حسام الدين محمد
لقد انقلبت المعايير وانخسف الميزان: عندما تأسست هذه الزاوية كان الهدف منها تقديم نقد للفضائيات العربية والاجنبية وبرامجها وافلامها ومقدميها الخ… ولم يكن مطلوبا من الكاتب الا ان يكون مطّلعا علي هذا الجانب، علي ان تكون كتابته خفيفة الدم وساخرة وتقدّم معلومات للقاريء.
غير ان مواصفات الكاتب لهذه الزاوية بدأت تتغيّر ومن الممكن خلال وقت قريب ان يكون مطلوبا من كاتبها ان يقدّم سيرة مهنية CV يثبت فيها انه تعرض لـ5 سنوات اعتقال علي الأقل، و3 سنوات بين المحاكم وأقسام الشرطة والأمن.
اما اذا تطوّر الأمر وساءت احوالنا اكثر فربّما ستتطلب مواصفات الكاتب ان يكون قد خضع لدورة عسكرية في توضيب الاحزمة الناسفة ورمي قذائف الآر بي جي وقصف الصواريخ!
اكتب هذا الأمر بمناسبة صدور الأمر بحبس زميلتنا في هذه الزاوية هويدا طه بتهمة الاضرار بالمصالح القومية لمصر و اعطاء وصف غير صحيح للأوضاع فيها بعد مصادرة الأفلام غير الممنتجة لفيلمها وراء الشمس الذي يتحدّث عن التعذيب في برّ مصر!
لا أنكر ان هويدا كاتبة سليطة اللسان ويشاركها في ذلك عدد آخر من كتاب الزاوية مثل حكم البابا (الذي منع مسلسله الأخير من العرض في التلفزيون السوري) وسليم عزوز (الذي ألّف خلال ستة شهور من كتابته لهذه الزاوية انسكلوبيديا في هجاء وزير الاعلام المصري السابق صفوت الشريف) وقبلهما خميس الخيّاطي (الذي حوكم هو ايضا علي التعرّض في هذه الزاوية لأحد كبار اصحاب النفوذ، كما منع كتابه المؤلف من حلقات هذه الزاوية لفترة طويلة). لكن اين حصل الخطأ الذي أدي للحكم عليها بالحبس؟
من المعلوم طبعا ان التعذيب يحصل في كل السجون لكن هل يعقل بهويدا ان تقنعنا ان ذلك يحصل في مصر؟
وبما انني لم اعرف عن هويدا شغفا بالابداع الأدبي فكيف استطاعت تأليف كل هذه الحكايات والقصص غير المعقولة عن التنكيل بالمواطنين المصريين علي ايدي زملائهم من افراد الشرطة الموكلين بالحفاظ علي امن هؤلاء المواطنين وكراماتهم وممتلكاتهم؟
قد يردّ عليّ ثورجي مغرض ويقول اذن من اين جاءت هويدا بهؤلاء الشهود الذين قدمت قصصهم؟
وأقول ان هويدا، وبالاستعانة بفريق قناة الجزيرة في القاهرة، قد اختطفت هؤلاء الشهود وعلقتهم بالكلاّبات واقعدتهم علي الكرسي الألماني وقامت بتعذيب مروّع لهم ليدّعوا هذه الادعاءات السخيفة عن تعذيبهم علي ايدي عناصر الأمن المصري.
القضاء المصري العادل درس القضية من كل جوانبها واستبان كل تفاصيلها ودقّق في دعوي اجهزة الأمن ضد هذه الصحافية الألعبان التي نجحت في فبركة كل هذه التفاصيل لتشويه سمعة ام الدنيا وأبوها وابنها (الذي تزوّج مؤخرا ابنة مليونير شقراء وزرقاء العيون، عقبال اولادكم)، وعليه فانا مستغرب حقا من هذا الحكم الخفيف اللطيف.
صحيح ان السجن للرجال وان هويدا هي ـ ولا مؤاخذة ـ مجرّد ستّ وضلع قاصر لكن هذا لا يقلّل من هذه المهزلة: ستّة اشهر مع النفاذ. فقط؟
عجيب الا يخاف القضاء المصري بعد اصداره هذا الحكم المخفّف من الاساءة التي يشكلها ذلك علي سمعة البلاد والاضرار بمصالحها القومية.
الم اقل لكم ان المعايير انقلبت وان الميزان انخسف!
شهريار يركب الكرسي! يعرض مسلسل انتقام الوردة حاليا علي اكثر من فضائية عربية، وهو من انتاج وبطولة الممثلة التي انداحت فجأة بكل الاتجاهات: جومانا مراد.
تفتح برنامج المسابقات الشيف النجم فتجد حلقة تشارك فيها جومانا، وتشاهد مسلسلا مصريا فتراها في صدارته تتحدّث الصعيدية مثل أهلها بل وتتعرض لـ علقة محترمة بالأيدي والارجل في حلقة بثّت مؤخرا، وتعود الي المسلسلات السورية فتجدها اكلت الجوّ ودهنت السماء كوكو، كأنها في حالة اجتياح لجبهة التمثيل والانتاج مدعوم بتفوق من القوات الجوية المالية واسناد مدفعي ركناه الجمال والعلاقات العامة!
لست لحصن الخسّ (اي لحسن الحظ بلهجة جومانا) من حسّاد المال فلدينا منه اكوام في البنوك (مضاف اليها اشارة ناقص طبعا) ولا من حسّاد الجمال فأنا واحد من طاقات الطبيعة المنفلتة ومن اجمل صحافيي زماني (تشهد علي ذلك غيرة زوجتي عليّ وخوفها المستمرّ من تأثيري الأخّاذ علي النساء والفتيات اللاتي اقابلهن او سأقابلهن ـ رغم أنني ربع القامة وأضع النظّارات!) ولكنني، مع ذلك، اكره هذا الجمع بين الانتاج والاخراج والتمثيل علي خلاف أنظمتنا العربية التي تموت في دباديب الجمع بين مواهبها في الانتاج والاخراج والتمثيل وصولا للتدخل في كل زنبور يهبّ او حمار يدبّ.
غير ان اكثر ما لفت نظري في هذا المسلسل هو جمعه بين ثلاثة ممثلين: اسعد فضة، وزهير رمضان وصباح عبيد.
اسعد فضة، وللمرة الثانية بعد الألف، يمثّل دور رجل الأعمال الملياردير الشهريار، والذي يجمع الي ذلك اللطافة والكياسة وحبّ مخدوميه المستعدين لفدائه بالروح والدم، كما انه للمرة الثالثة بعد الألف يتزوّج فتاة أخري غير زوجته وأصغر منها، ويطلّقها عندما يدرك شهرزاد الصباح!
زهير رمضان، يمثّل ايضا الدور المحبّب له: الشرّير، القاتل، ورجل العصابات.
واخيرا يقوم صباح عبيد بتمثيل دور جديد نسبيا عليه لكنني اتوقع ان يستمر في تطوير هذا الدور في المسلسلات القادمة وهو دور: رئيس العصابة، مهرّب المخدرات، القاتل دون رحمة الخ… يجمع بين هؤلاء الثلاثة كونهم تتابعوا علي منصب رئيس نقابة الفنانين في سورية، بدءا من اسعد فضة، مرورا بزهير رمضان ووصولا الي صباح عبيد الذي قام مؤخرا بانقلاب ديمقراطي علي زهير رمضان، واستولي علي الكرسي باقتدار (كما انه فاز مؤخرا بمقعد في مجلس الشعب السوري عن مدينة دمشق ـ مع العلم انه من مدينة دير الزور!). كتبت قبل مرة ان تمثيل اسعد فضة غير مقنع ابدا، وان تكريسه هذا في المسلسلات السورية حتي في تمثيل ادوار رئيس الحارة الشامي ووالد نزار قباني الخ… رغم عدم اتقانه للهجة الشامية، لا يمكن ان يفهم الا ضمن الآليات السلطوية السورية المعقّدة، وقد لاحظنا مؤخرا كيف ان منصب نقيب الفنّانين في سورية هو مركز شديد التأثير والخطورة وقادر علي اصدار اوامر بمنع مخرجين من العمل وفصل ممثلين ولا اعلم ان كانت من مهامه ترشيح البعض للاعتقال او التحقيق. واذا كان اسعد فضّة قد نفذ بجلده مكرسا نفسه ضمن هذا الدور ذي الامتيازات: المليونير ومعشوق الفتيات الصغيرات السنّ، فان اقتصار ادوار الاجرام والقتل والتعذيب والتهريب علي كل من زهير رمضان وصباح عبيد لا يمكن ان يخرج عن واحد من هذين السيناريوين:
ـ اما ان يكون ذلك شكلا من اشكال انتقام المنتجين والمخرجين من هذين الممثلين بحبسهما ضمن دائرة الاشرار هذه، ـ واما ان رمضان وعبيد معجبان أصلا بهذه الادوار ويجدان فيها ما يستجيب لهوي في نفسيهما!
غير ان الأمر لا يخلو من بعض المخاطر في بلد يستمتع بتقليب فكرة المؤامرة السياسية في كل شيء، فبقليل من التدقيق سنلاحظ ان اسعد فضة كان نقيبا للفنانين أيّام الرئيس الراحل حافظ الأسد واستمر في منصبه لسنوات طويلة لاحقة، اما رمضان وعبيد فهما من الحرس الجديد، وكان عبيد من المجلّين في المديح للقيادة الحالية في غير فضائية ووسيلة اعلام ولا بد انه كوفيء علي حماسه ومواهبه الخلاقة هذه.
وعليه، ألا يمكن لأحد المغرضين، وليكن انا مثلا، ان يربط بين تخصيص هذين الممثلين في ادوار الشرّ وبين كونهما من رموز العهد الجديد؟
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجمهور المخرجين والممثلين والمشاهدين!
ناقد من أسرة “القدس العربي” [email protected]