جمال سلامة
لان اللاجئين والمخيمات الفلسطينية المنتشرة في فلسطين ودول الطوق المحيطة ـ شاهد حي علي الهمجية الصهيونية وشريعة الغاب الدولية وناقوس دائم للتمرد علي هذا الواقع المهين، فقد سعت اسرائيل دائما الي تصفية هذه القضية من جذورها لاجئين ـ مخيمات ـ اونروا، لادراكها بان استمرار هذه المشكلة قائمة، يحتم بقاء الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، فمبكرا ومنذ نشوئها طرحت اسرائيل التوطين واعادة التأهيل كحل لهذه المشكلة وما زالت، وعليه فان اسرائيل تري ان اي تسوية للصراع القائم يجب ان تنهي هذه المشكلة من جميع جوانبها، فهي ترفض بحث قضية اللاجئين والنازحين الفلسطينيين بناء علي اي مرجعية شرعية دولية بما فيها كافة قرارات الامم المتحدة ذات الصلة.
وتصر علي اعتبار ان الاطار التفاوضي هو المرجعية وما يتم التوصل اليه هو الحل وهو ثنائي بين اسرائيل وكل من فلسطين والدول المضيفة علي حدة.
وهذه الفلسفة في الحل جسدتها المعاهدة الاردنية ـ الاسرائيلية الموقعة في 26/10/1994 والتي اسقطت قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة كمرجعية للحل، وتنص علي التاهيل والتوطين للاجئين والنازحين المقيمين في الاردن كحل، فالتوطين والتاهيل هو الحل الذي تراه اسرائيل لهذه المشكلة. لذلك ترفض قطعا اي عودة للاجئين والنازحين علي اسس قانونية وشرعية وقد قدمت العشرات من مشاريع تصفية قضية اللاجئين لامريكا واوروبا وكلها تدور حول توطينهم حيث هم واعادة تأهيلهم وايجاد شروط سكن افضل لهم، وهذا الحل الذي تعتمده اسرائيل، القائم علي تصفية ملف اللاجئين في الشتات بتوطينهم لا يناقض فقط المصلحة الفلسطينية وانما يتعاكس ايضا مع مصلحة البلد المضيف، ان مشروع التوطين هو مشروع فتنة داخلية بين الفلسطينيين والشعوب العربية.
وما تغييب المرجع الاساسي الشرعي الممثل بالقرارات الدولية ذات الصلة وتحديدا القرار رقم 194/1947 الخاص بحق عودة اللاجئين، والقرار 237/1967 الخاص بحق عودة النازحين الا لهذا الغرض. ان قيمة هذه القرارات الدولية ذات الصلة انها تكفل للاجئين الفلسطينيين مكانة اللاجئ من الناحية القانونية، واعطاء قضيتهم بعدا سياسيا يترتب عليه بان اللاجئين ليسوا افرادا او حالات انسانية هائمة، بل هي جزء من كل، ولهم هوية توحدهم مع هذا الكل، وتمنحهم حق العودة اليه والي ديارهم وتعوضهم عن الخسائر التي لحقت بهم ـ هذا ما ينص القرار 194 الذي ربط قبول عضوية اسرائيل في الامم المتحدة بتنفيذها لذلك القرار، والالتزام بحق عودة اللاجئين الي ديارهم، والي ان يتم ذلك كلفت الامم المتحدة جهازا خاصا الاونروا لتنفذ بالتعاون مع الدول المضيفة اغاثة وتشغيل اللاجئين بقرارها 302/1949، وتؤكد ذلك دوريا في تقريرها المرفوع الي الجمعية العامة بان تجـديد عــــملها وخدماتها مناط بتنفيذ اسرائيل للقرار 194 وتحديدا الفقرة 11 منه الداعية بحق العودة. ان حق الانسان في العودة الي وطنه حق ثابت اكدته العديد من الاتفاقيات الدولية ومن ابرزها الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1949 الذي جاء في المادة 13 منه: ان لكل انسان الحق في العودة الي بلاده، كما اكدت ذلك اتفاقية جنيف الرابعة، وقد اكدت هذا الحق الخاص باللاجئين الفلسطينيين العديد من قرارات هيئة الامم المتحدة الخاصة بالقضية وفي مقدمتها قرار الجمعية العامة رقم 194/1948 والذي ينص في فقرته الحادية عشرة علي: وجوب السماح بالعودة في اقرب وقت للاجئين الراغبين في العودة الي بيوتهم، والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة الــــــي بيوتهم، وعن كل مفقود او مصــــاب بتضرر عندما يكون من الواجب وفقا لمبادئ القانون الدولي والانصاف ان يعوض عن ذلك الفقدان او الضرر من قبل الحكومات والسلطات المسؤولة.
وتصدر تعليمات الي لجنة التوفيق بتسهيل اعادة اللاجئين الي وطنهم، وتوطينهم من جديد، واعادة تاهيلهم الاقتصادي والاجتماعي وكذلك دفع التعويضات، والمحافظة علي الاتصال الوثيق مع مدير اغاثة الامم المتحدة للاجئين الفلسطينيين ومن خلاله مع الهيئات والوكالات المناسبة في منظمة المم المتحدة.
وقد جاء هذا القرار مكملا لقرار التقسيم رقم 181/1947ومعالجا لبعض النتائج التي ترتبت علي قرار التقسيم ومنها قضية اللاجئين. ان استناد اسرائيل علي قرار التقسيم واعتماده كشرعية دولية لوجودها يفرض بشكل بديهي عليها الالتزام بالقرار كحل شامل دون اجتزاء او انتقاء، بما في ذلك انسحاب من الاراضي التي تم احتلالها تجاوزا لقرار التقسيم، وضمان الحقوق المدنية للفلسطينيين والتي تجعل من العودة والاقامة في الوطن عنوانها الاول، كما ان الاستناد الي قرار الامم المتحدة يفرض علي اسرائيل الالتزام بالقرار 194 ـ (د.3) الخاص بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة، وهو بكل الاحوال قرار كاشف لحق الفلسطينيين وليس قرارا منشئا لهذا الحق. حق اللاجئين باسترداد أموالهم: اولا/ ان هذا الحق يرتبط بشكل ثابت بحق العودة، وان حق اللاجئين باسترداد اموالهم ينطلق من عدم مشروعية الاستيلاء علي هذه الاموال.
وان استيلاء اسرائيل عليها بطرق غير مشروعة ومنها ما يسمي بالشراء، لا يكسب واضعي اليد عليها اي حق بها، وان ملكيتها لها سواء كانوا افرادا او مؤسسات باطلة من الاساس. ثانيا/ ان مبادئ القانون الدولي لا تقر ولا تجيز لاي دولة سواء في وقت السلم او الحرب الاستيلاء علي الاموال الشخصية، ولا تبيح للدولة المعتدية حق التصرف بها، وان اي اجراء يقوم علي هذا الاساس يعتبر باطلا، وبالتالي لا يكسب (المالك الجديد) اي حق من اي نوع علي هذه الاموال. ثالثا/ وفي الوقت ذاته فقد اكد القرار (194 ـ د.3) علي ملكية اللاجئين لاموالهم واراضيهم حيث ينص علي ضرورة السماح للاجئين الراغبين بالعودة الي ديارهم بفعل ذلك، ودفع تعويض عن املاك اولئك الذين يختارون عدم العودة. الامر الذي يؤكد ان للاجئين العائدين حق استرداد اموالهم.
اما في حال اختار البعض عدم العودة، يجري التعويض عن املاكهم الامر الذي يثبت مرة اخري ان الاصل في الموضوع هو اعادة اموالهم اليهم، ان قرارات الامم المتحدة قد اكدت هذا المبدأ، وبخاصة قرار التقسيم بصفته قرار منشأ اسرائيل، وتحتل اهمية خاصة ومميزة في مدي الزاميتها لاسرائيل.
وان قرار التقسيم ذاته قد اخضع اسرائيل للعديد من القيود والالتزامات ومنع عليها اصدار اية قوانين تتعارض مع الحقوق التي يحميها القرار ووضع حقوق الفلسطينيين تحت ضمانة الامم المتحدة وبتصرفها. وفي معرض حديثه عن اراضي الفلسطينيين، فقد نص القرار 181 علي: لا يسمح بنزع ملكية ارض يملكها عربي في الدولة اليهودية الا للاغراض العامة، وفي جميع حالات نزع الملكية يتم دفع تعويض كامل وفقا لما تحدده المصلحة العليا قبل نزع يد المالك.
ويتضح من هذا القرار انه يؤكد علي مبدأ ملكية اللاجئين الفلسطينيين لاراضيهم وحقهم الطبيعي باستردادها حيث تم الاستلاء عليها بطرق غير شرعية.
حق اللاجئين بالتعويض: ـ حق اللاجئين غير الراغبين بالعودة، بالتعويض عن قيمة اموالهم. ان الحق الاساسي للاجئين هو باسترداد اموالهم عينها، وان حقهم هذا يجب عدم الانتقاص منه اينما وجدوا، سواء داخل وطنهم او خارجه، وان اقتصار هذا الحق علي التعويض عن قيمة اموالهم يجب ان يرتبط بشرطين اساسيين مجتمعين:
الاول/ عدم رغبتهم بالعودة.
ثانيا/ عدم رغبتهم باسترداد اموالهم.
وفي حال اجتماع هذين الشرطين يجري البحث عن التعويض، وذلك استنادا الي حقهم في استرداد اموالهم، بغض النظر عن مكان اقامتهم، هو الاساس.
والاستثناء هو التعويض، الامر الذي يفرض اتاحة المجال للاجئين للاختيار، حيث ان الحق بالتعويض يرتبط اساسا بحق العودة ويمثل احدي نتائجه.
حق التعويض عن الخسارة التي لحقت بالاموال:
ان حق التعويض لا يقتصر علي قيمة هذه الاموال، بل يمتد الي التعويض عن الخسارة والضرر اللاحق بهذه الاموال لاولئك الذين يختارون استردادها، وكذلك تعويضهم عن المكاسب التي فاتتهم نتيجة الاستيلاء عليها.
وبالنسبة لأولئك الذين يختارون عدم استرداد اموالهم يجب ان يعوضوا بالاضافة الي قيمة الاموال، عن المكاسب التي فاتتهم، وفي كلا الحالتين يجب ان يؤخذ بعين الاعتبار كأساس لاحتساب الارباح والمنافع التي فاتتهم، وعـــــادت عــــــلي اليهود كأشخاص وكمــــــــؤسسات ودولة نتيجة استيلائهم عـــــلي هــــــذه الاموال، خاصة ان اموال اللاجئين الفلسطينيين كان لها دور اساسي في بناء الاقتصاد الاسرائيلي.
حق اللاجئين بالتعويض عن الاضرار المعنوية: ان الاضرار المعنوية التي لحقت باللاجئين الفلسطينيين بخسارتهم لوطنهم ومدنهم وقراهم وبيوتهم واموالهم هي اكبر بكثير من القيمة المالية لهذه الاموال، وان الضرر النفسي الذي لحق باللاجئين هو ضرر هائل، وخاصة في ضوء تشريدهم وتشتت اسرهم ومعاناتهم اليومية والبؤس والفقر والتجهيل وتشتت حضارتهم وثقافتهم، وخلخلة بنيانهم الاجتماعي لاكثر من ستين عاما، ناهيك عن الفترة السابقة كذلك. ان التعويض عن الاضرار المعنوية لا يقل قيمة عن التعويض عن الضرر المادي، بل يفوقه اهمية وقيمة بعدة اضعاف، وان هذا الحق يبقي قائما ما دامت الاسباب قائمة، وهو حق فردي وجماعي ذو اهمية سياسية ومعنوية بالغة، يجب التمسك بها وابرازها.
الجهة الملزمة بالتعويض:
بريطانيا تتحمل مسؤولية مباشرة واخري غير مباشرة عن الاضرار التي لحقت باللاجئين الفلسطينيين، فهي تتحمل مسؤولية مباشرة عن الاضرارالتي لحقت باللاجئين قبل الانتداب، اخذين بعين الاعتبار وعد بلفور وما لعبه من دور، وما سببه من اضرار.
كما انها تتحمل هذه المسؤولية طوال فترة الانتداب عن مسؤوليتها التعاقدية التي يفرضها صك الانتداب الصادر عن عصبة الامم، وان مسؤولية بريطانيا لا تنتهي بانتهاء الانتداب، بل ان مسؤوليتها غير المباشرة عن الاضرار التي لحقت بالفلسطينيين تمتد الي يومنا هذا من خلال مسؤوليتها بالنسبة لما اقترفته السلطات الاسرائيلية بحق اللاجئين، وما لعبته من دور في انشاء هذه الدولة. اما مسؤولية السلطات الاسرائيلية فهي مسؤولية مباشرة واساسية واضحة ولا داعي للدخول في تفاصيلها، ولكن يجوز القول ان هذه المسؤولية تمتد من الهيئات العامة، الي تلك الخاصة بل والافراد اليهود الذين اسهموا بالحاق الضرر باللاجئين الفلسطينيين. ومن جهة اخري تتحمل هيئة الامم المتحدة، نظرا لمساهمة قراراتها في انشاء اسرائيل، وكذلك المجتمع الدولي مسؤولية تاريخية واساسية بازالة الضرر الذي لحق باللاجئين الفلسطينيين واعادة الامور الي نصابها.
ہ باحث في شؤون اللاجئين8