ما انفك الدرع الصاروخي الأمريكي الذي تؤسس أركانه في أوروبا الشرقية يصنع نقطة التصادم ما بين واشنطن وموسكو، ويجر العملاقين إلي شفير حرب باردة ثانية. قد تمتد إلي عقود طويلة علي غرار سابقتها بفعل تشبث صقور البيت الأبيض بالعنجهية الجبروتية التي لا تقيم أي وزن أو اعتبار لأية قيمة حضارية أو إنسانية، ولا تعبأ بردود الأفعال السياسية أو العاطفية المتولدة من الآخر. ولكن الظاهر أن تركيزها علي الصين وإيلائها له أهمية كبري معتبرة إياه الوحيد في المعمورة الذي قد يضر بها التصادم معه فوت عليها مآرب استراتيجية كان بإمكان علاقة حسنة مع موسكو أن توفر لها أكثر منها وأعمي بصيرتها عن خطر كبير قد يستنزف قواها المادية والمعنوية بفعل الحرب الباردة التي لم تخطر لها علي بال مع وريث عرش السوفييت. لأن فلاديمير بوتين ابن الكي جي بي لن يكون رجلا سهل المراس ضعيف الشكيمة. وإن لم تكن روسيا الحالية في حجم عظمة وقوة الاتحاد السوفييتي، ولكن الدرع الصاروخي الأمريكي الذي تنصبه أمريكا علي مرمي صاروخ من المواقع الاستراتيجية الروسية هو خطر علي موسكو لا يقل عن خطر أزمة الصواريخ الكوبية التي شغلت العالم في ستينات القرن الماضي. وكانت قاب قوسين أو أدني من إشعال لهيب أكبر حرب بشرية علي مقربة من الأراضي الأمريكية، غير أن حنكة كينيدي أنذاك ويقينه بأن القوة تمنع القوة وأن أي مواجهة مسلحة بين العملاقين سوف لا تبقي ولا تذر، حملت الغريمين إلي حل بالتراضي فإن الوضع هذا بالمعطيات الأمريكية قد لا ينتهي إلي ما انتهت إليه قضية خليج الخنازير، إذا ركب خنازير البيت الأبيض رؤوسهم وأداروا ظهورهم لموقف الدب الروسي الرافض لأن تكون تخوم حدوده في أوروبا الشرقية مرتعا لهذه الخنازير، فبوادر الحرب الباردة الثانية قد ظهرت كل علامتها التي انتقلت من مجرد الرفض والممانعة الروسيين إلي أسلوب التهديد الداخلي والخارجي، بحيث أمر بوتين بإعادة هيكلة الصناعات النووية في وقت اعتبر فيه هذا الدرع الصاروخي درعا تجسسيا علي بلاده، وقرر انسحاب موسكو علي خلفية الخلاف المذكور من كل الأحلاف الأوروبية المسلحة، والذي بدوره أحدث شرخا كبيرا داخل سرايا ودواليب أكبر وأقدم حلف موجود علي الأرض الناتو، بينما كان وزير دفاعه أكثر جرأة ربما لأنه تكلم بلسان عسكري أحمر أعاد إلي الأذهان سجالات التصريحات والتصريحات النارية المضادة حينما أعلن صراحة تهديده بضرب الدرع الصاروخي الأمريكي. وهذا ما سيفتح مجالا واسعا لسباق تسلح محموم قد يكون خطيرا علي البشرية عامة، ولكن روسيا ستكون لها استفادات كبيرة من كثير من الأنظمة التي تواجه ضغوطات وتحرشات أمريكية، لأنها ستجد في موسكو الركن الشديد الذي تأوي إليه والذي فقدته منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.
وبالمقابل تبدو أمريكا لدي الكثير في محل الشيطان الرجيم الذي يرجمه من استطاع إلي ذلك سبيلا ويلعنه من لم يستطع سرا وعلانية.
عبد الله الرافعيكاتب صحافي جزائري[email protected]