حمي تصنيع النجوم بين الفضائيات والشباب العربي: فئران تجارب في قضية حياة أو موت!!

حجم الخط
0

محمد منصور

حادث التدافع الذي جري في حفل نجوم (ستار أكاديمي) بمدينة صفاقس التونسية في الأول من أيار (مايو) الجاري، والذي راح ضحيته سبعة قتلي، إلي جانب اثنين وثلاثين جريحا، من الشبان المراهقين الذين تدافعوا علي مدرجات الهواء الطلق بسيدي منصور، أثناء ظهور نجوم البرنامج المذكور علي المسرح… هذا الحادث الأليم، يكشف التأثير الكبير لثقافة صناعة النجوم التي تروج لها هذه البرامج، والتي تستحوذ علي عقول الشبان العرب هذه الأيام، فتجعلهم أسري ودراويش وضحايا لها في الوقت ذاته.

وبمقدار ما يكشف هذا الحادث حجم النجاح الذي يحققه هذا البرنامج فعلياً، وهو نجاح يدفع صناعه ورعاته الإعلانيين لأن يطربوا لعائداته المادية والمعنوية… بمقدار ما يعبر عن الأزمة الحقيقية التي يعيشها الشباب العربي اليوم، الموزع بين تيارين أساسيين تسلط عليهما الأضواء الإعلامية بقوة… فإما التيار الجهادي، الذي يصنع من بعض الشباب المؤمن أشخاصا تكفيريين، يوسمون بالإرهاب… وإما تيار النجومية السريعة التي تحققها برامج (سوبر ستار) و(ستار أكاديمي) و(إكسير النجاح) وقد انضم لهذه النوعية مؤخرا، برنامج (ألبوم) علي قناة (إم. بي. سي) الذي علمت أن تكلفة أجرة استوديوهاته وبناء ديكوراته في بيروت وصلت إلي السبعة ملايين دولار أمريكي… وهو رقم يكفي لإنتاج سبعة مسلسلات تلفزيونية تاريخية من نوع الإنتاج الضخم… علي اعتبار أن الدراما التاريخية هي الأعلي تكلفة، بسبب التكلفة الإضافية لبناء الديكورات وتصميم الملابس وتصنيع الإكسسوارات واستئجار الخيول والكومبارس.

أعود إلي الشباب العربي الذي غدا فأر تجارب في برامج التصنيع الصاروخي السريع لنجوم الطرب والغناء والاستعراض التي ترعاها البرامج المذكورة، والتي تتكاثر في الفضاء العربي، بفعل حمي التقليد والاستنساخ التي تعصف بالعقلية الفضائية العربية في كل كبيرة وصغيرة… فهذا الشباب الباحث عن فرصة لتحقيق الذات، والمشكوك بمواهبه وقدراته في فعل أي شيء له قيمة، والمهمش سياسياً في مجتمعات ألغت أنظمة حكمها، المفهوم الحقيقي للمشاركة السياسية من قاموسها، بل وحتي من أضغاث أحلام مواطنيها… سوف لن يجد بالتأكيد أفضل من هذه البرامج كي يتهافت علي المشاركة فيها، والبكاء بمرارة حين يشطب اسمه من قائمة الناجحين في اختبارات قبولها، والتدافع حتي الموت لرؤية نجومها حين يقيمون حفلات أشبه بـ (الحواجز الطيارة) من بلد عربي إلي آخر… ناهيك عن التسمر لساعات أمام شاشات التلفاز لمتابعة بث حلقاتها إن فاته شرف المرور بكل هذه المراحل، ثم التصويت لهذا النجم أو ذاك… في انتخابات جماهيرية أرض النزاهة فيها، أعلي من سماء أي انتخابات بلدية أو برلمانية أو رئاسية تجري في أي بلد عربي اليوم.

ولهذا كله… فأنا لا ألوم صناع هذه البرامج علي استغلالهم الذكي لحاجات الشباب العربي المهمش والعاطل عن العمل، والباحث عن تحقيق الذات… فهؤلاء كلهم ينطلقون من منطلقات تجارية إعلانية، تخص محطاتهم الخاصة… وهم يروجون لثقافة استهلاكية تقوم علي الشكل المبهر والأضواء التي تعمي الأبصار والقلوب… ثقافة المتحكم في صناعتها مافيا إعلانية تمد جسورها باتجاه إدارة كل المحطات التي لها جمهور، وترسم لهم سياسة تفيد بأن هذا يستحق الصرف بهبل لأنه سيحقق دخلا إعلانيا… وذاك ابتعدوا عنه فلن تجدوا أي راع إعلاني له… بغض النظر عما تقوله هذه البرامج أو تروج له من سلوكيات وأنماط وأشكال تضر أو تنفع (!!!)وفي الوقت ذاته، لا ألوم الشباب العربي علي هذا القدر من التفاني والإخلاص في متابعة هذه البرامج، واللهاث وراء اللحاق بركبها في أي مرحلة من المراحل… وتحمل عدوانية واستهزاء بعض أعضاء لجانها.. فهم يئسوا من أنظمتهم الوطنية، ومن مؤسساتهم التربوية والتعليمية، ومن المشاريع الثقافية والاقتصادية والتنموية، ومن خطط مكافحة البطالة، ومن مؤسساتهم الفنية والإعلامية التي تسد الأبواب في وجه مواهبهم لأن أسوار الشللية والاستزلام الإداري والأمني والسياسي تضرب أطنابها في هذه المؤسسات! وهكذا لم تبق لهم في هذه الحياة إلا مقولة طارق بين زياد الشهيرة (مع كل أسف لهذه المقارنة): البحر من ورائكم والعدو أمامكم… وليس لكم والله إلا الصدق والصبر!

نواب البرلمانات العربية: الضد يظهر حسنه الضد! البرنامج الوثائقي: (أمريكا وأوروبا حرب واحدة) الذي بثته قناة (الجزيرة) مؤخراً، والذي يكشف بالتفاصيل والتحريات الميدانية المثيرة فضيحة السجون السرية الأمريكية في أوروبا الشرقية، التي تديرها وكالة الاستخبارات الأمريكية، والتي اكتشفها نواب برلمانيون في برلمان الاتحاد الأوروبي، انطلاقا من حادثة اختطاف المواطن الألماني العربي الأصل (خالد المصري) وسجنه وتعذيبه في أفغانستان لمدة تزيد عن الخمسة اشهر، قبل أن يتم اكتشاف براءته من تهمة الإرهاب وإطلاق سراحه… هذا البرنامج يشكل بحق، صفعة لكل البرلمانيين العرب!

فعندما يتابع المشاهد العربي الطريقة التي تحرك بها هؤلاء البرلمانيون الأوروبيون، والجهد الخارق الذي بذلوه في السفر بين عدة دول، والبحث عن الحقيقة من مصادر عديدة، كانت جميعها تحاول إغلاق الأبواب في وجوههم، وإنكار القضية برمتها… لكنهم رغم ذلك كله تابعوا تحرياتهم، واستطاعوا في النهاية أن يكشفوا النقاب عن جانب خطير من جوانب الانتهاك الأمريكي لسيادة بعض الدول الأوروبية، والتعدي علي الحريات العامة… سوف يتذكر علي الفور، الجهود التي اعتاد نواب البرلمانات العربية، أن يقوموا بها في تأييد الحكام، والتصديق علي كافة المراسيم التي تصدر لبرلماناتهم، ومظاهرات التأييد والولاء التي اعتادوا أن يسيروا فيها بلا أدني ذرة خجل، ثم تهافتهم للظهور في وسائل الإعلام، للدفاع عن الأنظمة الحاكمة، وشتم منظمات المجتمع المدني، وتسفيه الشخصيات المعارضة التي تسول لها نفسها أن تتحدث عن وطن، لا يرتبط باسم شخص، وكأنه عقار سكني أو تجاري، ولا ترفع فيه شعارات بالروح بالدم نفديك يا…. وإلي الأبد!

هذا الفيلم الوثائقي، الذي أعود للتذكير بأنه انطلق من حادثة اختطاف شخص عربي الأصل والاسم والهوية… وليس أوروبياً… ولا آريا… ولا تجري في عروقه الدماء الزرق، يجعلنا ندرك بالوقائع الملموسة، إلي أي درك من الانحطاط والعبودية وصلنا إليه مع ممثلينا الشكليين في البرلمانات العربية… وأتساءل بعد هذا كله… هل سيتجرأ نائب عربي، أو وزير إعلام عربي في الظهور في برنامج تلفزيوني أو ندوة حوارية للقول: حتي في الدول التي تتشدق بالحرية والديمقراطية… لا توجد حرية حقيقية!

لو تجرأوا وأعادوا علي إسماعنا هذه الإسطوانة المشروخة، التي تحاول أن تعزو عبوديتنا (عزّانا الله بقاماتهم) … فإنني لن أتردد شخصيا ـ من أن أتصرف كما يتصرف (ابن شوارع) في مشاجرة، يستخدم فيها كل مخزونه من الكلمات النابية… ويخلع فيها كل ما تيسر له خلعه ليرد بالطريقة التي تليق بالمقام… ولكن ـ فقط ـ أمام شاشة تلفزيون صماء نسمعها ولا تسمعنا!

محمود سعد: حوار دعائي فج! يعتبر محمود سعد، واحدا من أفضل مقدمي البرامج التلفزيونية العربية برأيي… فهو يتمتع بالبساطة والتلقائية، وهو محترف في كسر حاجز الإرسال والتلقي بينه وبين المشاهد، سواء كان متفرجا أو متصلا، مع الاحتفاظ بحاجز الاحترام بينه وبين ضيوفه ومشاهديه بلا تكلف ولا تصنع… ولا هوس بإبراز نجوميته علي حساب الضيف أو الموضوع!

لكن محمود سعد الذي احتفظ بكل هذه المزايا حين استضاف المذيع اللبناني (نيشان) في الحلقة الأخيرة من برنامجه (اليوم السابع) لمناسبة انضمام هذا الأخير إلي قناة (إم. بي. سي) بدا متزلفاً للقناة التي يعمل بها، وخانته لباقته في تمرير رسائل مدح القناة بأسلوب أقل فجاجة ومباشرة!

اعتبر محمود سعد أن انضمام (نيشان) دلالة علي أن الشيخ الوليد إبراهيم صاحب (إم. بي. سي) لا يترك أي طاقة إبداعية هامة في الوطن العربي، إلا ويسعي كي يضمها إلي شاشة كل العرب… ونبّه محمود سعد زميله الجديد، الذي اعتاد أن يقدم برامج لقاءات فنية تمتد علي مدار أكثر من ساعتين أو ثلاث… إلي أن الساعة في (إم. بي. سي) تساوي ثماني عشرة ساعة في المحطات الأخري! فهل يجوز أن يقال مثل هذا الكلام علي ألسنة أحد العاملين في المحطة، ومن علي شاشتها؟

بالمناسبة أنا لا أفهم سر هذا الاحتفاء المبالغ به بالسيد نيشان… الذي ظهر مع محمود سعد، مثل التلميذ الشاطر الذي يحفظ درسه، ويعرف أن يجيب بدقة علي سؤال: (متي طرحت آخر سؤال علي نفسك؟) بل وأن يحدده باليوم والساعة… فبدا علي غاية من التكلف، مثل أجوبته الأخري التي بدأ فيها التذاكي والدقة المصطنعة والتثاقف الاستعراضي!

علي أية حال نأمل أن يظهر نيشان في حلة جديدة… مادامت (إم. بي. سي) مولعة بتجميع المواهب والنجوم كحبات معقودة في سبحة الشيخ صاحب محطة: كل العرب!

كاتب من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية