د. عبدالوهاب الأفندي
في حديثنا عن رحيل رئيس الوزراء البريطاني المزمع الأسبوع الماضي أشرنا إلي أن جوهر تراجيديا الحالة البليرية تكمن في نجاحه إلي حد كبير في تحقيق ما صبا إليه من تعزيز مكانة حزب العمال سياسياً، وإخراجه من صحراء التيه إلي قلب المجتمع والسلطة. ولم يكن هذا تحدياً سهلاً، لأن المجتمع البريطاني مجتمع تقليدي موغل في الطبقية.
ورغم أن حزب العمال قد حقق في السابق عدة نجاحات كان أبرزها فوزه الساحق في أول انتخابات بعد الحرب العالمية الثانية علي حزب المحافظين الذي كان يقوده حينها ونستون تشيرشيل، الذي كان باعتراف الأمة والعالم بطل تلك الحرب، إلا أن حزب العمال لم يكن يعتبر في الشعور العام هنا حزب السلطة. ولكن كل هذا تغير بعد الأزمة التي مر بها حزب المحافظين بسبب انشقاقاته وكثرة فضائحه.
ومع ذلك ظلت هذه المعادلة قائمة في بعض الجوانب، حيث أن زعيمة المحافظين مارغريت ثاتشر عندما أرادت أن تخلق ثورة في حزبها وفي البلاد، انحرفت بالحزب باتجاه اليمين، وبدأت بقلب انتصارات العمال التي حققوه بعد انتصارهم المشار إليه، حيث قاموا بتأميم بعض الصناعات الكبري، وأنشأوا الخدمات العامة وعلي رأسها خدمة الصحة الوطنية. ثاتشر أحدثت ثورة في بريطانيا والعالم حين اتجهت في الاتجاه المعاكس، فقامت بتخصيص ما أمم وما لم يؤمم، فباعت شبكات القطارات والهاتف والخطوط الجوية وغيرها للقطاع الخاص، ورفعت يد الدولة عن كثير من الخدمات. وقد أحدث هذا نهضة في الاقتصاد البريطاني (وأيضاً الأمريكي الذي اتبع نفس النهج تحت ولاية رونالد ريغان) مما جعل العالمين يتسابقون إلي تقليدها، وساهمت إصلاحاتها في خلق المناخ الذي أدي إلي انهيار النظرية الشيوعية والدول التي قامت عليها.
وبالمقابل فإن توني بلير عندما أراد أن يخرج حزبه من ورطته لم ينحرف به يساراً في اتجاه أيديولوجيته التقليدية (كما فعل سلفه مايكل فوت الذي وصف بعض الساخرين بيانه الانتخابي في منتصف الثمانينات بأنه كان أطول رسالة انتحار في التاريخ)، بل اتجه يميناً أيضاً، معززاً مقولة أن اليمين هو التيار الطبيعي للحكم في بريطانيا. في خطاب إعلان استقالته الأسبوع الماضي عرج بلير تحديداً علي هذه النقطة، حيث ذكر بأن توجهه الأيديولوجي يقوم علي رفض الاستقطاب التقليدي بين يسار يؤيد دعم الخدمات العامة وتكافؤ الفرص وحقوق الضعفاء، وبين يمين يفخر بأنه يؤيد روح المبادرة ويحفز صانعي الثروة. وقال بلير إنه سعي للجمع بين الحسنيين، والأخذ بأحسن ما عند اليسار واليمين معاً، بحيث يدعم روح المبادرة الخاصة ويحفز النجاح والتفوق، بينما يصر علي تعزيز مكانة الخدمات العامة من صحة وتعليم، ويؤكد علي كفالة الدولة للضعفاء والسعي لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص.
ولكن جوهر إنجاز بلير تمثل في إعادة تشكيل أيديولوجية حزب العمال لتقريبه من الوسط استناداً علي حجة براغماتية، مفادها أنه لا فائدة من التمسك بمقولات أيديولوجية مثالية كما فعل الحزب تحت قيادة مايكل فوت إذا كان هذا سيؤدي إلي خسارة الانتخابات واستمرار اليمين المتشدد في الحكم. ولهذا أقنع النقابات العمالية وبعض قيادات يسار الحزب بأن من الحكمة التخفيف من المطالب والشعارات، والاقتراب مما يريده الناخب، لأن هذه هي الضمانة الوحيدة للوصول إلي الحكم وتحقيق بعض مطالب هذه الأطراف. أي أن الحجة التي سيقت لكوادر الحزب لم تكن هي تلك التي لخصها بلير بأن تقابل اليسار واليمين لم يعد ذا معني، بل كانت هي أن برامج ومثاليات اليسار لا بد أن تطبق، ولكن علي مراحل، وبعد الوصول إلي السلطة الذي ينبغي أن يكون الأولوية. هذه الاستراتيجية وما تمخض عنها من عواقب (من أبرزها كثرة الاتهامات لبلير بأنه أصبح يمينياً أكثر من حزب المحافظين) لها دلالات عميقة تتعلق بطبيعة المسرح السياسي المعاصر وطبيعة آلياته، ومن أبرزها أن إدارة الدولة الحديثة أصبحت عملية معقدة لا تفي بأغراضها الشعارات التبسيطية التي تقوم عليها الأيديولوجيات التقليدية.
ولا تبعد هذه الاستراتيجية كثيراً عن الاستراتيجيات التي اتبعتها بعض الحركات الإسلامية، ومن أولها الحركة الإسلامية السودانية بقيادة الشيخ حسن الترابي الذي سبق بلير بعقود بنظرية مماثلة من وجهة نظر الحركة الإسلامية. ومثلما اقتنع بلير بأن الشعارات اليسارية لن تكفي وحدها للوصول إلي السلطة، بل لا بد من ابتكار تكتيكات إعلامية جديدة، واستمالة أصحاب المال، والتوجه إلي ناخبين من خارج أنصار اليسار التقليدي، كذلك نجد الشيخ الترابي اقتنع منذ السبعينات بأن الشعارات الإسلامية وحدها لا تكفي، وأنه لا بد من البحث عن مصادر قوة أخري من مال ونفوذ سياسي واقتصادي واجتماعي، وحتي السلاح والتغلغل في أجهزة الدولة بما فيها الجيش.
في الحالين، هناك افتراض أن الهدف يبقي هو نفسه (تحويل المثاليات إلي واقع) ولكن مع تنازلات لهذا الواقع يراها المنظرون مؤقتة، وتخدم الهدف النهائي بالتدريج. وفي الحالين ثارت اتهامات بأن هذه التنازلات كانت أكثر من اللازم، وأن من قاموا بها نسوا أنها تنازلات وأصبحت عندهم عقيدة. أحد أقطاب حزب المحافظين كرر في الحوارات التي تكاثرت بعد إعلان استقالة بلير بأن أكبر عقبة واجهها المحافظون في أيام بلير هي أنه نجح في إقناع كثير من ناخبي الحزب بأنه ينتمي سراً إلي حزبهم. وبالمثل فإن ممارسات الشيخ الترابي وخلفائه من بعده أثارت انتقادات بأن تخليهم عن شعارات الأسلمة تحول من تكتيك مرحلي إلي أيديولوجية جديدة لا فرق بينها وبين العلمانية التي أكثروا من انتقادها، بل إنها عند البعض تقصر كثيراً حتي عن بعض متطلبات العلمانية (في طهارة اليد في الحكم علي سبيل المثال). لا شك أن للبراغماتية منطقها من حيث أن التنطع والتطرف في المثالية يؤدي في الغالب إلي نقيضه. فمن الصعب رد حجة توني بلير بأن وصول حزب العمال إلي الحكم مع برنامج معتدل أفضل بكثير من استمرار المحافظين في الحكم، إذا كانت هذه هي البدائل الوحيدة المطروحة. وبالمثل فإن وصول حزب إسلامي للسلطة أو مشاركته فيها مهما كان برنامجه مخففاً أفضل من انفراد القوي العلمانية المعادية بالسلطة. وهذا هو الفرق في كل زمان بين المتطرفين الذين يصرون علي الحصول علي كل شيء أو لا شيء، ويفضلون الهلاك علي نصف النجاح. ولكن هناك فرقا مهما بين البراغماتية والانقلاب الأيديولوجي. علي سبيل المثال فإن هناك فرقاً جوهرياً بين الأحزاب الماركسية التقليدية والأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، حيث أن الثانية تميزت أيديولوجياً عن الأولي في وقت مبكر حول مفهوم الثورة البروليتارية والبرنامج الانقلابي للأحزاب الماركسية، وقبلت مفهوماً للاشتراكية يتفق مع معظم أطروحات الديمقراطية الليبرالية، بما فيها حق الملكية الفردية ودور القطاع الخاص. وعليه لم يعد من الدقيق وصف هذه الأحزاب (ومنها حزب العمال البريطاني والحزب الاشتراكي الفرنسي ونظائرهما) بأنها أحزاب ماركسية براغماتية، لأنها في حقيقة الأمر طلقت الأيديولوجية الماركسية. ولهذا لم تعد هذه الأحزاب معادية للمعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي فقط، بل أيضاً للأحزاب الشيوعية في بلادها. وصف الماركسيين البراغماتيين يمكن أن ينطبق بالمقابل علي الأحزاب الشيوعية مثل الحزب الشيوعي الإيطالي التي انتهجت في وقت متأخر النهج الذي سمي بالنهج الشيوعي الأوروبي. أما الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية فإنها مخلوق من نوع آخر. وبالمثل فإن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يرفض بإصرار وصفه بأنه حزب إسلامي معتدل ويصر (حتي في أحاديث قادته الخاصة مع أنصارهم وأصدقائهم) بأن الحزب ليست له أجندة إسلامية سرية، ويؤكد بأنه حزب علماني محافظ علي نهج الأحزاب العلمانية المحافظة في أوروبا.
هذا الوضع له ميزة أنه يتميز بالوضوح ولا يطرح أيا من الإشكالات موضوع نقاشنا هنا. إنما تبدأ الإشكالات حين يكون هناك انفصام واضح بين المبادئ السياسية المعلنة للحزب وممارساته وخطابه بدعوي البراغماتية كما هو الحال في حزب العمال الجديد والحركة الإسلامية في السودان. فهذا يخلق أزمة تعبر عن نفسها أولاً في العلاقة بين قيادة الحزب وقاعدته التقليدية التي قد تري في الممارسة مخالفة للعهد بينها وبين تلك القيادة. ولهذا رأينا أن أكثر الانتقادات حدة لقيادات هذه الأحزاب جاءت من داخل أحزابها، وخاصة من الأجنحة التقليدية فيها. أفكار الترابي البراغماتية مثلاً فجرت ثورات ضده كان أبرزها تلك التي قادها ضده في عام 1969 غالبية أعضاء المكتب التنفيذي في حركة الإخوان المسلمين. وبالمثل فإن توني بلير اضطر أكثر من مرة إلي الاستعانة بأصوات حزب المحافظين لتمرير قرارات يرفضها قطاع مهم من حزبه.
الطريف في الأمر هو أن الإطاحة بهذه القيادات لم تتم عبر ثورة من هذا النوع، أي من القطاع التقليدي (حتي لا نقول القطاع المبدئي) في الحزب، بل بالعكس، من قطاع آخر كان يري أن القائد لم يكن براغماتياً بما فيه الكفاية. وهكذا نجد أن الإطاحة بمارغريت ثاتشر تمت بسبب تشددها حيال أوروبا والضريبة المحلية التي سماها البعض الجزية، مما ضرب شعبية الحزب ومزق وحدته. وبالمثل فإن الإطاحة ببلير جاءت علي خلفية موقفه المعزول من حرب العراق والعلاقة من الولايات المتحدة. والطريف أن بلير أعاد في خطابه الوداعي يوم الخميس الماضي مناشدة الشعب البريطاني تفهم موقفه، وأنه اتخذ المواقف التي انتقد بشأنها بسبب قناعاته الراسخة، قائلاً: إذا لم تصدقوا أي شيء آخر فصدقوا هذا. الترابي كما معروف أطيح به بحجة أن مواقفه المتشددة في بعض القضايا جعلت منه عبئاً علي النظام، خاصة في مجال العلاقات الخارجية.
إنها إذن مفارقة كبري حين يتهم دعاة البراغماتية في الأحزاب ذات الخلفية العقائدية بالماكيافيلية والتنكر للمبادئ، ثم يطاح بهم من قبل فئات هي أكثر براغماتية منهم بدعوي انهم متشددون أكثر من اللازم. وليس هذا الوضع بالغرابة التي يبدو بها، لأنه في حقيقة الأمر لا يوجد علي وجه الأرض شخص أو جماعة تستطيع الالتزام حرفياً بالمبادئ التي تعلنها، أو تمسك عن إجراء مساومات وتسويات لتحقيق أهدافها. ويستوي في هذا أكثر الجماعات مرونة واعتدالاً مع أكثرها تطرفاً وتشدداً. ذلك أن تحقيق أكثر الأهداف تواضعاً يتطلب تعاون الكثيرين ممن لا يتفقون مع المجموعة، مما يستدعي تقديم تنازلات لهم وإلا فلن يتحقق شيء. ولكن ما تختلف فيه القوي هو تحديد ما يمكن المساومة عليه وما لا يمكن أو لا يجوز. ومعظم الإشكالات تنشأ من أن الكثيرين يختارون المساومة في غير محله والتشدد في ما لايصلح التشدد فيه. وهذا هو أساس المشكلة.