خطبة الوداع لتوني بلير: الوغد التراجيدي الذي هوي من عليائه
د. عماد عبد الرازقخطبة الوداع لتوني بلير: الوغد التراجيدي الذي هوي من عليائهمن اللحظة التي فتح فيها توني بلير فمه مستهلا خطبته التي أعلن فيها اعتزامه الرحيل ـ أخيييييييييييييييييييييييييييييييييييييراـ كان الكذب يقطر من كلماته التي جاهد ان يتلفظ بها: لقد ظللت زعيما لحزب العمال ورئيسا لوزراء بريطانيا ما يزيد عن عشر سنوات بقليل.. وهذه مدة كافية لي، وكافية تماما للوطن . تري من ذا الذي يمكن ان تبلغ به السذاجة مبلغا تجعله يصدق هذا الكذب الصراح؟ عام كامل مضي منذ أن أعلن بلير عزمه التنحي دون ان يحدد تاريخا بعينه، وقبل ذلك ظل يقاوم ضغوطا من كل حدب وصوب، وقبلها أطلق حفنة من أتباعه ودراويشه والمنتفعين من خلصائه في حملة شعواء تستهدف غوردون براون وزير خزانته ورفيق دربه متهمين إياه بالتآمر للتخلص من بلير. كلا وألف كلا، لم يمض توني بلير طائعا مختارا بل مجبرا وأنفه في الرغام. كلا لم تكن عشر سنوات كافية لبلير، ولا أبالغ إن قلت إنه يتمني لو بقي عشرا آخرين، ولربما زاحم حكامنا العرب الأشاوس علي مواقعهم في موسوعة غينيس للأرقام القياسية للمؤبدين دوما علي المقاعد من المهد الي اللحد. وكان حلمه أيضا أن يحطم رقما قياسيا آخر كالأطول بقاء بين رؤساء وزراء بريطانيا، ليزيح بذلك مارغريت ثاتشر، وهي بدورها ما كانت لتتزحزح من داوننغ ستريت لولا أن حزب المحافظين دفعها دفعا بعد أن صارت عبئا علي الحزب، وهكذا كان حال بلير، مع خطيئته الكبري: حرب العراق. لكن كذب بلير لم يبدأ بالأمس فقط في خطبة الوداع بل له سجل حافل. (هل تذكرون أسلحة الدمار الشامل، وقنبلة صدام حسين الجاهزة للانهمار علي بريطانيا في 45 دقيقة)؟ فيالها من مفارقة يندي لها الجبين ألا تنال حرب العراق من خطبة الوداع لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير سوي إشارة يتيمة لم تتعد بضع جمل عرجاء، حين تحدث عن دوره في إقناع الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون بتدخل الناتو في حرب كوسفو ضد صربيا، وحين وقعت أحداث 11 ايلول (سبتمبر) قرر أنه لابد من وقوفنا كتفا لكتف مع الولايات المتحدة أقدم حلفائنا، وكان موقفي نابعا عن عقيدة وقناعة شخصية عميقين ، ومن هنا كانت مشاركته في حرب أفغانستان ثم العراق وهذه الأخيرة يقول هو كانت مثيرة للجدل بالطبع ، مضيفا، إن ازالة صدام حسين وأبنائه من السلطة كان عملا سهلا بمثل ما كانت إزالة طالبان، لكن النتائج الإرتدادية من أنصار هذه الأنظمة وأتباعها المستميتين كانت شرسة، وهائلة ومتواصلة ودون هوادة، لكننا سنواصل التصدي حتي دحرها . هذا كل ما فتح الله به عليه ليقوله عن دمار بلد كامل وخرابه، وقتل اكثر من ربع مليون من أبنائه وتشريد ما لا يقل عن ثلاثة ملايين آخرين، بعد تفكيك الدولة وتدمير الجيش وحل ما بقي منه ومن الأجهزة الأمنية وغيرها من أركان الدولة؟ قتل ربع مليون عراقي لا يستحق سوي هامش عابر في خطاب توني بلير! المفارقة هنا أن هذه الحرب بالذات هي التي ستلاحقه لعناتها طوال ما تبقي من حياته وستلازمه حتي القبر بل ستكون العنوان الأكبر الذي ستضعه كتب التاريخ علي صفحته التي ستتشح بالسواد لنفس هذا السبب. وكما كانت طوال سنواته الأخيرة، توشك حرب العراق ان تطغي علي كل ما عداها، بما في ذلك إنجازاته علي الصعيد البريطاني، والتي حرص هو علي تعدادها في خطبة الوداع. بنفس المعيار تقريبا تجاهل بلير كلية الاشارة الي الحرب الاسرائيلية علي لبنان الصيف الماضي، والتي كانت بإجماع المعلقين والخبراء القشة التي قصمت ظهر البعير، وعجلت بدفع حزب العمال له للرحيل بأسرع وقت ممكن، ورغم أنه ظل متشبثا عاما كاملا بموقعه بعد هذه الحرب التي انفرد من دون كل دول العالم، بمساندتها مع أمريكا. لكن المفارقة لا تنتهي عند هذا الحد، فإن كانت حرب لبنان التي استمرت 33 يوما فقط، لا تستأهل أي ذكر من بلير علي أساس أن بريطانيا لم تشارك فيها إلا بالريموت كونترول أي بالتواطؤ عن بعد (ليس فقط بالتأييد السياسي، بل وبفتح مطاراتها للجسر الجوي الأمريكي الذي حمل المدد لآلة الحرب الإسرائيلية لعلها تنقذ جيش الدفاع العرمرم من الأوحال التي مرغ أنفه فيها، قبل أن يعود أدراجه يجر أذيال الخيبة والعار، مع الاعتذار للتعبير المستعار من ادبيات العدوان الثلاثي علي مصر 1956). فكيف بحرب العراق، حدث الألفية الأكبر حتي الساعة، الجرح النازف أمريكيا وعراقيا وبريطانيا منذ أربع سنوات وحتي لحظة كتابة هذه السطور؟ المجزرة المستمرة والمفتوحة علي كل الاحتمالات وأسوأها؟ كل هاتيك لا تستحق سوي سطر واحد في خطبة الوداع المرصعة بحديث الانجازات. ليس بطلا وليس مأساويا.. ولن يكون استضافت (بي بي سي) اثنين من الألمان من أعضاء البرلمان الأوروبي أجمعا علي أن حرب العراق كانت خطيئة بلير الكبري التي لا منجاة منها، كبوته التي حلت بها لعنات آلهة الإغريق عليه فكانت الضربة القاصمة لمستقبله وسمعته ومصداقيته وكل ما مثله أو خيل لبعض المخدوعين أنه مثله ذات يوم حين دلف إلي 10 داوننغ ستريت. أفقدته الحرب ثقة الحلفاء الأوروبيين، ووجهت ضربة قاصمة لمصداقيته ليس فقط بسبب قرار الحرب، وإنما لأنه اختار في اللحظة الحاسمة الاصطفاف مع أمريكا في مواجهة أوروبا، وهو الذي ما انفك يسمع الأوروبيين شعارات بليغة وكلاما معسولا عن موقع بريطانيا في قلب المشروع الأوروبي، دون أن يقرن القول بالفعل، بل وتنكب الخيار الأوروبي في أول امتحان سياسي. كل هذه السياسات الحمقاء أضعفته داخليا في بريطانيا وجعلته غير قادر علي ان يتابع مواقفه الإيجابية تجاه أوروبا، وأفقدته ايضا القدرة علي لعب أدوار علي الساحة الدولية كانت متوقعة منه وكان في السابق الأقدر علي لعبها، مثل دوره المفترض في الصراع العربي الإسرائيلي. وكانت الطامة الكبري وطلقة النهاية لمستقبله السياسي في حزب العمل وبريطانيا موقفه المخزي والتابع لأمريكا في الحرب الإسرائيلية علي لبنان. بعض الذين سارعوا إلي تقويم تركة بلير بعيد خطبة الوداع زعموا أنه بات بسبب حرب العراق بالذات أشبه ببطل مأساوي، و هو لقب لا أعتقد أنه جدير به. فالبطل التراجيدي يكون شخصا نبيلا بالمفهوم الإغريقي ونبيلا أخلاقيا بالمفهوم المعاصر. ولم يكن توني بلير لا هذا ولا ذاك، بل كان سياسيا حتي النخاع، وهذه في قاموس التعريفات الأحدث تعني: انتهازيا، وصوليا، كذابا، مناورا، حانثا بالعهود…. الخ الخ الخ. هكذا كان من البداية، وليس كما حاول هو الإيهام في خطابه لأولئك الذين يعتقدون أنني وضعت سقفا عاليا للتوقعات، أو ربما عاليا جدا، حينما خطوت للمرة الأولي في 10 داوننغ ستريت أقول: إذا كانت السياسة هي فن الممكن، فإنني أؤمن أنه في الحياة علي المرء أن يعطي المستحيل فرصة . و تكراره أكثر من مرة أن المبدأ الأهم الذي كان يحدوه طوال كل هذه السنوات هو أن مصلحة الوطن تأتي أولا وقبل كل شيء . وهذه أيضا من كبريات أكاذيب بنوكيو فما من بريطاني حتي اليوم يستطيع ان يري كيف كانت مشاركة بلاده في حرب العراق لمصلحة الوطن؟ قد يكون صحيحا أن مصلحة الوطن هي التي حركت بلير، وبنفس المنطق الانتهازي وعلي حساب المبادئ وسيادة القانون لوقف تحقيقات لجنة أجهزة المراقبة الحكومية في قضية دفع شركات بريطانية رشاوي وتقديم خدمات جنسية في إطار صفقة اليمامة مع السعودية، وذلك حين هددت السعودية بإلغاء صفقة السلاح الأخيرة التي تقدر ببضع بلايين من الدولارات. مثل هذه الممارسات وغيرها كثيرة، هي التي دفعت خصوم بلير ومنتقديه أن يمنحوه لقبا آخر هو توني المزيف Phony Tony. لم يرتكب بلير خطيئة العراق، ولا خطيئة تأييد حرب إسرائيل علي لبنان، عن جهل أو عدم إدراك، بل مع سبق الإصرار والترصد، وفي الحالتين كان الكذب والتلفيق والمراوغة والتضليل بعضا من أسلحته الشخصية التي وظفها. أما البطل التراجيدي فيساق لارتكاب زلته الأخلاقية، أو سقطته المأساوية غير عارف بها إلا بعد سقوطه، كما قتل أوديب أباه وتزوح أمه دون أن يعرف، وحين أدرك لعنة الآلهة التي حلت عليه كان عليه أن يتطهر بفقأ عينيه. بلير ليس بطلا تراجيديا بل أسجل هنا أن لي فضل السبق في نحت لقب جديد يليق بتوني بلير هو الوغد التراجيدي أو الشرير المأساوي . فهو حتي كتابة هذه السطور يرفض الاعتراف بخطيئته المسماة حرب العراق . هذا هو الكبر أو الغطرسة، التي عدتها الميثولوجيا الإغريقية أم الكبائر ، وقد صرعت جل أبطال المآسي الإغريقية من أغاممنون إلي أخيل و أوديب و غاسون و إلكترا . ولهذا أيضا سيكون حساب التاريخ لبلير عسيرا. وقد ذهب بعض الأمريكيين أنفسهم هذا المنحي، حين اعتقدواـ ربما عن طيب خاطر أو سذاجةـ أن الشخص الوحيد الذي كان العالم يتوقع منه أن يؤثر علي القرار الأمريكي بالذهاب للحرب في العراق كان بلير، لكنه لم يفعل. حتي لو أنه كان أعجز من أن يوقف صناع القرار في واشنطن (كما يؤكد البعض) فلا شك أن تقاعسه عن المشاركة كان يمكن أن يحدث تأثيرا ليس بالهين. حينها كانت أوروبا بقدها وقديدها ستكون ضد الحرب. وبدلا من ذلك شارك بلير في دق طبول الحرب، بل كان لاعبا اساسيا ليس فقط سياسيا، بل إعلاميا بالتضليل وتلفيق الملف الاستخباراتي والحملة الشعواء التي شنها علي (بي بي سي) ومديرها لإصرارها علي قول الحقيقة، حتي زوجته شيري لعبت دورا أساسيا في إقناع متمردي ومترددي حزب العمال للتصويت في مجلس العموم لقرار الحرب تواطؤا مع حزب المحافظين. عدد بلير إنجازاته قائلا أنه ما من حكومة بريطانية منذ الحرب العالمية الثانية نجحت في تحقيق فرص عمل أكثر، وبطالة أقل، ومعدل نمو اقتصادي متواصل عبر كل ربع سنة، ومعدل أقل في الجريمة، سوي حكومة حزب العمال التي قادها لأكثر من عشر سنوات. وأن بريطانيا اليوم هي أكثر بلدان العالم قاطبة استقطابا للإستثمارات الأجنبية. وأنها بلد متناغم وفي وئام مع هويته، ومتأقلم بسهولة مع العولمة، وليست بلدا تابعا، بل قائدا علي مستوي العالم في مجالات محاربة الفقر، والإرهاب، وحماية البيئة. وان التوصل الي اتفاق سياسي في ايرلندا الشمالية، ولا حتي الفوز بتنظيم الأوليمبياد القادم كلها ما كانت ممكنة لو أن بريطانيا لم تتغير كثيرا طوال السنوات العشر الماضية. كل هذا قد يكون صحيحا بإجماع المحللين، بل لعل هذا هو منبع الحس المأساوي في سيرة بلير، الذي كانت شعبيته قد وصلت لذروتها في فترة حكمه الأولي كيف هو في نهاية سنواته العشر يبدو كمن يهوي من عليائه وكل ما أنجزه لوطنه يبدو كما لو أنه يوشك علي التبدد وسط دخان حرائق العراق وأنهار الدماء التي لم تزل تراق علي أراضيه. لقد اختتم بلير حديثه بصيحة من صيحات جنون العظمة البريطانية تليق بلا جدال بمن يستبد به الكبر والغطرسة حتي النهاية قائلا: إن البريطانيين شعب متفرد جدا. العالم أجمع يعرف ذلك. ونحن في قرارة أنفسنا نعرف ذلك، هذه أعظم أمة علي وجه الأرض. وكم كنت سعيدا أن اخدمها كل هذه السنوات . انطوني هوارد المحلل السياسي للـ(بي بي سي) قال إنه بعد فوز بريطانيا بتنظيم الأوليمبياد ـ بفضل جهود بلير، بأيام قليلة وقعت تفجيرات السابع من يوليو في لندن. وهو ما جعل الكثيرين يشيرون بأصابع الاتهام مباشرة الي السياسة الخارجية الخرقاء لبلير وتبعيته المشينة لجورج بوش في كل شيء خاصة في حرب العراق المأساوية، حتي أطلق عليه خصومه لقبا ثالثا هو كلب بوش المدلل . المصير المأساوي الذي يمكن ان يحيق بتوني بلير، لن يكون اليوم ولا في القريب العاجل، بل لاحقا حين يحكم عليه التاريخ، الذي قد لا يترفق به، حين تمحو سيئاته كل حسناته ولا يذكر له التاريخ سوي خطيئته الكبري. ناقد سينمائي من مصر