّة في بعض المواقف، وخاصة موقف النهاية حين يصرخ الجميع بوجه اللص وزوجته أنّ ما حدث كان سوء فهم، أمام سلبيّة الزوجين الفقيرين اللذين بديا في تلك اللحظة مفعولاً بهما فاقدين لأي شكل من أشكال الفاعليّة، مع أنه كان من الممكن ببساطة أن يعاودا التسلل خلسة من النافذة في لحظة انشغال الأزواج الأثرياء بتأكيد طبيعة ما حدث!
ہہہ اللص الشريف عرض مسرحي لفرقة حماة التي لا تملك خشبة مسرح، يحاول أن يُقدّم رؤية نقدية للواقع السوري الذي يتجه مع الوقت نحو هذه الحالة الساخرة، وهو ما أشارت إليه حركة الساعة الضخمة التي تقترب بهيكليتها علي شكل كلب من الجمهور. إنّ المسألة مسألة وقت، وعلينا أن نتدارك ما نحن مُتجهين نحوه… عرض يحاول أن يٌُشكل إعادة إنتاج للنص الإيطالي ولأسلوب أداء الفارس، ولكنه يفقد لمسته في بعض اللحظات مُفسحاً المجال لذكري العاري والأنيق أن تحضر بحنين إلي عرض أجيد ضبط كل تفاصيله.
يبقي لعرض مولود داؤد جرأته في الاقتراب من الخط الأحمر (الجنس) أحد أهم قوائم الثالوث الحرام (جنس ـ دين ـ سياسة) في المجتمع العربي، فمن بين جميع الإشكالات التي تعاني منها الطبقة الغنية في المجتمع السوري، يختار مولود الجنس كدافع للكذب والخيانة والغش. إنّ اللص في العرض يمتهن اللصوصيّة كمصدر رزق ولا يُقدّم المخرج مرثية تراجيدية حول الأسباب التي دفعته لامتهان اللصوصيّة، بينما القاضي الذي يخون ويكـــــــذب ويُحيط بعــــالمه الكذب والخداع هو شخص مُزيّف، أنيق من الخــــــارج وفارغ من الداخل، في مقابل البساطة والصدق العفويين للزوجين الفقيرين.
إنّ هذا العرض رغمّ كم المتعة والضحك التي يستثيرها لدي الجمهور، يقترب في النهاية من الكوميديا السوداء. إذ بقليل من الهدوء نكتشف أننا نضحك علي أنفسنا إن كنا المزيفين أو كنا أولئك البسطاء العفويين، وبهذا يؤكد مولود داؤد مع الفرقة الشابة علي منحي فكري يحاولون وسم أعمالهم به، ذاك القائم علي النقد الاجتماعي الساخر، عبر المبالغة والضحك في تقديم الأخطاء التي نغض أنظارنا عنها يوماً بعد يوم، بل ونعيشها بحق أنفسنا والآخرين.
ولا يبقي لنا إلا أن نتمني أن تتضح اللمسة الفنيّة للمخرج في التعامل مع ممثليه وفضائه المكاني، لينحو أكثر نحو العرض المسرحي عالي الجمالي والقيمة من النواحي الفكرية والفنية.
ـ بطاقة العرض:
ـ العرض: اللص الشريف ـ تأليف: داريو فو ـ إعداد وإخراج: مولود داؤد. ـ الممثلون (حسب الظهور) : نضال جوهر ـ بدور اللص.
ندي قطريب ـ بدور زوجته.
فادي الصباغ ـ بدور القاضي المحترم. إيناس زريق ـ بدور العشيقة الأنيقة.
رولا قطريب ـ بدور زوجة القاضي.
فؤاد كعيّد ـ بدور العشيق الثري. ـ الديكور: قصي عيزوق. ـ الإضاءة: جورج صليبي. ـ الموسيقي: حميد حاماتي. ـ الماكياج: أحمد الشيحاوي. ـ مساعد مخرج: كنعان البني ـ فادي الياسين.
ـ أفيش وبروشور: شادي الجاجة. 2