فادي سعد
في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، كانت أصداء ما سُمي بجيل البِيتْ Beat تُسمع عاليةً في الوسط الأدبي الأمريكي، وبدأ الوسط الشعري الأمريكي، بعد سنوات من السيطرة الأكاديمية الجافة، ينتعش بهذه الروح الجديدة التي حملها كتّاب البِيت بدائرتهم الصغري ( جاك كيرواك، آلان غينسبرغ، وليام بوروف )، مُحدثةً بدورها موجات متعاقبة من الكتاب المتمردين علي الثقافة السائدة. لم يكن جيل البيت مهتمّا كثيرا بالنظريات الشعرية والقوانين المكتوبة في كتب النقد، بل كان منشغلاً بالدرجة الأولي بتحرير التجربة المُعاشة من قيود الصرامة الأكاديمية، بغض النظر عن الأسلوب أو اللغة المُستخدمة أو فحش التجربة نفسها. من رحم البِيتْ نشأت ثقافة تعبيرٍ بقيت تداعياتها فاعلة حتي وقتنا الحاضر، لتؤدّي برأي الكثيرين إلي نشوء وانتشار مايُسمّي الآن بشعر الأداء المسرحي أو اختصارًا بالشعر المسرحي.
ربما ليس هناك من علاقة مباشرة في الأسلوب بين كتابات البِيت والشعر المسرحي، لكن، وبرأي الكثيرين، هناك خيط لا يمكن إنكاره يربط بين رغبة التغيير التي حرضت كتابات البِيت، ورغبة الخروج بالشعر من عزلته الجماهيرية التي ألهمت المؤسسين الأوائل لشعر الأداء المسرحي علي عقد اللقاءات الأولي لحركتهم الجديدة. من جيل البِيت وثقافة الهيب الهوب ونيويورك بدأ التغيير الذي حرّض مارك سميث وجماعته علي عقد اللقاءات الأولي للشعر المسرحي في شيكاغو. في عام 1984، بدأ عامل البناء الشاعر مارك سميث مع عدد من أصدقائه الكتّاب بتنظيم عروض شعرية شفهية في إحدي الحانات في مدينة شيكاغو، يُطلبُ فيها من كل شاعر مشارك إلقاء قصائده أمام الحضور في وقت قصير، وبطريقة تعبّر عن روح القصيدة يمتزج فيها الإلقاء الشفهي بالقدرة علي الأداء المسرحي للقصيدة المُلقاة. يوضّح مارك سميث الأسباب الأولي التي دفعته هو وجماعته إلي التركيز علي موضوع الأداء المسرحي في الإلقاء الشفهي للشعر: قبل نشوء لقاءات الشعر المسرحي، كانت أشهر الأسماء الشعرية في فترة السبعينات والثمانينات تقدم قراءاتها الشعرية لعدد قليل من الحضور لا يتجاوز عدد أصابع اليد؛ كانت معظمها قراءات تبعث علي الملل لجمهور يجد بالكاد مكانا له بين رفوف الكتب في المكتبات العامة ذات الإضاءة السيئة، ويكمل قائلاً: السبب في قلة الحضور كان الأداء الممل من قبل الشعراء، ارتبط الشعر في ذهن الجمهور بالرتابة والتكرار. لقد أردنا تغيير كل ذلك. اعتبر معظم النقاد حينها الفكرة سخيفة وباعثة علي السخرية، برأيهم كان إلقاء الشعر علانية بشكل مسرحي، ووضعه تحت مظلة الفن الاستعراضي استخفافا بهيبة الشعر وتنزيلاً لمكانته. لم تهتم جماعة سميث بردّة فعل الوسط الأكاديمي، واستمروا في عقد لقاءات دورية بدأت تجتذب عددا متزايدا من الحضور رغم أنف النقاد. في عام 1985، بدأت حلقة شعراء الأداء المسرحي بالاتساع ومعها الجمهور المُتابع لعروضهم الشعرية، ممّا استدعي البحث عن أمكنة جديدة تستوعب العدد المتزايد من الحضور، حتي عرضتْ حانة غرين ميل إحدي أشهر حانات شيكاغو استضافة هذه الاستعراضات الشعرية التي بدأت تُعرف حينها بلقاءات شعر السْلام – Poetry Slam وإذا أردنا تفسير كلمة السْلام Slam بشكل حرفي، فيمكن فهمها بمعني الضرب بقوّة/ الصفعة، أو في لغة العامة نقد لاذع يُوجّه لشخص ما، والسبب في هذه التسمية يعود إلي الدور الذي يلعبه الجمهور في هذه اللقاءات وسأوضح هذه النقطة لاحقا. بهذا المعني بدأت لقاءات شعر السْلام/ الصفعة تُعقد في حانة غرين ميل كل يوم أحد حتي يومنا هذا، ومنها انتشرت لقاءات السْلام إلي مدن الولايات المتحدة وقراها، وتخطّت الحدود إلي البلاد الأوروبية ليعتبرها البعض إحدي الحركات الشعرية الكبري في التاريخ الشعري المعاصر.
في منتصف الثمانينات، ومن مدينة شيكاغو، تفجرّت لقاءات السْلام، وأصبح شعر السْلام كما في أيام البِيت، تعبيرا يوحي بروح جديدة في جسد الشعر. من النموذج الذي بدأ في شيكاغو انتقل الشعر المسرحي إلي كل مدينة أمريكية، متبعةً القوانين نفسها والشروط ذاتها التي وضعها سميث ورفاقه لها منذ البداية. تمنح لقاءات السْلام الجمهور سلطة الحكم علي القصيدة محتوًي وأداء، وفرصة التأثير علي حضور القصيدة، كاسرةً بذلك الحواجز بين الشاعر والمستمع، ما جعل البعض يطلق تسمية دمرقطة القصيدة علي الحركة الجديدة.
تعقد اللقاءات علي أسس تنافسية، يتعاقب فيها الشعراء علي المنصة ويلقون قصائدهم ضمن وقت محدد، ويُترك لأعضاء مختارين من الجمهور الحكم علي محتوي القصيدة والأداء. عادة، يتم اختيار لجنة التحكيم – المؤلفة من خمسة أعضاء – من قبل المضيف أو منظِّم اللقاء، وتقوم هذه اللجنة بإعطاء عدد معين من النقاط يتراوح بين صفر وعشرة لكل شاعر. القواعد الأساسية لمعظم قراءات السْلام تتلخص في أن تكون القصيدة من تأليف الشاعر نفسه؛ أن يُمنح لكل شاعر ثلاث دقائق فقط لقراءة قصيدة واحدة (مع عشر ثواني إضافية كحدّ أقصي)؛ أن لايجوز استعمال أي ملابس أو أدوات استعراضية أثناء عملية الإلقاء كما لا يجوز الاستعانة بأدوات موسيقية؛ وأخيرا بعد أن يعطي كلّ حكم نتيجته النهائية، يتم إسقاط أعلي وأخفض نتيجتين من المجموع النهائي لتكون بذلك أعلي نتيجة ممكنة لكل شاعر هي ثلاثين. أما الجمهور، فيحق له أثناء كل إلقاء، أو في نهايته، التفاعل مع أداء الشاعر بالطريقة التي يراها مناسبة، أكان ذلك بإصدار أصوات استهجان، أو التصفيق، أو الطلب من الشاعر ترك المنصة مكلّلاً بالعار. أما النتاج الشعري المقروء، فيتراوح عادة بين السياسي والاجتماعي والرومانسي والفكاهي، وكما أوضحتُ سابقا، يعتبر العنصر التنافسي مهما في تنظيم الحدث، حيث يتم، بعد عدّة جولات، حساب مجموع كل شاعر من النقاط، ويُعلن حينها الفائز النهائي.
في عام 1990، بات للشعر المسرحي مهرجانه الوطني الذي يعقد سنويا، وقد توسع هذا الحدث ليتحول، في عام 2007، إلي مظاهرة شعرية عالمية، سيلتقي خلالها خمسة وسبعون فريقا من الأمريكيتين وأوروبا في مدينة تكساس الأمريكية علي مدي خمسة أيام في شهر آب (أغسطس) القادم في قراءات ومنافسات شعرية، سيعلن في نهايتها الفريق الفائز. كما بدأ في نيسان (ابريل) من عام 2003، تنظيم بطولة عالمية فردية لشعر السْلام يتنافس فيها شعراء من أنحاء العالم للحصول علي اللقب، يُتوّج فيها شاعر واحد في النهاية كحاملٍ للشرف العالمي. جرت البطولة هذه السنة في شهر شباط (فبراير) في مدينة فان كوفر الكندية، تنافس خلالها واحد وسبعون شاعرا، تُوّج في نهايتها إدْ كابري من الولايات المتحدة بطلاً للعالم.
سنحت لي الفرصة الأولي، أثناء إقامتي في شيكاغو، لحضور إحدي أمسيات السْلام في حانة غرين ميل، بدعوة من صديق أمريكي مغرم بكل ما هو شعر وكل ما هو سِلام. كان السيد سميث جالسًا في إحدي الزوايا المظلمة يحتسي شرابه بانتظار بدء العرض، قدّمني صديقي إليه بوصفي شاعرا من الشرق الأوسط، تحدثنا لوقت قصير قبل أن يعتذر لافتتاح الأمسية، ذكّرتْني خشونة يديه أثناء المصافحة بمهنته الأصلية. افتتح ليلَتها سميث العرض بجمل شعرية جميلة أضفت جوّا من الخشوع الشعري علي الصالة المعتمة، تعاقب علي أثرها شعراء الأمسية الواحد تلو الآخر في إلقاء قصائدهم علي المنصة، وعلي مدي ساعات ثلاث، تراوح فيها تفاعل الحضور بين الصمت المطبق حينًا وصرخات الاستهجان حينًا آخر. لم يخبُ وهج الأمسية لحظة واحدة، مرّ الوقت سريعا، ومع تفاوت مستوي النصوص، كان التفاعل بين الشعراء والجمهور مستمرا ومُتبادلا وجميلا. لم تكن أمسية شعرية من النوع التقليدي حسب المعايير المتعارف عليها، ولكن متعة الجمهور فيها كانت واضحة للعيان.
كما قلتُ سابقا اكتسب شعر السْلام مكانة عالمية، فثورة الكلام المحكي، كما يسميها أصحابها، انتشرت كالحمّي في ألمانيا و فرنسا وانكلترا، ونُظمّت باسمها مسابقات شعرية في موسكو وكرواتيا وسويسرا والنمسا. أهو صفعة، كما توحي التسمية، في وجه الوسط النقدي الرافض لها، والعاجز – أو غير الراغب – في الوقت نفسه عن التعامل مع أزمة الشعر مع الجمهور، أم صفعة في وجه الصرامة الأكاديمية، أم صفعة في وجه الشاعر المختبئ في معظم الأحيان بين صفحات الكتب؟ وهل ستستمر الحركة بزخمها الأول؟ سنراقب ونري.
شاعر سوري مقيم في الولايات المتحدة الامريكية