لا تكونوا امريكيين اكثر من الكونغرس

حجم الخط
0

عبد الباري عطوان

لم يتوقع ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي ان يكون استقباله، وبعد اربع سنوات علي تحرير العراق، بالصورة التي تم عليها يوم امس في المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية، فقد انفجرت قنبلة علي بعد خطوات من مقر تواجده في السفارة الامريكية، وتعرضت وزارة الداخلية في مدينة اربيل الكردية الي تفجير شاحنة مفخخة تحمل الف كيلوغرام من المتفجرات ادي الي مقتل واصابة العشرات في هذه المدينة التي تعتبر الاكثر امنا في هذا البلد المنكوب.

تشيني الذي يعتبر من اكثر صقور الادارة الامريكية تعطشا للحروب ضد العرب والمسلمين، وصل الي بغداد خلسة، ومن اجل انقاذ حكومة نوري المالكي من الانهيار، والبحث عن سبل جديدة لانجاح استراتيجية رئيسه الجديدة في العراق، والخطط الامنية التي بدأ تطبيقها قبل شهرين ونجحت في امر واحد فقط هو زيادة اعداد القتلي وعمليات التطهير العرقي، وتكريس الوجه الطائفي للمشروع الامريكي في العراق.

الادارة الامريكية خسرت السنّة، وباتت عاجزة عن كسب الشيعة، او الاحتفاظ بهم كحلفاء، بعد تفكك التحالف الحاكم بانسحاب الكتلة الصدرية من الحكومة، وانشقاق حزب الفضيلة عن الائتلاف الشيعي الحاكم، وفشل حكومة المالكي في تحقيق اي من وعودها في إنجاز المصالحة وضبط الامن، وحل الميليشيات الطائفية التي تحظي بدعمها ومباركتها.

الرئيس بوش لا يستطيع الاطاحة بحكومة المالكي، لانه لا يملك بديلا لها اولا، ولا يملك الوقت لترتيب انتخابات جديدة لتغيير التركيبة البرلمانية الحالية، ثانيا، ولا يريد ان يخسر الائتلاف الشيعي الحاكم، او ما تبقي منه، وهو لم يكسب السنة بعد.

مأزق الادارة الامريكية في العراق بات من الضخامة بحيث استعصي علي الحلول، ناهيك عـــن افلاس هذه الادارة وهروب معظـــم المحافظين الجدد الذين ورطوها من سفينتها الغارقة، ابتداء من ريتشــارد بيرل ومرورا بدوغلاس فيث وانتــهاء ببول وولفوفتز الذي تطارده الفضائح بالفساد من كل جانب.

انه مأزق من شقين الاول داخلي امريكي يتعلق بالحرب التي يشنها الكونغرس علي الرئيس بوش، والثاني خارجي، معظمه يأتي من العراق والفئة الحاكمة فيه، والباقي من انفضاض الحلفاء وسقوط معظمهم الواحد تلو الاخر بسبب لعنة العراق، فقد رحل كل من ازنار وبرليسكوني واليوم يعلن توني بلير رئيس وزراء بريطانيا موعد تنحيه من منصبه الذي ربما يكون بعد شهرين من الآن علي ابعد تقدير.

انها المرة الاولي في التاريخ الامريكي التي يستخدم فيها رئيس جمهورية الفيتو مرتين ضد قرار الكونغرس الذي يعترض علي سياساته، كما انها المرة الاولي في التاريخ التي يطالب فيها الكونغرس بمجلسيه رئيس الجمهورية، والقائد الاعلي للقوات المسلحة بسحب القوات الامريكية وعودتها الي بلادها وهي في حالة حرب.

الرئيس بوش يكابر، ويرفض ان يقول له الكونغرس، وبصريح العبارة، انه انهزم في العراق، وعليه ان يعترف بالهزيمة بتقليص الخسائر من خلال البدء في سحب القوات الامريكية تدريجيا في موعد اقصاه الشهرين القادمين، ولهذا يستخدم الفيتو ضد القرار غير عابيء بالأزمة الدستورية التي يخلقها من جراء ذلك، وعلي امل ان يؤدي قراره بارسال ثلاثين الف جندي اضافي الي العراق الي تهدئة الاوضاع قليلا، وبما يسمح بانقاذ ماء وجهه، والبدء في الانسحاب وفقا لذلك.

الاوضاع لن تهدأ في العراق رغم كل محاولات الترقيع التي يقوم بها حاليا ديك تشيني من خلال جولته الحالية في المنطقة، بما في ذلك اقناع السيدين طارق الهاشمي وعدنان الدليمي زعيمي حركة التوافق السنية بالبقاء في العملية السياسية والحكومة المنبثقة عنها.

الهاشمي والدليمي ارتكبا اكبر خطأ في تاريخهما السياسي عندما دخلا هذه العملية، واضفيا عليها طابع الشرعية، والتمثيل الشكلي لمختلف الطوائف العراقية دون ان يحققا ايا من الأهداف التي ساقاها كمبرر لخطوتهما هذه، وابرزها تعديل الدستور، وتخفيف سياسة التهميش لطائفتهما، وحماية ارواحها من فرق الموت، وممارسة دور اكبر في عملية صناعة القرار.

سيتراجع الرجلان عن تهديداتهما بالانسحاب بعد لقاء مع تشيني، ومكالمة هاتفية من الرئيس بوش، ووعود جديدة بامتيازات جديدة شخصية وحكومية، ولكن الاوضاع سرعان ما تعود الي حالها بعد رحيل نائب الرئيس الامريكي من مطار بغداد متسللا الي محطته القادمة في القاهرة وبعدها الرياض ثم ابو ظبي وعمان وهي عواصم اللجنة الرباعية العربية الاكثر تبنيا للسياسة الامريكية في المنطقة.

التاريخ لن يرحم الرجلين، لان واقعيتهما ساهمت بدور كبير في وصول العراق الي ما وصل اليه من تمزق جغرافي وطائفي، وحروب اهلية، وتطهير عرقي، واسوار الكراهية، وتحول البلد كله الي مقبرة جماعية. فقد اغرتهما المناصب الشكلية عن رؤية خطورة المنزلق الذي تنزلق اليه البلاد، ولهذا باتا معزولين في اوساط ابناء طائفتهما، ومن قبل المجتمع العربي المحيط، وهي نهاية بائسة ومحزنة بكل المقاييس.

ارسال تشيني الي المنطقة العربية، طلبا للنجدة من حلفاء واشنطن الخلص، واستغلال علاقاته الشخصية مع كبار المسؤولين فيها، وخاصة في مصر والمملكة العربية السعودية، هو آخر سهم في جعبة الرئيس بوش قبل التسليم بالهزيمة، ورفع الراية البيضاء في العراق، ثم بعد ذلك في افغانستان، بعد ان فشل في البلدين، واصبحت القاعدة عدة قاعدات بفضل هذا الفشل.

فكيف ستساعد القيادة السعودية في ضبط الاوضاع في العراق، وهي ترفض استقبال رئيس وزرائه نوري المالكي، وتبدو غير قادرة علي القضاء علي تنظيم القاعدة داخل اراضيها، حيث لا يمر اسبوع دون ان يعلن عن خلايا جديدة للتنظيم تخطط لاغتيالات ومهاجمة عصب الصناعة النفطية فيها.

وكيف سيساعد الرئيس مبارك في انقاذ الرئيس بوش في العراق، وهو عاجز تماما عن انقاذ نظام حكمه، حيث تتصاعد المعارضة الشعبية، وبات الجميع في قاهرة المعز متأكدين ان الانفجار قادم، ولكن الخلاف هو حول توقيته او موعده، والعنصر المفجر له. فمصر باتت بلا سياسة، ولا قيادة ومعدومة الدور والتأثير والنفوذ.

تشيني يذهب الي عواصم اللجنة الرباعية العربية المعينة امريكيا (حقوق التسمية للسيدة كوندوليزا رايس) مثل الضبع الذليل المثخن بالجراح، طالبا النجدة، وعجلة انقاذ، ولكنه قطعا لن يجدها، ليس لان قادة هذه الدول لا يريدون تقديمها، وانما لانهم اضعف واعجز عن ذلك.

المشروع الامريكي انهزم، ليس في العراق فقط، وانما في العالم الاسلامي بأسره، والذكي هو من يخلص نفسه من ادرانه، وبأسرع وقت ممكن، اذا استطاع الي ذلك سبيلا، فليس من الحكمة ان يكون القادة العرب اكثر امركة من الكونغرس نفسه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية