يحيي ابو زكريا
علي الرغم من ان حزب العدالة والتنمية التركي المؤسس في رحم الهوية الاسلامية لتركيا نجح الي ابعد الحدود في احداث نقلة سياسية واقتصادية في تركيا باعتراف محبيه وخصومه، وعلي الرغم من ان هذا الحزب المحسوب تركيا وعربيا واسلاميا علي المدرسة الاسلامية لم يصطدم مع التوجهات العلمانية لتركيا والمؤسسة العسكرية التركية الراعية لهذا التوجه العلماني الا ان التيار العلماني، الذي اخفق علي مدي سبعين سنة في تركيا سياسيا واقتصاديا استيقظ فجأة وحرك الشارع التركي وعبأه ضد المرشح الرئاسي عبدالله غول العضو البارز في حزب العدالة والتنمية ووزير خارجية تركيا، وتاخذ القوي العلمانية التركية علي عبد الله غول انتماءه الي التيار الاسلامي وحجاب زوجته الذي تندد به القوي العلمانية وترفض ان تقبع في القصر الرئاسي امرأة محجبة، وكأن زوجة عبد الله غول تم استيرادها من باكستان او الجزائر ولا تنتمي أبا عن جد الي السلالات التركية التي انفتحت علي الاسلام ودافعت عنه وصدت الغزو الاستعماري الغربي عن البلاد الاسلامية لمئات السنين. وتكمن خشية العلمانيين الاتراك من المرشح الرئاسي عبد الله غول في كون هذا الاخير وفي حال فوزه بمنصب الرئاسة سيمكن للخط الاسلامي وان تركيا في نظرهم ستكون قاب قوسين او ادني من الاسلمة باعتبار ان حزب العدالة والتنمية سيمسك عندها برئاسة الجمهوية والحكومة ويتمتع باغلبية برلمانية وبذلك تصبح كل السبل سهلة امامه ليفعل مشروعه الذي لم يجهر به لحد الآن حسب هؤلاء العلمانيين والذي يكمن في الحاق تركيا بالعالم الاسلامي وتكريس مشروع الاسلمة فيها… وتجب الاشارة الي ان التيار العلماني التركي يمثل الاقلية في الشارع التركي والدليل علي ذلك اخفاقه في الفوز مرارا في الانتخابات الاشتراعية، وربما قوة هذا التيار تكمن في تبني المؤسسة العسكرية له ورعايتها له واحتضانها له، والتمكين له اعلاميا وسياسيا عبر مختلف وسائل الدعم التي يملك العسكر خيوطها.. وحتي المؤسسة العسكرية التركية هددت بشكل لم يسبق له مثيل حزب العدالة والتنمية من مغبة المساس بالمشروع الكمالي رغم ان رموز هذا الحزب ما فتئوا يعلنون بانهم مع كل الثوابت والمنطلقات التي تحكم المسار السياسي التركي.
ولم يخفف انسحاب رجب طيب اردوغان رئيس الحكومة التركية ورئيس حزب التنمية والعدالة من حلبة السباق الرئاسي من تهدئة روع العلمانيين الذين يصرون علي ان اردوغان وغول وجهان لعملة واحدة، وان اردوغان انسحب لصالح المشروع بشكل عام، هذا المشروع الذي يسعي حزب العدالة والتنمية الي تفعيله… ولم تاخذ المؤسسة العسكرية التركية واذرعها العلمانية في المجتمع المدني بعين الاعتبار مراقبة الاتحاد الاوروبي الذي ما زال يحاصر الانفاس في تركيا ويتابع كل صغيرة وكبيرة قبل منحها حق الانضمام الي الاتحاد الاوروبي، وفي هذا السياق يقول خبير تركي مقرب من حزب العدالة والتنمية بان اوروبا وان كانت تشكك بأداء المؤسسة العسكرية وتدخلها المفرط في الحياة السياسية التركية الا ان اوروبا قلقة ايضا من سطوع نجم المحسوبين علي الثقافة الاسلامية في تركيا خصوصا وان اوروبا تطالب تركيا برفع الحظر عن الزنا واباحة العلاقات الجنسية وتكريس نفس القيم الغربية في الواقع التركي كشرط للحاق باوروبا الموحدة، ويخشي الاستراتيجيون الاوروبيون ان تنأي تركيا بنفسها وقيمها عن القيم الاوروبية التي تعمل الارادات الغربية علي تفعيلها في الواقع التركي كمقدمة للحصول علي حق الانضمام الي النادي الاوروبي. وعلي الرغم من ان المؤسسة العسكرية لم تلجأ الي اساليبها الانقلابية القديمة وخصوصا مع طول اناة حزب العدالة والتنمية واحترامه لقواعد اللعبة الديموقراطية، الا ان تحرك القوي التي تعتبر امتدادا للمؤسسة العسكرية دليل علي عدم رضا المؤسسة العسكرية علي وصول عبد الله غول الي رئاسة الجمهوية. والصراع الذي كان باردا الي حد ما بين مشروع العسكر ومشروع الاسلاميين الحداثيين بات ساخنا الآن وعلي الشعب التركي ان يحدد خياراته، هل سيكون مع المشروع القديم الذي اضاع تركيا سياسيا واقتصاديا كما اضاع هويتها من اساسها، ام سيكون مع مشروع يصالح بين تركيا وتاريخها وهويتها ومحيطها العربي والاسلامي وينطلق من هذه المصالحة لاعادة البناء الذي تؤكــــد الارقـــــام الاقتصادية التركية الاخيــرة علي جدواه وسيره في الاتجاه الصحيح… لقد جرب العسكر في تركيا سابقا مبدأ الانقلاب، وكانت تركيا عقب كل انقلاب تتقهقر بعشرات السنين، والرجوع الي سياسة الانقلابات سيربك تركيا داخليا وخارجيا.. وسيعيدها الي حيث بدات، اضطرابات سياسية بالجملة، ومعضلات ضاربة اطنابها، ولا استقرار سياسيا افضي الي انتاج عنف ديني وقومي وعرقي، وسيخسر العسكر والعلمانيون قبل الاسلاميين الحداثيين ان هم فكروا في اي خطوة انقلابية، ذلك انهم سيفقدون كل صدقية سياسية تجمعت لديهم في المحافل الاوروبية خصوصا مع اصرار رموز حزب العدالة والتنمية انهم ليسوا ضد مشاريع الآخرين وان هدفهم يكمن في تنمية تركيا وتوزيع الثروات توزيعا عادلا علي المواطنين الاتراك….. ہ كاتب من الجزائر يقيم في السويد8