لن تكون هناك تسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين دون اعتراف العرب بجزء من المسؤولية عن نكبتهم

حجم الخط
0

الفلسطينيون سيُحيون يوم النكبة في الخامس عشر من أيار (مايو) كعادتهم في كل سنة. واجبنا يُحتم علينا أن نصغي الي اصواتهم: علينا أن نصغي لوجع الآخرين باعتبارنا أناسا ويهودا علي حد سواء، وأن نصغي اليهم حتي وإن كانوا الآن في عداد الأعداء. ولكن هذا الإصغاء يجب أن يكون نقديا.

من الممكن بادئ ذي بدء أن نسأل لماذا الخامس عشر من أيار (مايو) تحديدا: في هذا اليوم انتهي الانتداب البريطاني علي فلسطين ـ ارض اسرائيل وأقيمت فيه دولة اسرائيل. ولكن في هذا اليوم ايضا كان من المفترض أن تُقام دولة عربية علي جزء من ارض اسرائيل في التاسع والعشرين من كانون الثاني (يناير) 1947 وفقا لقرار الامم المتحدة. هذا القرار منح شرعية دولية لاقامة دولتين قوميتين علي الارض المتنازع عليها الخاضعة للانتداب البريطاني.

هل يذكر الفلسطينيون هذه الحقيقة ايضا، وكذلك حقيقة انهم رفضوا قرار التسوية المقترح من قبل الأسرة الدولية علي هيئة مشروع التقسيم؟.

مع كل التفهم والتعاطف الانساني مع معاناة الفلسطينيين، يمكن طرح عدة علامات استفهام علي الطريقة التي تُطرح فيها النكبة في الرواية الفلسطينية والعربية. تُطرح كشيء سيء وفظيع قد حدث للفلسطينيين. وهي تنتقص حتي، ولو بدرجة قليلة، من التقييم الداخلي والانتقاد الذاتي والاستعداد لمواجهة إسهام الفلسطينيين أنفسهم في نكبتهم.

من الممكن فهم ـ من دون مبرر ـ رفض الفلسطينيين قبول مبدأ التقسيم تماما مثلما يمكن فهم ـ من دون مبرر ايضا ـ موقف الصهاينة الاصلاحيين الذين رفضوا قرار التقسيم، إلا أن اغلبية اليهود في البلاد قبلوا الفكرة. ولو كان الفلسطينيون قد قبلوها ايضا لكانت قامت في عام 1948 دولة فلسطينية مستقلة علي جزء من ارض اسرائيل الانتدابية: من دون حرب ومن دون لاجئين.

ليس لدي الجمهور الفلسطيني استعداد لمواجهة هذا الواقع المركب. بعد عام 1948 تم تأليف كتب كثيرة باللغة العربية حول هزيمة العرب في حربهم ضد اسرائيل، ولكن لا يوجد حتي اليوم أي كتاب يتحدث عن امكانية وقوع العرب في الخطأ عندما رفضوا التسوية، ولربما كانوا سيحسنون صنعا لو كانوا قد قبلوا الحل كاظمين غيظهم مثلما فعل الصهاينة.

في التقاليد اليهودية يُكثرون من القول أننا قد أُبعدنا عن بلادنا لأننا اخطأنا. مضمون هذه المقولة ديني، إلا أن صورتها ومغزاها هي أن اليهود رأوا شتاتهم علي ضوء الانتقاد الذاتي: كان من السهل اتهام الرومان وأمم العالم بالطبع. الرواية اليهودية لم تتصرف علي هذا النحو الذي اعتبر الدمار والشتات نابعين من اخفاقات اليهود (الي جانب العوامل الاخري). كل أمة، خصوصا الأمة المهزومة، تعتبر نفسها ضحية، إلا ان اغلبية الأمم التي هُزمت ـ المانيا بعد الحرب هي نموذج كلاسيكي علي ذلك ـ نظرت وتمعنت في داخلها وأعادت تقييم قيمها ومجتمعها وأعمالها.

أنا لا أقصد بالمرة الادعاء بأن اليهود كانوا مُحقين في عام 1948 وأن العرب لم يكونوا علي حق. ما يقلقني ويقلق صهاينة آخرين يسعون للاصغاء الي ألم الفلسطينيين من خلال الاستعداد لمد اليد لتقويم المظالم والغبن والوصول الي التسوية التاريخية ـ هو انعدام الاستعدادية التام لدي الفلسطينيين للاعتراف في أنهم هم وقادتهم قد ارتكبوا خطأ تاريخيا فظيعا ـ سياسيا واخلاقيا ـ عندما رفضوا التسوية الدولية المقترحة عليهم.

لذلك، كان من المثير للغضب أن نري المقارنة التي يعقدها العرب بين النكبة والكارثة: هل أعلن يهود المانيا واوروبا الحرب علي المانيا؟ وهل رفض يهود العالم التسوية المعروضة عليهم؟ يهود اوروبا قُتلوا علي أيدي النازيين لانهم كانوا يهودا فقط. فما العلاقة بين هذا وبين قرار الفلسطينيين رفض التسوية الأممية والخروج الي الحرب؟.

ليس من المبالغة أن نقول انه لن تحدث تسوية حقيقية بين الطرفين من دون أن يكون لدي الفلسطينيين استعداد ولو صغير أو جزئي للاعتراف بأنهم هم ايضا يتحملون جزءا من المسؤولية عما حدث لهم في عام 1948. شلومو أفنيريبروفيسور في العلوم السياسية ومحاضر في الجامعة العبرية(هآرتس) 10/5/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية