رحلة في معاقل طالبان وحوارات عن امارتهم الثانية (2)

حجم الخط
0

لاعبو الأفيون المحليون يحرمونه علي الافغان ويحللون بيعه للغربيين الكفار!

محاكم شرعية تبت سريعا في القضايا ومجالس شوري طالبانية تهتم بأمن الناس وتحمي بيوتهم

احمد موفق زيدانہتنشر “القدس العربي” مقتطفات من كتاب للصحافي في قناة الجزيرة القطرية احمد زيدان عن امارة طالبان الثانية التي يقول انها تختلف عن الامارة الاولي في قندهار وكابول. ويشير الكتاب الي تحولات في اسلوب وفكر الحركة، وانها تعيش ما يقول انها ثورة ناعمة. وتظهر الشهادات اقوال عدد من قادة الحركة الذين يقولون انالحركة ايام كانت في السلطة اختطفت من قبل عناصر معينة عملت علي تشويه صورة وسمعة الحركة من خلال التدخل في قضايا صغيرة لا تخدم افغانستان ولا العالم الاسلامي، والعجيب ان هؤلاء المتشددون الآن هم الذين تخلوا عن الحركة ولجأوا الي مساعدة الحكومة الافغانية المدعومة من الامريكيين. ويشير الي حياة الامان التي يعيشها السكان في المناطق التي تسيطر عليها طالبان، والي عودة ازدهار تجارة الافيون والمخدرات. وفي لقاءات مع القائد العسكري للحركة ملا داد الله يتحدث عن رغبته في التوجه الي العراق والمشاركة في الجهاد هناك. ويكشف عن وجود صلة مع المقاومة العراقية وتبادل في الخبرات والآراء بشان الوضعين الافغاني والعراقي وامكانية التنسيق بين الطرفين. “القدس العربي” الافيون الافغاني: لاعبون محليون ودوليوناستقلينا سيارة اللاندكروزر وتوجهنا في العمق الهلمندي، كانت قنوات الري ترافقنا في حلنا وترحالنا، هذه القنوات العجيبة الغريبة عبارة عن قنوات شقتها الحكومة الافغانية ايام فترة حكم الملك الافغاني السابق محمد ظاهر شاه 1933 ـ 1973، وذلك في الخمسينيات وبدعم وتمويل من وكالة التنمية الدولية الامريكية، قنوات تنقل الماء من نهر هلمند المعروف الي الاراضي الزراعية الافغانية، ويقوم مسؤول افغاني بمتابعة توزيع المياه علي الاراضي الزراعية بطريقة تُرضي الجميع.

يسخر مرافقي الافغاني من الامريكيين فيقول لي: ربما لم يكونوا يعرفون ان هذه القنوات ستمول وتدعم حقول الخشخاش الافغاني، الكل هنا مثل خلية النحل، لا حديث للكبير والصغير الا الافيون والخشخاش، والمجالس تتحدث عن تأثير انهيار جسر لشر كاه عاصمة ولاية هلمند علي تدفق العمالة علي الريف من اجل المسارعة في جني محصول الافيون، فلم يبق سوي ثلاثة اسابيع علي ذلك، والا فاننا سنخسر الكثير، هكذا يقول لي حاجي غول وهو مهموم ومشغول بتوجيه عشرات العمال لجني الافيون في حقل يشكل لوحة فنية بديعة ظاهرياً بينما في الواقع والحقيقة يشكل سماً زعافاً.

الكل هنا مرتاح ومسرور؛ فدخل العائلة الافغانية لا يقل عن الف دولار سنوياً، وهو رقم كبير في حالة مثل افغانستان، وبالتالي فقد اقام الكل منزله وسط حقله، الكبير والصغير يعملان بجد ونشاط، فهذا هو مصدر القوت الاساسي، ربما ما يغيب عن المشهد الافيوني هو النساء، اذ انهن لا يعملن في الحقول الي جانب الرجل.

كان المصور ومساعده بعيدين عني حين ركضا نحوي وهما يتضاحكان قائلين لي: لقد شاهدنا احد اصحاب الحقول، وعرف اننا باكستانيون، فعرض علينا ان نعمل معهم في جني المحصول لاربع ساعات يومياً مقابل عشرين دولارا امريكيا، وهو مبلغ لا يحلم به اي عامل باكستاني، اما تجّار المخدرات فقد جاء موسمهم الذي طالما انتظروه، التقيت احدهم الذي جلس امامي يحدثني عن الافيون وتجارته وعلاقة الامريكيين والحكومة الافغانية كما يدّعي، التفت الي فجأة ليقول: تعرف انا واحد من اهم عشرة تجارة مخدرات في افغانستان، ان اهم تاجر مخدرات في افغانستان هو من عائلة الرئيس، والكل يعرف هذا، اما انتم وسائل الاعلام فتلهثون وراء اتلاف بعض الاطنان من المخدرات، وهنا سأروي لك رواية، فحين جاء بعض الضباط الامريكيين الي احد التجار طالبين منه اتلاف طنين من المخدرات، وبعد ان صورت وسائل الاعلام المشهد وخرجت، بدا القسم الثاني من الحدث حين طالب الضابط الامريكي من صاحب المخدرات ان يعطيه حصته من الاطنان الثمانية التي لم يتلفها، وسُمح له بالاتجّار بها. طبعاً هذا علي حد قول التاجر الذي جلست معه، ورفض ان يذكر اسمه، ولكن بكل تأكيد هو تاجر ضخم في هذه التجارة حسب كل من التقيت به هناك.

منع الافيونالمسؤول العسكري لحركة طالبان الافغانية القائد داد الله حين ذكّرته بسياسة طالبان في القضاء علي المخدرات وصمتها الآن علي زراعة المخدرات في المناطق التي تسيطر عليها اجاب: لم تتمكن اية حكومة عبر التاريخ الافغاني بمن فيها حكومة الملك الافغاني السابق ظاهر شاه من القضاء علي المخدرات، اما حكومة طالبان فبقرار صادر عن زعيمها توقفت الزراعة تماما بشهادة الامم المتحدة في المناطق الخاضعة لسيطرتنا، لم نواجه حينها اي احتجاج او مظاهرة حتي، اما الآن وما دامت الحكومة الافغانية تدّعي السيطرة علي افغانستان فلتوقف المخدرات التي تضاعفت بشكل كبير جداً.

تذكرت ما قاله لي احد تجار المخدرات حين وجهت له السؤال التالي: كيف تضررت تجارتكم حين اوقفت طالبان الزراعة؟ فقال: بالعكس تحسنت فقد كانت التجارة في كساد، ولكن كل ممنوع مرغوب، وبالتالي ارتفعت قيمة البضاعة التي كانت لدينا.

كان بالقرب منه فلاح افغاني بسيط قاطع حديثه ليوجه كلامه لي: اذا كان الغرب وغير الغرب حريصاً علي القضاء علي المخدرات، فلماذا لا يوقف شراءها، وبالتالي يستطيع القضاء علي زراعتها، نحن نزرع لمن يستخدم، ولو لم نجد من يستخدم لما زرعنا فهي معادلة بسيطة.

تحدثت الي كل من يعمل في هذه التجارة التي تعد من اهم التجارات العالمية للاثراء السريع فقالوا لي: ان المخدرات تتجه في طريقين الاول الي ايران، والثاني الي دول وسط آسيا، ومنها الي روسيا واوروبا وامريكا.. في الحقل كان هناك مسجد يؤمه المصلون ذهبت لاداء صلاة الظهر حيث الكل يصلي وسط هذه الآفة الشريرة، فوجدتها فرصة سانحة حين سألت الامام عن مشروعية زراعة المخدرات والاتّجار بها، فرد علي بعربية مكسرة ومحطمة قائلا: نحن لا نجيز ذلك، ولكن في وضع كحال الشعب الافغاني، من البؤس والفقر والحاجة لا بد له ان يزرع المخدرات، كون ذلك المصدر الوحيد لقوته، لكن نقول لهم لا يجوز استخدامها، وانما يجوز بيعها للكفار، ولذلك لا تجد من يستخدم المخدرات في افغانستان بخلاف الدول الاخري.

وبكل تأكيد فان حجم المتعاطين للمخدرات في افغانستان قليل جداً ان لم ينعدم، بخلاف باكستان التي تتحدث بعض التقارير عن وجود اكثر من خمسة ملايين مدمن علي المخدرات في البلاد، ولذا تحمل المعارضة الباكستانية مسؤولية ما تصفه بانتشار ثقافة المخدرات والكلاشينكوف للرئيس الباكستاني الراحل ضياء الحق الذي دعم آنذاك المجاهدين الافغان في حربهم ضد السوفييت. المخدرات الافغانية تُوصف هنا بالنفط الافغاني، في اشارة الي النفط العربي، ووصفتها الغارديان البريطانية بانها القنبلة النووية او الهيدروجينية التي تهدد العالم الغربي، وتدر المخدرات علي الشعب الافغاني حسب كثير من الاحصائيات خمسة الي ستة مليارات دولار، بينما تتحدث تقارير اخري عن درّها 25-30 مليار دولار لتجارها الافغان وغير الافغان، فما يصل للشعب الافغاني من وراء زراعتها الا الربع او اقل من الربع.

تقرير الامم المتحدة لمكافحة المخدرات تحدث عن ان المخدرات في افغانستان هي التي تمول التمرد في غرب آسيا، وتغذي المافيات الدولية وتسبب في مقتل مائة الف شخص سنوياً، وكان تقرير عن المخدرات والجريمة اصدرته الامم المتحدة عام 2003 اظهر ان منتوج المخدرات في افغانستان خلال العام 2002، اي بعد عام علي سقوط طالبان ووصول القوات الامريكية داعمة لحكومة كارزاي قد وصل الي 3750 طناً من المخدرات، اي اكثر بخمس عشرة مرة من منتوج المخدرات عشية الغزو السوفييتي لافغانستان عام 1979 م، اما استطلاع آخر للمنظمة الدولية فقد اظهر عام 2003 ان 81 الف هيكتار من الاراضي تُزرع بالافيون، وان 28 ولاية افغانية من اصل 32 ولاية تزرع اراضيها افيونا، بينما كان في عام 1999 عدد الولايات الافغانية التي تزرع الافيون لا تتعدي 18 ولاية. بعض التقارير تضع استهلاك العالم والمدمنين في العالم علي انه 4500 طن من المخدرات، لكن انتاج افغانستان العام الماضي وصل الي 6100 طن.

صندوق النقد الدولي رأي في احد تقاريره ان افغانستان تنزلق الي دولة مخدرات، وعقبت صحيفة الايكونوميست البريطانية في احد اعدادها علي ذلك بالقول: ان ذلك يؤدي الي اصابة الحكومة الافغانية بالشلل شبه الكامل، ويضعف قدرتها علي ادارة مناحي الحياة الامنية تحديداً.

في كتاب حالة حرب ينقل الكاتب الامريكي ومراسل النيويورك تايمز الامريكية جيمس رايزن قائلاً: ان امريكا رفضت محاربة مافيا المخدرات، وقصف معامل ومختبرات تصنيع المخدرات في افغانستان، ووجهت قواتها بألا تتخذ اية اجراءات ضد المخدرات، وان القيادة الامريكية ابلغتهم بانهم سيكونون آمنين، ولن يتم التعرض لهم ما داموا حالفوها في الحرب علي ما يوصف بالارهاب.

ويعكس ذلك صمت القيادة الامريكية وقوات التحالف الدولي علي كبار تجّار المخدرات الذين تحولوا من امراء حرب الي امراء مخدرات لادارة تجارة تدر علي الواحد منهم مئات الملايين من الدولارات، وباتت القوات الدولية بين شاطر استعدائهم وتحولهم ضدها، وبين مشطور الصمت عليهم الذي سيجر عليها تمويل طالبان من قبل هذه المخدرات، ومشطور بينهما وهو التورط اكثر واكثر في الوحل الافغاني.. ولذلك فقد وفّر البرلمان الافغاني اكبر مظلة شرعية وقانونية لكثير من امراء الحرب المتهمين بارتكاب مجازر جماعية بالشعب الافغاني، عبرت عن ذلك مراسلة الاسوشيتد بريس الامريكية كاثي غنن في كتابها الاخير بقولها: ان البرلمان الافغاني يضم اكبر تجمع للقتلة بشكل جماعي عرفه العالم.

اما اخطر تداعيات الافيون في افغانستان هي ما كشفه نائب مراقب شؤون المخدرات في الدولة الروسية الكسندر ميخائيلوف من ان عدداً من الجنود الامريكيين بدؤوا بتعاطي المخدرات في افغانستان، وقال: علي الرغم من ظهور حالات كثيرة من هذا النوع، الا ان القيادة الامريكية تحرص علي الابقاء عليها طي الكتمان خشية من تداعياتها. ويتابع المسؤول الروسي في مقابلته مع وكالة روسية محلية تدعي روسبالت لا يسيطر الامريكيون علي الوضع، وهذا الدرس ينبغي ان يكون جيداً لقواتنا في طاجيكستان.

وكانت مصادر افغانية عدة تحدثت لي عن قيام بعض الطالبان والمقاتلين الافغان ببيع المخدرات والافيون للقوات الامريكية، وهو نفس الاسلوب الذي اتبعه المجاهدون الافغان ايام حربهم ضد السوفييت بين 1979 ـ 1989 من اجل تخريبهم وعزفهم عن القتال.

الطالبان… الثورة الناعمةجلس محمد غول التاجر الافغاني المعروف وسط سوق هزارة جفت في هلمند يداعب لحية بشتونية طويلة غير مشذبة، وخطها الشيب، فعمره في الخمسينيات، ومن اصعب الاسئلة علي الافغاني ان تسأله عن عمره، فهو لا يعرف عمره، وحين تفاجئه بذلك يبدأ يقدر وكأنه يسمع بالسؤال لأول مرة، البعض يقول لك علي طريقة اجدادنا بأنني ولدت يوم زراعة القمح او زراعة الافيون، او في الشتاء، ويبدأ عملية حسابية طويلة معقدة علي طريقته، تشعرك بالملل والسأم حتي تدفعك الي الندم علي الساعة التي سألته هذا السؤال، لكن جهدك الآن وسعيك الي تفادي وتحاشي الجواب لن يفيدك، فقد نصبت لنفسك فخاً وشركاً وعليك ان تصبر حتي يفرغ من جوابه وعمليته الحسابية المعقدة، فالسؤال من حقك؛ ولكن الآن الجواب من حقه ان يأخذ وقته ويجيب علي طريقته الخاصة… اعود الي بداية قصتي وبطلها وهو محمد غول، كان محمد يسعي الي ترتيب حانوته الكئيب، والذي يحتوي علي مواد بسيطة بعضها وضع علي الرف والبعض الآخر علي الارض، سألته كيف حال البيع والشراء، ففوجئت بالجواب: الامر ممتاز، فنحن الآن سوق مفتوحة لكل البضائع القادمة من عبر الحدود، ولكن طالبان اليوم ليست طالبان الامس، فنشعر انها انسنت وجهها، بعد ان انسنت عملها وتصرفاتها، نشعر انهم منا ونحن منهم، لا نريد الامريكيين، انهم لا يجرؤون علي الوصل الي هذا السوق المحرم عليهم، فطائراتهم وافرادهم يأتون فقط الي تلك الصحراء، ويشير بيده الي صحراء بعيدة، يأتون هناك ويفرغون ذخائرهم ليقولوا لاسيادهم انهم هاجموا مواقع طالبان.. سعيت الي معرفة تفاصيل اكثر عن العلاقة الطالبانية مع الشعب، وما عُرفت به من التشدد والقسوة ايام حكمها؛ فقال لي محمد غول: بامكانك ان تتجول في السوق وتسأل وتستفهم، كان مرافقونا من الطالبان قد ابتعدوا عنا ليتركوا لنا حرية المجال في السؤال والاستفسار، دون تدخل ودون احراج الناس الذين نسألهم ايضاً، تابع غول: الطالبان لا يتدخلون ابداً في شؤوننا.. كيف نلبس.. وكيف نحلق رؤوسنا او لحانا، ولا حتي بشؤون المرأة، فهناك مستوصف وفيه طبيب وطبيبة ويخدمان اهالي المنطقة، ولم يحصل ان تدخلوا في شؤون المستوصف، انهم منا ونحن منهم، وهم في النهاية اما ابناؤنا او اقاربنا، وبالتالي افضل بالف مرة من المحتل الاجنبي الذي لا يمكن مقارنتهم به. خرجت من الحانوت لأتجول في السوق، فالكل يعمل وكأنه لا رقيب عليه او عتيد، بخلاف ما كان عليه الحال في مناطق طالبانية ايام حكمها، كانت الموسيقي تصدح في السوق دون اي خوف من وصول بعض قادة طالبان المرافقين لنا، وظلت الموسيقي تصدح، وهو ما لم يكن ممكناً من قبل.. حملت هذه التساؤلات الي المستوصف الذي ذكره لي محمد غول، وسألت الطبيب والطبيبة عن ذلك، فأكدا لي ان الطالبان لا يتدخلون ابداً في شؤون الناس، ولا شؤون المستوصف تقول الطبيبة حديقة: طالبان يحترموننا، ويهتمون بنا، فبيوتنا آمنة وكذلك ارواحنا، ولا نواجه اية مشاكل معهم، ففي بعض الاحيان اترك منزلي لشهر كامل دون ان يتعرض له احد، وطالبان لا يتدخلون في شؤوننا البتة، فاخرج احيانا الي السوق ببرقع او بدونه لكنهم لا يتدخلون في طريقة لباسي، ولو كان لدينا مشاكل معهم لما رأيتني هنا ولانتقلت للعمل في منطقة اخري.

توجهت بالسؤال الي القادة الطالبانيين الذين رافقوني في هذه الرحلة لأسألهم عن استراتيجيتهم في ذلك، وعن مدي التغير الذي حصل في عقليتهم وسياستهم في التعاطي مع الناس خلال فترة السنوات الست الماضية بعد سقوط الحركة… ربما سؤال صعب لا يريد احد منهم الخوض في تفاصيل جوابه والرد عليه، سيما وان الماضي بالنسبة لبعضهم كئيب من ناحية تجربة الحركة في التعاطي مع الشأن العام، وتحديداً التدخل في شؤون الناس اليومية، تجرأ احدهم علي الرد فقال: ان الحركة ايام كانت في السلطة اختطفت من قبل عناصر معينة عملت علي تشويه صورة وسمعة الحركة من خلال التدخل في قضايا صغيرة لا تخدم افغانستان ولا العالم الاسلامي، والعجيب ان هؤلاء المتشددين الآن هم الذين تخلوا عن الحركة ولجأوا الي مساعدة الحكومة الافغانية العميلة للامريكيين، ومن بينهم وزير العدل السابق ترابي الذي شوه هو ومنظمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر سمعة وصورة طالبان، وقدموا عنها صورة قاسية ومتوحشة.

وهنا يعقب بعض الحاضرين بالقول: ان طالبان الحالية ستختلف كلياً عن طالبان القديمة، فنحن لا نستطيع ان نعيش لوحدنا وفي مجرة مختلفة عن مجرات الآخرين، فنحن وغيرنا من الحكام ومن هم في السلطة بمثابة السمك في مياه شعبية تدعمنا، ودون توفر مياه صالحة تسمح لنا بالعيش والبقاء سنموت وسننتهي كما حصل لحركات واحزاب كثيرة.. القائد الطالباني المعروف في هلمند عبد الناصر ميرويس جلست معه في حقل من حقول الافيون وسط هلمند، كان السؤال الاول الذي وجهته له الي اي مدي تغيرت حركة طالبان الافغانية؟ رد علي ميرويس قائلا: …. بعد سقوط الحركة اصبحنا مدفوعين بايديولجية ثورية عالمية وليس ايديولجية محلية افغانية كما كان عهدنا في السابق، هناك ايديولجية ثورية عالمية تدفعنا الي الامام وقودها ما يجري في فلسطين والعراق وافغانستان، ونريد ان نواصل ونشارك في الحملة العالمية ضد العدوان علي الامة الاسلامية. كنت قد تحدثت الي احد كبار التجار الممولين للحركة عن نفس الموضوع فقال: ان الذين كانوا يتشددون مع الناس ويشترطون طول اللحية ويعاقبون علي قصرها هم اول من ترك وتخلي عن الحركة من امثال ملا خاكسار وترابي وغيرهما، بينما كان الملا محمد عمر يطالبنا بعدم التشدد مع الناس، ويوصينا بالتلطف معهم، الآن من كان يحدد طول اللحية ويتشدد مع الناس هو من تخلي عن الحركة وانضم الي معسكر الكفرة والمحتلين، بينما من كان يتودد الي الناس ويعاملهم بالحسني هو من حلق لحيته لاخفاء نفسه ولمقارعة الكفرة والمحتلين. اما طريقة ادارة الحكم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة فهي من شقين، الشق الاول يمثل الحركة، بحيث طرحت الحركة مجلساً قبلياً للحكم، يضم احدي عشرة شخصية تدير شؤون المنطقة، من حيث حياة الناس اليومية، وهذا المجلس هو الذي يقوده حاكم المنطقة المعين من قبل قادة الحركة، شرح لي رحمت الله حاكم المنطقة كيفية ادارة المنطقة قائلا: نحن حكومة محلية متنقلة بحيث نسمع عن شكاوي الناس هنا او هناك؛ فنطير اليها، ونسعي الي تسويتها وحل مشاكلهم، وهذا المجلس هو المسؤول امام الحركة، وبالتالي تتم محاسبته من قبل قيادتها في حال اخطأ، وهو ما يقوم بالشؤون اليومية، اما المجلس الثاني فهو المجلس القبلي الذي تفرزه القبائل والعرقيات، فلدينا ممثلان عن الاوزبك والهزارة الشيعة في المنطقة، وكلاهما ينقل لنا هواجس عرقياتهم حتي نعيش في أمان وتفاهم وانسجام، وهذا المجلس القبلي هو الذي يقر في قضايا الشأن العام مثل القتل والقصاص والرجم ونحو ذلك، حتي لا نتحمل نحن كحركة تحرر اخطاءً من هذا النوع التي تحرفنا عن هدفنا الحقيقي وهو التحرير.. يتابع الحاكم رحمت الله حديثه لي فيقول: .. الي جانب ذلك هناك المحكمة العليا وكذلك السجن، وهو ما يخص قضايا الجنح، وكذلك القضايا التي تمس حياة الناس. توجهت الي المحكمة وتحدثت بالتفصيل الي رئيس المحكمة والقضاة حيث شهدت بنفسي جلسة مقاضاة تتضمن اعتداء شخص علي آخر، حيث استمع مجلس القضاء لاحدهما، اما الثاني فقد فر، لكن مقاتلي طالبان تمكنوا من القبض عليه وايداعه السجن من اجل جلبه الي القاضي ليبت في امره.

في هذه اللحظة حرصت اشد الحرص علي التوجه الي السجن لاري بنفسي هؤلاء المتهمين، وبدأت مساعيّ لاقناع طالبان بالسماح لي بزيارة السجن، في البداية سعوا الي رفض طلبي، لكن ظللت اواصل عملية الاقناع حتي نجحت اخيراً، وتوجهنا الي السجن الذي كان عبارة عن مدرسة سابقة، دخلنا الي احدي غرفه واذ بثلاثة متهمين خلف القضبان، وفي رجلي احدهما القيد، سألته مباشرة لماذا تم اعتقالك؟ قال لقد اعتقلت وانا اخدم مع جنرال امريكي وجنرال افغاني، عمري لم يتعد الاثنتي عشرة سنة حين قدّمت طلباً للخدمة، وكنت اتقاضي ما يعادل المئة دولار شهرياً، اعتقلني مقاتلو طالبان خلال احدي المعارك، وها أنذا في السجن الآن لا ادري ما سيفعلون بي.. حانت مني نظرة الي القائد الطالباني الذي دس في يده بعض النقود، قائلاً له ماذا ستفعل الآن، وهل انت نادم، ثم التفت الي القائد الطالباني ليقول لي: يقولون للاعلام الدولي اننا نحن الذين نجند الاطفال في الحرب، بينما اوامر زعيمنا امير المؤمنين الملا عمر واضحة جداً في ذلك بعدم تجنيد احد مجبراً، وحتي من يأتي الينا ينبغي ان تكون لحيته قد نبتت، اما الامريكيون فانظر اليهم كيف يعارضون المبادئ الدولية والاممية التي وضعوها بانفسهم، هل تجيز لهم هذه المبادئ ان يجندوا مثل هذا الطفل في حربهم وعدوانهم هذا. . بجانب الشرطي الافغاني هذا، كان هناك متهم آخر، لكن كان يدافع عن نفسه بقوة، ويتهم طالبان انهم اخطأوا حين اعتقلوه بتهمة مهاجمة بيوت معينة في الحي، فانا متهم ولا علاقة لي بالامر، بدأ يوجه كلامه لي وكأنني انا القاضي هنا، او ربما يسعي الي استدرار عطفهم من خلال حديثه هذا، فوعده القائد الطالباني بالنظر في امـــره مجددا وتسريع مقاضاته.. اهل المنطقة مرتاحون جداً لسير المحاكم والقضاء الطالباني، فاكبر قضية لا تستغرق اكثر من جلسة او جلستين، بخلاف القضايا التي قد تكون في مناطق الحكومة، والتي قد تستغرق وقتاً طويلاً تتعطل فيه مصالح العباد والبلاد، قالها لي احد الناس في السوق الرئيسي للمنطقة مضيفاً: ان طالبان سريعون وحازمون في الفصل والبت في القضايا، وهو ما يمنع من حصول تداعيات وملابسات ومشـــاكل، بمعني ادق، لن تتطور الامور الي اسوأ مما حصل، كما قد يجري مع بعض القضايا حين تطول ويتأخر البت فيها… عدنا الي السوق وكان قد تجمع فيه بعض قادة ومقاتلي طالبان الذين يسعون الي تجميل صورتهم امام الناس والعامة، يتحدثون اليهم بلطف امامنا، ويبحثون معهم مشاكلهم وشؤونهم، وحين اشتري احدهم شيئاً من السوق دفع ما طلبه البائع دون ان يفاصله او يطلب تخفيضاً، او يساومه.. بالقرب من هذا المشهد كان نهر يخترق المنطقة، التفتُّ الي الجسر الذي نصب علي النهر للعبور الي السوق فوجدت علي حافته منظراً رائعاً، انه فلتر طبيعي، فعند حافة النـــهر سعي بعض الناس الي حجز الماء ومن الجهات الاربع باستثناء مدخل صغير للماء، ووضعوا بعض الرمل تحت هذه المنطقة المحجوزة وهو ما يعنــــي ان يدخل ماء النهر الي هذا المكان المحجوز، لينفصل التــــراب والوسخ الي اسفل، ويبقي الماء النظيف في المكان المحــــجوز الذي هو اعلي مكاناً من النهر المنخفض، بحق كان فلتر هزارة جفت كما قلت لاهالي المنطقة الذين فرحوا وسُروا بهذه التسمـــــية، وكأنهم دخلوا كتاب غينيس للارقام القياسية، الذي لم يسمعوا به من قبل…..7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية