وصلت أحيانا حد التوبيخ وطالت قطاعي الصحة والتعليم:
عمان ـ “القدس العربي” ـ بسام البدارين: الانتقادات الملكية التي وجهت خلال الاسبوع الحالي للحكومة الاردنية ووصلت احيانا الي حد التوبيخ، لها ما يبررها ولها ايضا كلفتها السياسية علي الحكومة، خصوصا وان هذه الانتقادات طالت اداء الحكومة في اهم مفصلين للرأأي العام وهما التعليم والصحة، كما تزامنت هذه الملاحظات النقدية مع انشغال الحكومة بأجندة التحضير للانتخابات البلدية والبرلمانية.
وطوال الفترة الماضية كان رئيس الوزراء معروف البخيت يتعرض مع حكومته لحملات شغب وتوقع متتالية، وطوال الفترة كان الرئيس يرد بحزم علي المشككين في بقاء حكومته عبر اشارة سريعة يقول فيها لبعض الاصدقاء والجلاس: اطمئنوا.. انا باق حتي ادير الانتخابات البرلمانية، وهي عبارة يفهم منها بوضوح بان الحكومة الحالية ستبقي الي شهر نوفمبر المقبل علي الاقل بالرغم من كثرة التحرشات حولها واحيانا دخول بعض مؤسسات الاعلام علي خط اضعاف الحكومة. ويبدو ان البخيت رجل اثبت بالوجه القاطع انه لا يكترث بالملاحظات النقدية الهامشية او الجانبية او تلك التي تصدر عن شخصيات ونخب لا يوجد لها دور اساسي في عملية القرار، لكن حكومة الرجل تبدو الان مضطرة للتوقف بعد ان اختار القصر الملكي الملفين الاقرب للناس وهما التعليم والصحة لكي يخفف من اندفاع الحكومة وثقتها الزائدة بنفسها، ولكي يخفف من احاديث التنظير السياسي والفكري الاستهلاكية من قبل رموز الحكومة. والوقفة هنا كانت ضرورية جدا خصوصا وان ترديد مفردة ملكية نقدية علنا وفي وجه حكومة قائمة ومستقرة وتتصور انها باقية لعدة اشهر هو بحد ذاته سلوك سياسي يستفز الحكومة ويبلغها ضمنيا بانها ليست وحيدة في الميدان وبان عين الرقابة الاكثر اهمية وهي عين مؤسسة القصر فاعلة وعاملة وان كانت لا تتأثر بالتحرشات الجانبية. وليس سرا ان كثيرين في صفوف النخبة لديهم اسباب متقاطعة لكي يروا رئيس الوزراء الحالي في اضعف احواله، وليس سرا ان الحكومة تتعرض للضغط وان بعض وزرائها لا يشعرون بالاستقرار، وان من بين الاسباب المركزية لاستمرار بقاء الحكومة هو عدم وجود جاهزية للمجازفة بحكومة مختلفة او من طراز مختلف. من هنا يمكن قراءة ملاحظات الملك الاخيرة قراءة نقدية تماما، فجريا علي عادته قام الملك عبد الله الثاني بزيارة مفاجئة لمستشفي مدينة الزرقاء المكتظة وتجول بدون ترتيب بين الاقسام والمرضي معلنا عدم رضاه عما سماه الخبر الرسمي للزيارة بطء الحكومة في تنفيذ مشروع مستشفي كان قد امر به القصر سابقا.
وتحدث اعلاميون رافقوا الزيارة الملكية عن تلميحات بانتقاد بطء الحكومة ومشاريعها عموما. ولم يتوقف الملك عند هذا الحد بل طرح بقوة كل الاسئلة المتعلقة بالنظام الصحي بالمملكة، وطالب الحكومة بخطة لمدة شهرين وبالتسريع في انجاز ثلاثة مستشفيات جديدة، كما عقد اجتماعا لكل الاطراف المعنية بالملف الصحي بحضور رئيس الوزراء. وكل هذه الفعاليات الملكية برمجت علي اساس اعلان الملك عدم رضاه عن الاداء في هذا الاتجاه مما يعني ضمنيا بان مؤسسة القصر تجد نفسها في نفس المكان الذي تكون فيه للقيام بمبادرات واصلاحات تعوض النقص في الاداء الحكومي. والاسبوع الماضي فتح الملك ايضا بمبادرة منه ملف الاشكالات في قطاع التعليم العالي وتضمن الامر نقاشات نقدية لغياب الاداء الحكومي الفاعل في هذا المضمار. وبطبيعة الحال كان لا بد من قراءات سياسية لانزالات القصر الملكي في قطاعي الصحة والتعليم خلف خطوط الحكومة، فمرجعيات القرار بالعادة تنتقد الحكومات في الغرف المغلقة، لكن اسلوب الملك عبد الله الثاني مختلف تماما، فزياراته المفاجئة لمواقع الميدان واستماعه مباشرة للمواطنين بدون وساطات يخلق حراكا مؤثرا في الحياة الرسمية والاجتماعية، كما يكشف وعلنا عن نقاط الضعف في اداء الجهاز الحكومي. وبطبيعة الحالي ايضا خرج من قرأ في الاعلام ملاحظات القصر النقدية علي انها اشارات قد تؤدي الي اقالة الحكومة وتغييرها. كما مال بعض الخبراء والعقلاء الي قراءة مختلفة تعتبر بقاء الحكومة الحالية مسألة محسومة من مراجع القرار وتطالب بان لا تبالغ النخبة في تحليل زيارات الملك المفاجئة وانعكاساتها علي استقرار وبقاء الوزارة. وبكل الاحوال ثمة شبه اجماع علي ان الملاحظات التي وجهت في اطاري التعليم والصحة لها غرض تكتيكي ومحدد يساهم اولا في تقليص جرعة الثقة الزائدة بالنفس، ويحفز الحكومة ثانيا علي المسارعة في الاداء والانجاز ويعفي الرأي العام من الاعتقاد بان الاخطاء والتباطؤ والتلكؤ عناصر مسموحة للحكومة الحالية ما دامت كلفت بملف الانتخابات البلدية والبرلمانية. ضمنيا تقول مؤسسة القصر للوزارة إن عليها ان تتوقف لتعمل في الإتجاه الإيجابي والمرسوم بخصوص القطاعات ذات الصلة المباشرة بحياة الناس وان إنشغالها في ورشة الحوار السياسي او الوطني تحت العناوين الإنتخابية لايعفيها لا من النقد الملكي ولا من تمتين الأداء في القضايا الأساسية المتعلقة بخدمات الجهاز الرسمي للناس وللمواطنين. وعلي الأرجح تؤهل خبرات البخيت الحكومة لإلتقاط ما هو جوهري في مسألة الملاحظات النقدية الملكية خصوصا وان أسلوب التعاطي الملكي مع الحكومات السابقة كان متشابها علي نحو أو آخر عندما تعلق الأمر بحاجات الناس الأساسية بعيدا عن التنظير السياسي والفكري.