فادي عزام
تمت بحمد الله، بهذه الجملة يختم علاء الأسواني روايته الثانية شيكاغو المؤلفة من 40 فصلا سقط منهُ سهوا ترقيم الفصل السابع مما يجعلها رواية من 39 فصلا وبقي الفصل الأخير من طقوس تحولات شخصياته ناقصا لم ينجز أوأنجز علي عجل لغاية في نفس ناشرها.
الثالوث المحرم الذي اقحمه الأسواني في روايته، يبدو لعين القارئ المتمهل أنه نوع من الاستعراض المحترف لكاتب يخشي أن يكون عمله عمارة يعقوبيان بيضة ديك شيكاغو ببساطة رواية يجب أن تتواطأ علي نفسك لتمرر سذاجاتها.
عبر سرد منظم في فصولها الـ 39 وصفحاتها الاربعمئة والخمسين. تمصير شيكاغوشيكاغو رواية فيها من سذاجة المكان ما يكفي للقول أن تغير أسماء الشوارع والبارات وحتي الجامعة، إلي أسماء وبارات وجامعة مصرية لا يغيرفي سياقها شيئا. أما الدخول إلي أزمات الشارع الأميركي والغربي.
عبر سلسلة من التحليلات والتخيلات والمقاربات لشخوص عرفها أو سمع عنها الكاتب الأنكي أن يكون عايشها لا يعدو تبسيطا ساذجا يصلح أن يؤكد سطحية التناول.
فالواضح أن من القراءة العميقة للحدث أن الأسواني بقي علي هامش الهامش في مجتمع لا يخصه واشتغل عليه بحسٍ الاستشراق المضاد، فتناول التاريخ الأميركي وشخوصه وحاول الأفتاء فيهما وقارب قضايا شائكة بحس مُستغرب أكثر منه كاتب روائي، التمييز العنصري والرأسمالية المتوحشة وتسليع الأنسان. ومن خلال حشد كل ما يمكن من أمراض نفسانية، وانصداعات اجتماعية، وإهلاسات جوانية للمغتربين المصريين وصراعهم بين الرغبة في الأنصهار بالآخر العدو المشتهي، والماضي البعيد الذي قدمنا منه افلتت خيوط معظم شخصياته وفضحت صراعتها حادة للغاية وانتهي بها المطاف إما في نهايات شكسبيرية تراجيدية او قفلات أفلام هندية مثل الطبيب الجراح القبطي الذي أجري عمل جراحي لمن كان السبب في خروجه مهزوما من مصر. شخصيات الرواية بمعظمها محشورة بأقصي انفعالاتها مرسومة ببعد واحد وأيقاع واحد لا يتغير، فالشرير شرير بالمطلق والثوري ثوري بالمطلق، والمخابراتي شخص قميء دنيء بذل الكاتب طاقة تفوق الوصف علي جعله يبدو كريها شكلاً وخُلقا بالمطلق حتي ليبدو وكأن شخصياته لا تعرف اللون الرمادي. الثالوث المحرمللجنس حضور كثيف يضج في الرواية، ولا أحد ينفي قيمة الجنس كفعل حياة أو كنسق درامي ولكنه في رواية شيكاغو تحديدا يبدو الجنس كبعد درامي جاء حشوا، يقرب من حد الاستعراض أكثر من اقترابه من خصوصية فنية، فمشهد الأب رأفت ثابت وهو يراقب أبنته ساره وهي تنقض علي لعق حبيبها يبدو مشهدا جديدا في الرواية العربية ولكنه مكرور وممجوج في الرواية والسينما والغربية وباعتقادي لم يفلح بفضح عدم قدرة الأب علي الاندماج في المجتمع الغربي.
ومشهد كرس وهي تمارس الجنس مع الجهاز فيبو يتور العضو الاصطناعي يبدو وكأنه مستمد من إحدي إعلانات الجانك ميل التي تغزو البريد الألكتروني. ومشهد البروفسور اليساري الشبق العجوز مع الزنجية الشابة مقحم وكأن الزنجية ينقصها فقط أن تتكلم العربية. فسلوكها وردات فعلها وخيارتها تبدو وكأنها امرأة شرقية محضة. أما باقي الخيالات والمشاهد فهي ساذجة تبقي علي السطح وخاصة تلك التي تخص ناجي عبد الصمد طالب الدكتوراه في علم الأنسجة فهي عبارة عن استيهامات شبقية لمراهق يساري، خصّه الكاتب طوال الرواية بالجنس من لحظة وصوله إلي شيكاغو ووضع أمامه صبية شبقة، أصبحت يهودية بقدرة ذهنية درامية ممجوجة وجعلت من الشخصية الواثبة المعارضة شخصية نزقة بلا ملامح تحت مسمي شاعري تافه ان ناجي عبد الصمد معارض يساري ذكي يدرس الطب علم الانسجة ولكنه شاعر حالم بتغير النظام و مناضل شرس ضد السلطة الحاكمة فنراه من لحظة وصوله شيكاغو وهو أما مخمورا أو يمارس الجنس فكأن الأسواني يكرس ما هو شائع عن اليساريين النمطيين المكبوتين حتي التخمة بكل أشكال القمع بحالاته القصوي، فيضيع موقفه ناجي عبدالصمد العلمي الذي يفترض أنه ناضل حتي حصل عليه ويغدو كشاعر اقرب لشخصية هلامية بلا ملمح ربطه الكاتب بشخصيات الستينيات الحالمة. لا كرجل تجاوز الثلاثين من العمر. شيماء محمدي تتنتهي في عيادة الأجهاض بعد الجنس المحرم مع طالب مصري شبقي آخر يهوي المصارعة الحرة وأكل البسبوسة. زوجة أحمد دنانة تتحمل قرف جسد زوجها النذل الدنئ البخيل البشع بان تستحضر باستيهام أيروتيكي جسد كاظم الساهر والممثلين الوسيمين لتستكمل لذتها المنقوصة بالعادة السرية.
فيبدو حرص الأسواني علي العلاقات الجنسية صريحا لا هوادة فيه حتي ولو علي حساب تفاصيل حياتية كان يمكن أن تكشف عمق الشخصيات وانجراحتها أكثر بكثير من بهار الجنس وملحه الذي خرب طعم الطبخة. فاضطربت الشخصيات واصبحت محكومة لمخيلة الكاتب الخاصة. وتبدو السياسية الهم الثاني في الرواية ويصّر الكاتب علي احضار شخصيات دبقة مقرفة دنيئة متعالية غبية في خطاب مباشر ممجوج يوضح ألوهية السلطة وقدرتها علي تمثل الحالة السياسة في مصر. وعلي رأسها أحمد دنانة ينجح الكاتب للوهلة الأولي في حشد مشاعر سلبية عند القارئ تكون ضد هذه الشخصية الانتهازية التي تستعمل كل شيء في سبيل الحفاظ علي مركزها والوصول إلي مقامات سياسية نافذة. فأحمد دنانة في الرواية مزور لبحوثه العلمية انتهازي من العيار الرفيع ولا يتواري أن يشتغل قوّاداً علي زوجته أو مُخبرا أمنيا علي زملائه متملقا بجسد كثيب سمين فالأسواني صوّرالانتهازية بأكثر الرموز التقليدية حضورا ولم يكلف نفسه حتي بالبحث في عمق الشخصية فبدت صفات الانتهازي وكأنها صفات وجدت في جينات الشخصية، أكثر من كونها ناتج نظام شمولي استبدادي مفرط في الذكورة والإذعان والغريب أنه من كثر ما تحامل عليه تبدو الشخصية وكأنها أضحت ناتج استبداد الأسواني المسبق الصنع. الشخصية الثانية صفوت شاكرضابط الاستخبارات المسؤول عن الطلاب في أمريكا، يصر الكاتب علي حشد كل ما عرف من أنماط سيئة يمكن أن تصل إليها المخيلة وصبها صبا في هذه الشخصية فبدل ان تكون شخصية مركبة تعكس شيئا جديدا أخذت شكلا سياسيا فجا، غبيا، سخيفا، غير مقنع وخاصة من الخلفية التي أتي منها والطريقة التي يدير بها مستقبل الطلاب ويضبط المعارض منهم وأسلوبه في ادارة الأزمات وتحضيراته لاستقبال حافل للرئيس في شيكاغو. لتكتمل ثالثة الأثافي وما يحتاجه الأسواني ليتبل عمله فاستحضر الدين، عبر ثلة من الأحداث والمناقشات بين الشخصيات، فبدا وكانه يحمل رأيا مسبقا ربط التدين مع الشخصيات الوصولية، التي تستخدم إيقاع التأسلم لكسب النفوذ واسكات الخصوم أو لتبرير الضعف والسذاجة، يقرب الفهم الديني من فهم المستشرقين دون أن يحاول حتي تغير نوعية العبارات واساليب الخطاب الديني المكرس في الأدبيات اليسارية الساذجة وأفلام الخطابية، فبصراحة كان المستوي الديني في الرواية عامة مرسوماً بمحبرة يساري انفعالي هائج لم يرتق ليصنع صراعا حقيقا مع الفكر الديني أو حتي يوظفه خارج القوالب المعتادة. تبدو رواية الأسواني رواية مستعجلة مرتجلة مكتظة بتفاصيل بعضها محشو حشوا يمكن رميه خارج الرواية دون أن ينتقص منها شيء، ويبدو بعضها الاخر دبقا لزجا يفتقد للنصاعة أو ما يسميه بارت لذة النص، وإذ يغامر الأسواني بعمله الجديد ببناء فني تقليدي وثلاثة خطوط للسرد بقي الخطاب عامة يفتقد للشغف الفني أو وللأصالة الفنية ومعيارها البسيط لدي المتلقي هو الشعور بالصدق الذي يحمله العمل. الآن بعد أن هدأ الضجيج الأولي للعمل وما رافقه من احتفال وانتقاد، حاولنا قراءة العمل أكثر من قراءة السطح، حسبُنا إنها قراءة. وبانتظار أدباء الظل في مصرالحبيبة سنتسلي بأمثال رواية شيكاغو.
كاتب من سورية يقيم في الإمارات [email protected]