أمجد ناصر
قبل أيام رحل حسن الكرمي الإذاعي الفلسطيني الشهير ورجل المعاجم اللغوية العربية وثنائية اللغة، وبرحيله تنتهي حياة مديدة تجاوزت قرنا من الزمان بعامين، وانطوي فصل من تاريخ منطقة وبلد وعائلة. انه آخر الكرميين الاربعة الكبار الذين اسهموا في وعي بلادنا وتقدمها بتنوع انجازاتهم وفرادة شخصياتهم.
حتي عام 1990 وبعد سنة من صدور هذه الصحيفة كنت أعرف كرميين اثنين: عبد الكريم الكرمي (ابو سلمي)، الشاعر الذي سمي من قبل الشعراء والمثقفين الفلسطينيين (زيتونة فلسطين)، وشقيقه حسن الكرمي، صاحب البرنامج الاذاعي الشهير (قول علي قول). ابو سلمي عرفته في بيروت وحضرت قراءة شعرية له في امسية تكريمية اقيمت علي شرفه لمناسبة نيله جائزة ادبية رفيعة من الاتحاد السوفييتي، قال فيها محمود درويش بانه الغصن الذي نبتت عليه القصيدة الفلسطينية الحديثة. اما حسن الكرمي فمن منا لم يسمع حلقات من برنامجه الاذاعي (قول علي قول) الذي دأب علي بثه من القسم العربي في هيئة الاذاعة البريطانية عندما كانت الاذاعات هي الوسيط الاعلامي العابر للحدود والفضاءات.
لكني لم أكن أعلم، مثل كثيرين من أبناء جيلي، بوجود كرمي آخر. كرمي لو كتبت له حياة أطول لكان له شأن كبير في الحياة الثقافية العربية: إنه أحمد شاكر الكرمي.
كانت سنة قد مرت علي هذه الصحيفة عندما قدم لنا الصديق الشاعر نوري الجراح مذكرات حسن الكرمي. كان حسن الكرمي ما يزال، يومها، في لندن ولم يكن قد نشر شيئا من سيرته المديدة المكتنفة بأسرار وتضارب في الرأي حول بعض مواقفها السياسية. حملت سيرة حسن الكرمي الكثير من المفاجآت والحكايات الطريفة، منها رده علي تهمة تعامله مع الانكليز التي قالت بها جماعة الحاج أمين الحسيني وكادت أن تودي بحياته. ولكن أهم ما نتج عن حلقات تلك السيرة التي نشرت تباعا في “القدس العربي” هو اعادة الكشف عن الكرمي الغائب مبكرا: أحمد شاكر.
منذ تلك اللحظة سيعكف نوري الجراح علي البحث عن آثار هذا الكرمي الفذ في المصنفات القديمة، وصادف انه حصل، من خلال عمله مع رياض الريس في دار النشر و(الناقد) علي أعداد مجلته الشهيرة (الميزان) التي أصدرها في دمشق، وكانت علامة فارقة، ليس في الصحافة الأدبية العربية فقط، بل في طرح مفاهيم وتصورات للأدب مثاقفة مع (الآخر) لم تعرفها، في نضجها وسعة اطلاعها، أي مجلة عربية عاصرتها.
كان أحمد شاكر الكرمي مخيفا في نقده، عميقا في اطلاعه علي التراث العربي والغربي، متجاوزا لحظته بعقود. كان مخيفا الي درجة ان المازني قال عنه (ويل لأشواك الأدب من هذا المنجل الغاضب).. قيل هذا الكـــلام عن شاب مات في الثلاثين من عمره!
كشفت لنا مذكرات حسن الكرمي عن دوحة عائلية كاملة. فالأب هو الشيخ سعيد الكرمي تلميذ الأفغاني ومحمد عبده، نائب رئيس المجمع اللغوي في دمشق، قاضي القضاة في الاردن. نبغ ابنه احمد شاكر في النقد والترجمة والصحافة الادبية وادب الرحلة، واصبح ابنه ابو سلمي صاحب القصيدة الشهيرة التي يقول مطلعها:
انشر علي لهب القصيد شكوي العبيد الي العبيد، الغصن الذي نبتت عليه، حسب وصف درويش، القصيدة الفلسطينية المعاصرة، وذاع اسم ابنه الثالث حسن الكرمي علي كل شفة ولسان من خلال أثير اذاعة لندن. كشفت المذكرات كذلك عن اختصار تاريخ فلسطين المعاصر في هذه العائلة التي عرفت اواخر السلطة العثمانية، ثم الثورة العربية الكبري والحكومة الفيصلية والانتداب البريطاني وتدفق العصابات الصهيونية، في ركاب الانتداب ووعد بلفور، علي أرض فلسطين، وما أعقب ذلك من تواريخ مرة وانعطافات حادة مرت بها قضية العرب (الكبري). تاريخ كامل في عائلة وعائلة تصنع تاريخا. قلة هي العائلات العربية التي يمكن رؤية احداث قرن من الزمان بتلوناته الادبية والسياسية كما يمكن ملاحظته في عائلة الشيخ سعيد الكرمي. لا ادري كم هو منصف وحقيقي القول ان الاختلافات الفكرية والسياسية التي مثلها افراد تلك العائلة قادرة علي عكس مثيلتها في الحياة العربية: فالاب رجل دين وعلم، ابنه احمد شاكر من الذين أسسوا لمفهوم النقد الأدبي في الثقافة العربية، وابنه أبو سلمي شاعر شيوعي أو قريب من الشيوعيين بدليل قوله: قالوا يساريين قلت أجلّهم قولا ومبداهذه المطارق والمناجل تحصد الظلاّم حصدا، أما ابنه حسن فقد كان أقرب الي الليبرالية والاعتدال في مواقفه السياسية، الي حد ان تيار الحاج أمين الحسيني قد وصمه بتهمة التعامل مع الانكليز، ويبدو أن ابنه محمود اغتيل في بيروت علي يد جماعة (المفتي) بتهمة مشابهة.
الكرميون عائلة في تاريخ عربي عاصف. تاريخ لا يرحم. يكفي أن تختلف مع بعض قيمه أو سلطاته السياسية أو الايديولوجية حتي تصبح عميلا او خائنا. تاريخ مزق ابناءه. تاريخ لم يصنع عبرة ولا تاريخا يُبني عليه، فهو دائما في حال استئاف وعود علي بدء. الدوحة الكرمية الكبيرة مرآة لهذا التاريخ العربي الذي لا ينكتب بل تمحو فصوله بعضها بعضا.
من سيكتب سيرة الكرميين سيري نفسه وجها لوجه أمام غدر هذا التاريخ في تنكره ومكره.. وعدم تاريخيته.