مستقبل تركيا علي ضوء الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين

حجم الخط
0

زهير الخويلدي

عودة تركيا إلي حضارة اقرأ كان تقدميا وأنموذجا ينبغي أن يحتذي به علي الرغم من موجة التغريب التي هبت زمن الحقبة الأتاتوركية ووصاية العسكر الطويلة علي هذا الإرث واستماتتهم في الدفاع عن مبادئ العلمانية الشاملة التي التصقت بتلك الحقبة، وعلي رغم خشية البعض من المؤرخين من ردة الفعل العنيفة التي قد يلجأ إليها المجتمع بعد تصاعد أسهم السلفيين والتيار الصوفي ورغبتهم في استعادة مجد آل عثمان بحذافيره، ولكن بروز حزب العدالة والتنمية ونجاحه الباهر في الانتخابات وقدرته علي تصريف أعمال الأمة التركية بكل اقتدار وتحقيقه لإنجازات كبيرة في وقت قياسي قد كذبت كل التوقعات المرتابة والتشكيكات المتوجسة وبرهنت أن توظيف الدين ليس دائما وأبدا يصير توظيفا رجعيا انتهازيا يتعارض مع المدنية والعصر بل يمكن أن يكون توظيفا تنويريا تأصيليا يقاوم الفساد ويزرع الفلاح والرشاد لكل مجتمع يتطلع إلي النمو والرقي ويقضي علي التوتر والاضطراب.

وما يلفت الانتباه أن هذا الحزب تبني النهج العلماني الجزئي ودافع بكل ضراوة عن الطريقة الديمقراطية في تسيير شؤون الحكم ومارسها والتزم بها في كل مناهج الحياة وآمن باستقلالية المؤسسات وحيادية الإدارة. وما يثير الدهشة أن تركيا في ظل حزب العدالة والتنمية انفتحت علي العالم شمالا وجنوبا وشرقا وغربا فأعلنت عن رغبتها المتجددة للانضمام للإتحاد الأوروبي وترأست هرم منظمة المؤتمر الإسلامي بل لم تكن غائبة عن القمم الأخيرة التي نظمتها جامعة الدول العربية وأبرمت اتفاقات تعاون مع دول آسيا الوسطي وإيران وباكستان، وبرهنت أنها دولة ذات سيادة عندما منعت الجيش الأمريكي من أن يستعمل أجواءها للعدوان علي العراق ولطفت صراعها مع اليونان بكل دبلوماسية ودافعت عن حقوق الأتراك في شمال قبرص وفي البلقان، وبدأت تجهز نفسها للرحلة إلي أدغال إفريقيا من أجل تصــــدير نمـــوذجها في التنمية إلي تلك البلدان عبر بعــض المؤسسات النقدية والجمعيات التعاونية الثقافية.

بيد أن العرب أمام كل هذه التحولات ظلوا غير مكترثين وحذرين فهم ما زالوا ينظرون إلي الترك كنظام إمبراطوري استعماري غزا أرضهم باسم الإسلام وحكمهم بالحديد والنار لعدة قرون ومنعهم من النهضة واللحاق بالغرب وصار رجلا مريضا ومحل أطماع كل الأمم المجاورة، فهم حسب العرب سبب ضياع فلسطين وجلب اليهود وزرع الكيان الصهيوني في العمق الاستراتيجي وسبب تسارع نسق الانتداب البريطاني والاستعمار الفرنسي الذي رسم حدودا اصطناعية وخلق دويلات وهمية، ويتحجج بعض العرب بأن تركيا تخلت عن اللغة العربية واستبدلتها باللغات الأوروبية وألغت دولة الخلافة كمؤسسة رمزية تمثل الرابطة الروحية لكل المسلمين في العالم وأقامت مكانه نظاما علمانيا فيكتوريا يفصل بين الدين والدولة وبين الشريعة والحياة، زيادة علي أن تركيا ما زالت تحتل أراضي عربية مثل إقليم الاسكندرونة السوري ولها أطماع في الموصل وكركوك تتنافس فيها مع إيران وأمريكا وإسرائيل.

إن هذه الرؤية رغم وجاهتها في القرن العشرين إلا أنها لم تعد صالحة للتحليل اليوم في مستهل القرن الواحد والعشرين لأن المعطيات الموضوعية قد تغيرت والخارطة الجيوسياسية للمنطقة قد تبدلت ومن الأفضل بالنسبة للعرب أن تكون الأمة التركية إلي جانب الأمة العربية وليس ضدها أو متحالفة مع غيرها. فكيف نلوم الأتراك علي تحالفهم مع إسرائيل والدول العربية لم تبادر إلي الاستفادة من التجربة السياسية والحضارية التـــركية ولـــم تقتــد بـها بل ساندت اليونان وتحالفت معها ضد من يشاركهم في التاريخ والدين والحضارة. من يفسر لنا اليوم من القوميين العرب تلك المسيرات المليونية التي خرجت في أنقرة واسطنبول مساندة لانتفاضة الفلسطينيين ورافضة العدوان الغربي علي العراق ورافعة أعلام الولاء والانتماء إلي حضارة اقرأ وأمة القرآن! ألم يعد الأتراك اليوم أحرص علي مستقبل العرب من أنفسهم ومن حكامهم لوعيهم أن الضرر الحاصل للعرب سيمسهم ولإدراكهم خطورة المرحلة وحجم الكارثة التي ستحل بالمنطقة لو تتفكك الأمة العربية أكثر مما هي عليه الآن مفككة؟ ألم يتحالف العرب مع الاستعمار ضد الإمبراطورية العثمانية وسموا ذلك ثورة عربية كبري في حين أن الذي حصل هو مساعدة مجانية من أجل المزيد من التوسع الاستعماري الاستيطاني في المنطقة العربية؟

غير أن ما طرأ في الآونة الأخيرة من مستجدات في الساحة التركية واحتدام الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين علي السلطة يطرح العديد من التساؤلات ويثير عدة نقاط استفهام ويضع مستقبل هذا الكيان الديمقراطي الناشئ علي المحك ويحرك همة البحث حول وجهة الأمة التركية وحول أحقية الإسلام السياسي المعتدل والتنموي في قيادة الدول وتحمل مسؤولية مصيرهم.

من البين أن الظاهرة الأردوغانية جاءت لتحل محل الظاهرة الأربكانية حيث نجح حزب العدالة والتنمية بعد أن تدارك الأخطاء التي كان قد وقع فيها حزب الرفاه أو الفضيلة، غير أن طموح الإسلاميين الأتراك للوصول إلي سدة الرئاسة هو طموح زاد عن اللزوم في عيون رجال الجيش من حراس العلمانية الشاملة وفي عيون الطبقة السياسية المتربصة من حزب الشعب واليسار التركي والاتجاه الليبرالي.

فقد صوت النواب غير الموالين لحزب العدالة والتنمية ضد ترشيح عبد الله غول لمنصب رئاسة الجمهورية لأنه إسلامي ولأن زوجته ترتدي الحجاب ورفضت المحكمة الدستورية الاحتكام إلي البرلمان مرة ثانية، وتداولت الأنباء بعض التصريحات النارية المهددة والمتوعدة ورد رجب طيب أردوغان بإمكانية الاحتكام إلي الشعب وتنظيم انتخابات مباشرة وليس فقط التصويت في البرلمان لاختيار رئيس للجمهورية التركية وتسارعت الأحداث والكل يراقب وينتظر ما ستؤول إليه الأمور، فمن سينتصر في النهاية إرادة الشعوب الطامحة للإصلاح والتغيير أم إرادة القوي المحافظة والطبقة السياسية القديمة المدافعة عن قيم أكل عليها الدهر وشرب؟ ما نراه هو أن الصراع بين العلمانيين والإسلاميين ليس مفتعلا بل معقول ويدخل ضمن قواعد اللعبة السياسية في ظل تنامي المد السلفي المقلد للماضي والمد التحديثي المقلد للحاضر الغربي وما ننص عليه هو شرعية الاختلاف ووجاهة تباين المواقف والرؤي، فمن حق المعارضة أن تستعمل جميع أوراقها لكي تتواجد في الحياة السياسية وأن ترفض مقترحات الحكومة ومن حق حزب العدالة والتنمية أن يرتقي إلي أعلي الهرم بعدما انتخب ديمقراطيا وكسب ثقة الناس وأنجز إصلاحات مهمة وأثبت جدارته بالمقارنة مع بقية التنظيمات والأحزاب، بشرط أن يحترم مبادئ الديمقراطية وأن تكون اللعبة السياسية لعبة سلمية يغلب عليها التنافس النزيه والحوار العقلاني والتداول الديمقراطي علي السلطة حتي تحافظ تركيا علي معدلات النمو وعلي التقدم السريع في مجال حقوق الإنسان الذي أحرزته وحتي تظل دولة ذات سيادة قادرة علي أن تلعب دورا مركزيا في المنطقة وتنافس الدول الكبري وتنقذ ما يمكن إنقاذه من حضارة اقرأ، وتعطي مثالا ناصعا عن نجاعة الإسلام في تحقيق التنمية والعصرنة إذا فهم فهما تنويريا أصيلا وانتصر علي كل نزعات الماضوية والتقليد. لكن ما نخشاه هو تعطيل المسار الديمقراطي وانقلاب العسكر علــــي السلطــــة وتعــــطيل المؤسسات وتهميش دور البديل الحضاري مثلما حصل في منتصف القرن الماضي.

المحصلة النهائية بالنسبة إلينا نحن العرب أن ما يحدث في تركيا دليل قاطع علي نبض الحياة في الشارع وحيوية الساحة السياسية وديناميكية التغيرات وقدرتها علي إحداث الطفرة والإتيان بالمباغت والمدهش وهو أمر بعيد عن حالنا المأساوي ومآلنا الكارثي بعد تأبد الاستبداد وتوطن الاستعمار في ربوعنا، وبالتالي لا ينبغي أن نخشي علي مستقبل تركيا لأن الإرادة العامة والإجماع الشعبي والمصلحة القومية والحضارية للأتراك هي التي ستنتصر بل نخشي علي أنفسنا المرمية في غرفة الإنعاش في حالة احتضار بين الحياة والموت، بل نحن أقرب إلي العدم والاضمحلال والانقراض منه إلي الوجود والاستثبات والتوحد، فهل يكون ما يجري في تركيا من صراع ديمقراطي سلمي علي تنظيم الشأن العام تنظيما تقدميا تنمويا هو الصفعة التي توقظنا من غيبوبتنا وتنقذنا من زوالنا القريب؟ فمتي نري العدالة والتنمية علي المسطح الذي أثثه العرب للإقامة في العالم؟

ہ كاتب فلسفي من المغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية