المهزومون الثلاثة وحتمية سقوط امبراطورية الشر

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

مسيرة حاشدة في اسرائيل تقول لرئيس وزرائها: لقد فشلت، عد الي منزلك وسط مطالبة مكثفة باستقالة ايهود اولمرت من رئاسة الوزراء. الانتخابات المحلية في بريطانيا تضعف قبضة حزب العمال علي السلطة، فيما يعد رئيس الوزراء، توني بلير، ايامه علي رأس الحكومة.

مجلة التايم الامريكية تلغي اسم الرئيس جورج بوش من قائمة أقوي 100 شخصية نفوذا بينما تحتفظ باسماء اسامة بن لادن والممثل اليهودي، بورات دي ساتشا (علي جي). فما المشترك بين هؤلاء الزعماء الثلاثة؟ وما الذي ادي الي تداعي النجم السياسي لكل منهم في فترة وجيزة؟ وما الذي أسقطهم جميعا، وهم الذين بدوا العام الماضي وكأنهم ماسكون بزمام الامور في منطقة الشرق الاوسط وانهم بصدد انجاز انتصار عسكري عظيم ضد حزب الله اللبناني وما يمثله من صمود الامتين العربية والاسلامية بوجه الاحتلال والعدوان. لقد اعتاد المحللون السياسيون القول بان الناخبين الغربيين لا يحاكمون زعماءهم وفق سياساتهم الخارجية، بل ان السياسات الداخلية (الضرائب، الضمان الاجتماعي، النظام الصحي، التعليم….) هي التي تفرض نفسها عندما يحين الاستحقاق الانتخابي. غير ان الواضح ان هؤلاء الزعماء الثلاثة تمت محاكمتهم بشكل قاس، ليس علي اساس سياساتهم المحلية، بل حول سياساتهم الخارجية. وبتعبير أدق، تمت المحاكمة علي اساس مواقفهم من حربين في الشرق الاوسط: حرب العراق وحرب لبنان. وجاءت نتيجة المحاكمات الشعبية لهم قاسية. واتفق المحلفون علي ادانتهم، والمطالبة بأقسي العقوبات بحقهم، وهي طردهم من مناصبهم السياسية بشكل مذل، واجبارهم علي لعق كبريائهم علنا، وابتعاد اقرب حلفائهم عنهم اما بشكل مفاجيء او تدريجي. لقد كان ثمة حلم يراود توني بلير، وهو ان لا يترك منصبه الا بعد ان يسجل رقما قياسيا في رئاسته الوزراء، وذلك بعد ان قاد حزب العمال للفوز ثلاث مرات متتالية في الانتخابات العامة. كان أمله ان يتفوق علي المرأة الحديدية التي أمضت اكثر من احد عشر عاما في رئاسة الوزراء. وقد واجه كافة التحديات التي وضعت في دربه لمنع تحقق ذلك، وأصر علي البقاء في منصبه برغم المطالبات المتكررة في العامين الماضيين بتنحيه طوعا عن المنصب. وقد أدرك مهندسو سياسات الحزب ان بقاءه سوف يقود الحزب الي هزيمة ماحقة في الانتخابات المقبلة، وان من الضروري ان يتم تغيير وجه الحزب امام الناخبين. وعلي مدي الاعوام الثلاثة الماضية أظهرت استطلاعات الرأي العام ان شعبية بلير في تراجع مستمر. لقد كان قراره توريط بلاده في حرب العراق، الي جانب الولايات المتحدة، في غياب الشرعية الدولية، حاسما في تحديد مصيره. فبالاضافة لغياب القرار الدولي الذي يشرعن الحرب، ثمة عوامل اخري ساهمت في اضعاف شعبيته. منها اولا عدم اكتشاف أسلحة الدمار الشامل وهي الدعوي التي شنت الحرب علي اساسها، وانكشاف ما يعادل الكذب الصريح في تصريحات بلير قبيل الحرب، ثانيا فشل تلك الحرب علي مستويات عديدة. فهي لم تحقق الامن لشعب العراق بل ازدادت معاناته بسبب غياب استراتيجية واضحة لدي قوات الاحتلال، وزادت الشعب العراقي حنقا ضد القوات البريطانية. ثالثا انها ادت الي استمرار سقوط الضحايا بين القوات البريطانية، وادي ذلك لمشاعر غضب هائجة لدي عائلات الضحايا. رابعا ان الحرب لم تؤد الي القضاء علي الارهاب، بل زادت الارهاب حدة ليس داخل العراق فحسب، بل وصل الي شوارع العاصمة البريطانية، وما يزال يمثل تحديا كبيرا للامن البريطاني. وحيث لم يبد في الافق نهاية واضحة للتورط البريطاني في تلك الحرب واخفاقاتها وانعكاساتها السلبية علي الاستقرار والامن في بريطانيا، فقد ضاقت السبل علي رئيس الوزراء الذي وجد نفسه تحت ضغوط هائلة للتنازل عن المنصب وفسح المجال امام شخص آخر يعيد للحزب قدرا من المصداقية. وليس معلوما ما اذا كان غيابه عن المسرح سوف يعيد تلك المصداقية المفقودة. فالانتخابات المحلية التي اجريت الاسبوع الماضي كشفت، بوضوح، حالة من التململ الشعبي من استمرار التورط البريطاني في العراق، وهو تململ قد يلحق اضرارا اكبر بالحزب الحاكم، ولا يقتصر تأثيره علي بلير فحسب. لقد كان بامكان توني بلير ان يعيد قدرا من التوازن للسياسة الخارجية البريطانية التي اصبحت ذيلا لسياسات البيت الابيض. وكان موقف بلير من الحرب الاسرائيلية ضد لبنان مخزيا، اذ رفض دعوة الاسرائيليين لوقف اطلاق النار، في الوقت الذي وقف العالم كله (باستثناء امريكا واسرائيل) ضد تلك الحرب. كان بامكان رئيس الوزراء البريطاني ان يحقق لحكومته وبلده موقفا مشرفا يستطيع من خلاله ان يكون قادرا علي ممارسة دور اكثر ايجابية في المنطقة، ولكنه لم يفعل. اما الذريعة التي قدمت بشكل متكرر فهي ان هذه السياسة تتيح للمسؤولين البريطانيين ممارسة ضغوط اكبر في اللقاءات الخاصة مع الاسرائيليين والامريكيين، وهذا اكثر فائدة من التصريحات والمواقف العلنية المعارضة لسياساتهم. ولكن منتقدي بلير يقولون انه انتهج سياسة عدم ازعاج الطرفين حتي في اللقاءات الخاصة، وانه كان يقول للمسؤولين الامريكيين والاسرائيليين ما يودون سماعه. ويتساءلون عن مدي صدقية بلير في دعواه هذه، وكيف انه لم يعترض علي الحرب عندما التقي رئيس الوزراء الاسرائيلي بضعة ايام قبل العدوان الاسرائيلي ضد لبنان. فلو كان حقا يمارس النقد القوي في اللقاءات الخاصة لفعل ذلك. واذا كان قد حاول منع نشوب الحرب، وان الاسرائيليين لم يستمعوا قوله، فما جدوي سياسة الحوار البناء البعيد عن الاضواء اذا كانت لا تؤدي الي نتائج ملموسة او الي تغير واضح في السياسات والمواقف الامريكية او الاسرائيلية؟ ويقولون ايضا ان بلير أزاح جاك سترو من وزارة الخارجية بسبب مواقفه التي كانت أقل مسايرة للامريكيين، وان بعض تصريحاته لم تعجب الاسرائيليين، وانه لو كان وزيرا للخارجية في الصيف الماضي فربما كان سيؤثر علي موقف رئيس الوزراء ازاء تلك الحرب المدمرة. اما جورج بوش فلم يسلم هو الآخر من تبعات الحرب المدمرة التي شنها ضد العراق، والتي تحولت الي مستنقع آسن يحصر ارواح العراقيين والامريكيين والبريطانيين علي حد السواء. فحتي مجلة التايم الامريكية اصبح لها موقف آخر من الرئيس الامريكي، اذ استثنته من قائمة الشخصيات المائة الاكثر نفوذا علي شؤون العالم. وهذا مؤشر خطير، ليس علي عدم قوة بوش وشعبيته فحسب، بل علي موقع امريكا في العالم. فقد تحولت قضية العراق الي فخ آخر تم فيه اصطياد المارد الامريكي بدون رحمة، فأصبح يئن تحت وطأة الألم المتواصل نتيجة استمرار العنف والارهاب. وقد توسعت دائرة مناوئي سياسات البيت الابيض، حتي اصبحت حالة شعبية داخل الولايات المتحدة. هذه الحالة هي المسؤولة عن تراجع حظوظ الحزب الجمهوري الذي ينتمي اليه الرئيس في الانتخابات الاخيرة، والتصويت للحزب الديمقراطي الذي اصبح يهيمن علي الكونغرس، ويحرم الرئيس من القرارات التي تطلق يده في الانفاق علي الحرب وزيادة التورط الامريكي فيها. لقد اصبح شبح فيتنام يلوح امام النفسية الامريكية، واصبحت هناك قناعة بضرورة المفاصلة التدريجية مع قضية العراق، لحقن الدماء الامريكية واحتواء ظاهرة الارهاب التي اصبحت اكثر اتساعا. الرئيس الامريكي، هذا الذي كان يمثل بعبعا للعالم بسبب سلطاته الواسعة وقدرته علي اتخاذ القرارات بشن الحروب ضد من لا يخضع لقراراته وهيمنته، اصبح الآن يستجدي بتواضع من مناوئيه اقرار الموازنات والسياسات العسكرية، وتراجع نفوذه حتي اصبح أقل شأنا، في نظر المجلة المذكورة، من اسامة بن لادن. لقد اثبتت الورطة الامريكية في العراق ان القوة العسكرية وحدها لا تنفع ولا تحسم القضايا المعقدة، فواشنطن التي اطلقت مقولة محور الشر لوصف ايران وسورية بالاضافة لكوريا الشمالية، تجد نفسها مرغمة علي التفاوض معهما، علي امل الخروج من المأزق العراقي الخطير. وما شهدته اجتماعات شرم الشيخ الاسبوع الماضي من اتصالات بين هذه الاطراف الثلاثة يعكس مدي ما وصلت اليه الولايات المتحدة من قناعة بضرورة التخلي عن سياسات الابتزاز والتهديد والتلويح باستعمال القوة العسكرية لتصفية الحسابات. ربما جاء ذلك استجابة لتوصيات تقرير بيكر ـ هاميلتون، الذي بحث أزمة العراق وسبل الخروج منها. مهما كان الامر فليس مستبعدا ان يكون العالم علي موعد مع عهد جديد تتصرف فيه امريكا بطريقة أقل رعونة، مستفيدة من تجاربها المريرة علي مدي العقود الثلاثة الاخيرة، وان كان الكثيرون يشككون في حدوث ذلك بهذه السرعة. اما ثالث الثلاثة، ايهود اولمرت، فقد اصبح هو الآخر ضحية لسياسات الغطرسة والاحتلال من جهة، والشعور غير الواقعي بان القوة وحدها تكفي لحسم الازمات. وجاء تقرير الياهو فينوغراد الاسبوع الماضي ليوجه صفعة قوية لرئيس الوزراء الاسرائيلي، باعتباره المسؤول الاول عن شن الحرب بدون وجود خطة عسكرية محكمة، وبدون الاستماع الي نصائح الخبراء. اولمرت اعتقد ان بامكان ما لدي اسرائيل من امكانات عسكرية، حسم الحرب ضد لبنان بسرعة وانتصار. ولكن ذلك لم يحدث، فبعد 34 يوما من التدمير الهائل والوحشية غير المسبوقة، خرج حزب الله كما دخل الحرب تقريبا، بخسائر محدودة، وسمعة عالية، فيما اصبح الاسرائيليون يعانون من عقدة جديدة ستظل ماثلة امامهم فترة طويلة. لقد كانت مغامرة اولمرت خاسرة، هذا ما قاله الكثيرون يومها، في ما عدا بعض الزعماء العرب في مصر والسعودية والاردن الذين لا يستطيعون استمراء ذوق النصر ولا يتقنون لغته. اولمرت لم يوفر سلاحا فتاكا في ذلك العدوان، معتمدا في موقفه علي تواطؤ جورج بوش الذي أقام جسرا جويا بالاسلحة الامريكية لـ اسرائيل ومساعدة توني بلير الذي سمح للمطارات البريطانية بتقديم الخدمات لطائرات النقل الامريكية وهي تنقل الاسلحة الفتاكة للصهاينة. اليوم، وبعد تسعة شهور تقريبا علي ذلك العدوان، تتضح صورته أكثر، فيصبح شبيها بالعدوان الثلاثي علي مصر في 1956، من حيث ظروفه ونتائجه. لقد أنهي ذلك العدوان عهد انتوني ايدن، كرئيس وزراء لبريطانيا، بسبب اتخاذه قرار المشاركة في العدوان الي جانب اسرائيل وفرنسا. هذه المرة، استبدلت فرنسا بالولايات المتحدة، واصبح العدوان المشترك عنوانا لهزيمة فادحة. هذه الهزيمة تضافرت ظروف اخري لتوسيع دائرة ضحاياها، ومن اهمها صمود المقاومة بوجه العدوان، الامر الذي وفر تعاطفا دوليا معها من جهة، وجعلها قادرة علي الحاق خسائر بشرية ومادية بالكيان الصهيوني لم يعهدها من قبل. هذه الخسائر ساهمت في بلورة رأي عام داخل الكيان مناوئ للحرب، ومطالب بتحقيق في ظروفها واداء الحكومة خلالها. كان واضحا ان هناك رغبة لدي رئيس الوزراء لتحقيق نصر ما في لبنان، ليستطيع اقناع الداخل الفلسطيني بعدم جدوي المقاومة، ولكن نتائج تلك المغامرة اصبحت الآن تحاصره وتؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ الاحتلال غير واضحة المعالم والآثار. لقد كانت اسرائيل جيشا له دولة، وبضعف هذا الجيش وتراجعه، اصبح وجود الدولة مهزوزا ومهددا. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية