الشرق الاوسط اختبار ساركوزي الاخطر

حجم الخط
0

انتهت المهمة الاسهل بالنسبة الي نيكولاي ساركوزي، فقد تحقق حلمه بالفوز بالمنصب الاهم في فرنسا، وبقيت الان المهمة الاصعب، وهي كيفية ترجمة الوعود التي اطلقها لناخبيه الي افعال علي الارض في السنوات الخمس المقبلة.

الانتصار الذي حققه ساركوزي لم يكن ساحقا، ويمكن القول ان اكثر من نصف الفرنسيين لم يصوتوا له، اذا اخذنا في الاعتبار نسبة المقاطعين للانتخابات، او الذين ادلوا باوراق بيضاء في صناديق الاقتراع، ولهذا فان توحيد الشعب الفرنسي خلف قيادته يظل الاختبار الاول لزعامته.

فهناك فارق كبير بين ساركوزي وزير الداخلية وساركوزي رئيس الجمهورية. فالاول مسؤول عن ملف واحد يتعلق بالامن الداخلي، بينما الثاني مسؤول عن جميع الملفات الاخري، ومطلوب منه ان يتعامل معها بطرق مختلفة. فمن وصفهم بالنفايات البشرية في اشارته لسكان الضواحي اثناء ثورتهم عام 2005 باتوا من صميم مسؤولياته من حيث تحسين ظروفهم المعيشية، وتوفير الوظائف والتعليم والطبابة الضرورية لهم ولابنائهم.

فرنسا تعاني من انقسام كبير يكاد يكون رأسيا، وخرجت من الانتخابات الاخيرة مثخنة بالجراح والرضوض، وسيتوجب عليه علاجها من خلال سياسات حكيمة عاقلة غير منفعلة، وهي مواصفات غير معهودة لدي الرئيس الفرنسي الجديد، قياسا علي ممارساته السابقة وتصريحاته اثناء الحملة الانتخابية.

ساركوزي لم يجعل من السياسة الخارجية العمود الفقري في حملته الانتخابية، ولكنه اثار حالة من القلق عندما اكد ان الولايات المتحدة ستجد فيه صديقا مخلصا يمكن الاعتماد عليه، وتحدث عن بحر متوسط جديد مما يعني انه ينوي التعامل بطريقة مختلفة مع دول المغرب العربي، دون ان يحدد طبيعة نواياه في هذا الخصوص.

فرنسا، وعلي مدي السنوات الثلاثين الماضية، ظلت عنصر توازن ضروري بين ضفتي المحيط الاطلنطي، وقدمت نفسها كند للولايات المتحدة والحامي للهوية الاوروبية، ولذلك لم يكن مفاجئا ان يصفها دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الامريكي السابق باوروبا القديمة، ويبدو ان الرئيس الفرنسي الجديد يريد ان ينسف هذا التمايز، ويحول فرنسا الي تابع للولايات المتحدة، وداعم لسياساتها في مختلف انحاء العالم، مثل توني بلير البريطاني وبرليسكوني الايطالي وازنار الاسباني.

حلفاء واشنطن الخلص هؤلاء الذين شاركوها في حروبها في منطقة الشرق الاوسط، وخاصة افغانستان والعراق، تعرضوا لخسائر كبيرة، وخرجت احزابهم من السلطة، ونحن نتحدث هنا عن برليسكوني وازنار، وكل الدلائل تشير الي ان بلير وحزبه البريطاني سيواجهان المصير نفسه.

ولعل ملف الشرق الاوسط وحروبه وقضاياه هو الملف الاهم الذي ربما يحدد مستقبل ساركوزي، ويشكل معظم ملامح فترة حكمه المقبلة، فانحيازه الي اسرائيل الذي ظهر جليا من اصوات اليهود له، واحتفال اولمرت ونتنياهو بفوزه، وتصريحاته المؤيدة لحرب العراق، مؤشرات ربما تخلق متاعب كبيرة لفرنسا التي ظلت محصنة تماما من اي هجمات من قبل الجماعات الاسلامية المتشددة. تبني ازنار للحرب الامريكية في العراق كان سببا رئيسيا لوصول الانفجارات الدموية الارهابية الي محطات قطارات مدريد وحماس بلير في تبني السياسات الامريكية في الشرق الاوسط والمشاركة بفاعلية في غزو العراق واحتلاله، كانا السبب الابرز للتفجيرات الانتحارية في مترو انفاق لندن، مثلما اكدت تقارير الامن البريطاني. المأمول ان يضع ساركوزي كل هذه الحقائق في عين الاعتبار وهو يستعد لصياغة سياسة خارجية جديدة لفرنسا. فهو لا يمكن ان يكون اكثر حماسة لسياسة خارجية امريكية فاشلة من الكونغرس الامريكي نفسه الذي يطالب الرئيس بوش بانسحاب فوري من العراق.

نخشي ان ينطبق المثل الشعبي العربي الذي يقول يذهب الي الحج والناس راجعة علي المستر ساركوزي، بالنظر الي تأييده الاهوج للرئيس الامريكي جورج بوش الذي تخلي عنه ثلاثة ارباع الشعب الامريكي، حسب استطلاعات الرأي الاخيرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية