أيهما أسوأ الطاعون أم الكوليرا؟

حجم الخط
0

بين فيدرالية الحكيم وقانون النفط:

علاء اللامي

لو تركنا لغة السلق السياسي السريع ونأينا عن القراءات الأيديولوجية الانطباعية الهاتفة بشعارات من قبيل وما أنا إلا من غزية إن غزت… الخ وقاربنا التأمل العميق والاعتبار بالتاريخ العراقي الحقيقي لوجدنا أن الكثير من معضلات وتجاذبات وعناوين الصراع الضاري الدائر اليوم في العراق وعليه محكومة بمآلاتها المبتغاة في ضوء تاريخه الوطني الخاص أكثر مما هي محكومة بموازين قوي هشة وآنية وقابلة للانقلاب من النقيض إلي نقيضه. سنحاول التدليل علي صحة هذا الاستنتاج الذي لا يخلو صراحة من الكثير من الابتسار والعمومية عبر مناقشة الفروق المائزة بين مشروع الفيدرالية الطائفية المقرَّر من قبل مجلس نواب المنطقة الخضراء وبين مشروع قانون استثمار النفط والغاز الذي تدور العجلة السياسية والعسكرية الأمريكية بكل عنف وعصبية من أجل تمريره هذه الأيام وتحويله إلي قيد قانوني رهيب يقيد مستقبل العراق وشعبه، فماذا نلاحظ بدءا وفي العمق وباعتبار محددات وانعطافات التاريخ العراقي؟

تبقي الفيدرالية الطائفية التي يلهث خلفها حزب آل الحكيم والتي سانده علي تمريرها في برلمان الخضراء رهط عريض من النهازين والمومياءات السياسية من علمانيي وإسلاميي خليل زاده مشروطة صعودا وهبوطا، نجاحا وفشلا، بشرطين حاسمين: الأول هو وجود أو انعدام المروحيات والدبابات الأمريكية في سماء وعلي أرض الرافدين، وبالمناسبة، والشيء بالشيء يذكر، فقد تدخلت تلك المروحيات في معارك الأمس بين مليشيات بدر و جيش المهدي لا لتفض الاشتباك بين مليشيات متقاتلة بل لتساند الطرف الأول الصديق ضد الطرف الثاني المعادي وكل شيء بثوابه!

والشرط الثاني هو استمرار أو انقضاء العرس التضليلي الذي ينظمه ويسهر عليه حزب آل الحكيم وشظايا حزب الدعوة والقوي الأخري المستكلبة علي امتيازات السلطة ومن يحرك خيوط أحزاب الدمي هذه في المخابرات الإيرانية إطلاعات أو المخابرات الأم في واشنطن. فإذا ما انتهت الزفة الديموقراطية، المزوَّقة بالمظلومية الشيعية، وحقوق أتباع آل البيت / كما صار يقال لفئات من العراقيين في قاموس الديموقراطية الجديدة، وإذا ما استعاد الجنوبيون و الفراتيون العراقيون سليقتهم الكفاحية، وصفاء ضمائرهم التي كدرتها أحزان ومرارات المجازر الصدامية القذرة قبل الاحتلال والمجازر الزرقاوية الأقذر بعده، وانقشعت سحب التبليد السياسي من الجمهور والنخبة، أو في الأقل في ذلك الجزء الذي أفسده وعيه وضلله محترفو الانتهازية السياسية في الأحزاب العلمانية المتحالفة مع الغزاة الإمبرياليين، فإن أي استفتاء علي فيدرالية الحكيم المشؤومة سيكون وبالا علي منظميه، وسيفشل يقينا ولن يصوت له سوي اللقامة وباعة الضمائر والمشوهين نفسيا وسياسيا. أما لو نجح الطائفيون المتحالفون مع علمانيي علاوي وطالباني ومرروا المشروع فالأمر يظل ـ كما قلنا ـ رهنا ببقاء أو هرب أسيادهم المحتلين وبانحسار المد الطائفي والعنصري والتكفيري.

غير أن الأمر مع مشروع قانون استثمار النفط والغاز الجديد مختلف مسارا ومآلا: إنه كارثة لا تقل تدميرا عن مخططات التقسيم الطائفية ولكنه يزيد عليها بكونه يتصف بصفات خطيرة تتعلق بمديات ما بعد الإقرار البرلماني ومستتبعات ذلك الإقرار الإدارية والقضائية وبافتقاده لأية محاذير أو خطوط للرجعة أو شروط تطبيقية أو نظرية تجعل القفز عليه أو نقضه ممكنا وميسورا.. كيف ذلك؟

معلوم أن القانون النفطي اللصوصي الجديد يبيح أرض وسماء وثروات العراق للشركات الأجنبية الكبري خصوصا، لأنها هي القادرة علي المنافسة ماليا وتكنولوجيا ولأنها محمية جيدا بجيوش الإمبرياليات الجرارة والمدعومة بمنظمة دبلوماسية عالمية (الأمم المتحدة) الجاهزة علي مدار الساعة لإطلاق القرارات الأممية الحربية تحت البند السابع بمجرد التوافق بين الكبار للدقة: المسعورين المنفوطين الكبار.

فإذا ما افترضنا جدلا ـ لا سمح الله ـ أن المحتلين الأمريكان وحلفاءهم في برلمان الخضراء نجحوا في كسر معسكر الوطنيين والاستقلاليين الرافضين للقانون والداعين في الوقت عينه لجدولة انسحاب المحتلين فإن ذلك معناه تقييد العراق حاضرا و مستقبلا بقيود استعمارية يصعب ـ ولا نقول يستحيل ـ الإفلات منها في المدي المنظور.

بمعني، أن قوانين الاستثمار، التي هي قوانين لصوصية تستعجل وتلهث الإدارة الأمريكية من أجل إقرارها، حتي انها دعت إلي إلغاء العطلة الصيفية لأعضاء مجلس النواب قبل أيام وجمعهم علي عجل وأخذ تواقيعهم لإنجاز عملية قطع رأس العراق اقتصاديا وبشكل رسمي، كفيلة وجديرة بتحويله إلي جمهورية موز تعوم علي بحيرة نفط في الشرق الأوسط وتتذابح فيها المليشيات الطائفية الشيعية والسنية والكردية، فيما يمسك الأمريكان والإيرانيون والسعوديون بخيوط اللعبة ويستمر نزيف الدم البشري مصحوبا هذه المرة بنزيف نفطي هائل من ثروات العراق.. إنه الكابوس! إنه الطاعون!

ولكن ومع ذلك فإن لنا أن نتذكر من إحصائيات الماضي أن عديد سكان العراق انخفض بسبب الطاعون في بدايات القرن الماضي إلي الربع وانقرض ثلاثة أرباعه ولكنه ظل باقيا كشعب حي يقاوم الموت وأحزاب الموت وقوانين الموت وزعماء الموت ولهذا فلنا أن نأمل خيرا ونوطن أنفسنا علي أن فيدرالية الحكيم وإن كانت خطيرة كالطاعون ولكنها مشروطة بعاملين كلاهما في حوزة الإرادة العراقية، والإرادة العراقية الحرة فقط، ولهذا فسيكون مصيرها مصير المصفقين لها، وهو في الآن ذاته مصير المصفقين لدولة أبو عمر البغدادي، رمادا في رماد.. أما مشروع قانون استثمار النفط والغاز فهو يشبه إلي حد بعيد قيام مجنون العائلة (وهو هنا أكثر من مجنون لأنه عميل خسيس لأعدي أعداء العائلة) بوضع كيسين في حديقة وغرف البيت يحتـــوي الكيس الأول علي عشرات الأفاعي الســـــامة فيما يحتوي الثاني علي آلاف البيوض.. بيوض الأفاعي السامة! نختم بالقول إن الاحتلال سينجح فعلا في شراء ضمائر بعض أعضاء مجلس النواب من ذوي الضمائر الصدئة والأرواح المستنقعية ولسوف يصوت هؤلاء لصالح قطع رأس العراق اقتصاديا ولسوف يحاولون أن يجعلوا فعلتهم فيما بعد مجرد اجتهاد ووجهة نظر، أما الحقيقة فهم ومن يساندهم من مسؤولين حكوميين من أمثال إبراهيم بحر العلوم وأيهم السامرائي و حسين الشهرستاني وغيرهم من رجال ونساء الديموقراطية الاحتلالية سيدخلون التاريخ كنوع من العار التاريخي الشخصي وقد اتخذ هيئات بشرية.

ہ كاتب من العراق يقيم في جنيف8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية