الياس خوري
التقيت جوليانو مير خميس في نيويورك. حمل فيلمه الرائع اطفال ارنا وجاء الي نيويورك كي يحصد جائزة مهرجان ترايبيكا السينمائي. حين شاهدت الفيلم الوثائقي اصبت بالذهول. الفيلم كان اكثر من طاقة السينما علي الاحتمال. انه شهادة مذهلة عن اطفال مخيم جنين الذين بنت لهم ارنا مير، والدة جوليانو، مسرحا. رأينا الأطفال يمثلون ويلعبون ويلهون ويبدعون. وفجأة كبر الأطفال وصاروا شباب الانتفاضة الثانية. ومعهم كبرت ارنا، واصيبت بالسرطان. الاطفال انفسهم، الذين كانوا يلبسون ازياء المسرح ويلهون صاروا قادة كتائب شهداء الأقصي، ورأيناهم يطلقون النار ويقاومون، ثم شهدنا كيف ماتوا واحدا واحدا، ورأينا ارنا تموت بالسرطان من دون ان تجد مكانا تدفن فيه.
لم يكن فيلما عاديا، لا ادري من اين جلب جوليانو الشجاعة والجرأة كي يصنع هذه التحفة التي ارتسمت في عينيّ شهادة اقوي من الحياة ومن الموت في آن معاً.
لكن جوليانو خميس، لم يكتف بالفن، ولم يعتبر ان مزجه لمونتاج مشاهد قديمة اخذها للأطفال بمادة حية عن مقاومتهم وموتهم بعد سنوات، نهاية المطاف. علي العكس، فقد تابع المخرج فيلمه. الفيلم مشاهد من الحياة، لذا علي الحياة ان تستمر. وكي تستمر الحياة جاء مشروع اعادة بناء مسرح الحرية في مخيم جنين. المسرح يعاد بناؤه اليوم، وقاعاته تستقبل الأطفال من جديد، ومخيم جنين يمتلئ بحب الحياة وسط الدمار الهائل والموت الكثير الذي صنعته الدبابات والجرافات الاسرائيلية.
منذ ايام جاء جوليانو الي نيويورك، والتقينا مجددا. الحلم الذي راوده بعد الفيلم في ضرورة اعادة بناء مسرح الحرية في مخيم جنين بدأ يتحقق، والمسرح هناك اليوم، انه صرح للحرية، وقرار بمقاومة الموت بالفن وحب الحياة.
استمع الناس الي المخرج الاسرائيلي ـ الفلسطيني (والدته يهودية اسرائيلية ووالده هو المناضل الفلسطيني صليبا خميس)، يروي عن الفرح الذي يصنعه الاطفال بالفن. كانت صور الدمار والركام، الذي لا يزال الي اليوم يحتل ازقة المخيم وساحاته، تضفي علي كلامه مسحة لا معقولة. كيف يبني مسرح ومكتبة وقاعات تدريب وكومبيوتر وسط الركام، وكان جوليانو يرد بابتسامته بأن هذا هو قانون الحياة. ان تقاوم يعني ان تحب الحياة وتصنعها، وتتغلب علي القهر بالأمل والحب.
هذا المسرح الذي يبني في مخيم جنين اليوم ليس مسرحا من اجل حرية اطفال فلسطين وحدهم، انه مسرح لحريتنا جميعا. نتماهي مع الفلسطينيين لأنهم يدفعون ثمن الحياة، انهم في البؤس والحصار، لا ذنب لهم سوي انهم فلسطينيون يتعرضون لتطهير عرقي وحشي بدأ اليوم يتخذ شكلا جديدا يمكن ان نطلق عليه اسم التطهير الثقافي.
عاش الفلسطينيون التطهير العرقي في النكبة، حيث تكفلت ذلك الخطة دالت التي اشرف علي تنفيذها بن غوريون شخصيا، بحسب المؤرخ الاسرائيلي الكبير ايلان بابيه. غير ان ما يواجهونه اليوم في الضفة الغربية وغزة، هو تطهير عرقي من نوع جديد اسمه التحطيم الكامل للحياة الثقافية والاجتماعية في بلادهم المنكوبة بالاحتلال. من الجدار الي الحواجز (المحاسيم) كما تسمي هناك، الي الحصار، الي فقدان فرص العمل. المشروع الاسرائيلي اليوم لا يقل وحشية عن الخطة دالت، وهدفه تحويل شعب كامل الي ركام.
هنا يلعب التطهير الثقافي دورا اساسيا في تحقيق الهدف الاسرائيلي. ضرب الجامعات، تعطيل الدراسة في المدارس، وتحويل كل مظاهر الحياة في المخيمات الي مأتم دائم.
مقاومة التطهير العرقي الثقافي، تشكل اليوم احد اوجه مقاومة الاحتلال، بل قد تكون اكثر وجوهها ضرورة. ومثلما لعبت الثقافة دورا اساسيا في استعادة الاسم الفلسطيني وفي بناء الوعي الذي مهد للثورة الفلسطينية التي انطلقت عام 1965، فان مقاومة التطهير العرقي الثقافي اليوم، هي احد اشكال احباط المشروع الاحتلالي الاسرائيلي الذي يريد تحويل الشعب الفلسطيني الي ركام.
من هنا تأتي ريادة مشروع مسرح الحرية في مخيم في جنين. انه يقف علي ارض صنعها اطفال شهداء، وجدوا ان المعني الذي تعلموه في مسرح ارنا، قادهم في شبابهم المبكر الي صناعة ملحمة مخيم جنين في مقاومته البطولية عام 2002. هؤلاء الاطفال الذين شاهدناهم في فيلم ارنا وهم يسقطون ودمهم يغطي حلمهم في التحول الي ممثلين وفنانين، هم الاصحاب الحقيقيون لمسرح الحرية في مخيم جنين.
اعادة بناء المسرح ليست وفاء لهم ولا محاولة لاحياء ذكراهم فقط، بل هي فعل ايمان بأن مقاومة التطهير العرقي الثقافي تكون بالثقافة نفسها. المشاهد التي رأينا فيها الاطفال الشهداء يمثلون نصا لغسان كنفاني تشير الي المعني. كنفاني الذي كان احد اوائل المثقفين الفلسطينيين الذين وعوا ان اعادة بناء الوجود الثقافي الفلسطيني تكون باعادة بناء ثقافته، سبق الاطفال الي مواجهة الموت، فلم نجد ما نغطي به جسده الممزق سوي كلماته.
السؤال ليس كيف يمكن بناء مسرح الحرية في مخيم مهدم، لا يزال عرضة لوحشية دبابات المحتلين؟ السؤال هو متي تتحول تجربة مسرح الحرية في جنين الي تجربة عامة في كل المخيمات الفلسطينية. كل مخيم وكل مدينة وقرية في حاجة الي مركز ثقافي والي مكتبة والي عروض مسرحية وسينمائية وامسيات ادبية.
هكذا نقول للمحتل ان مشروعه للتطهير العرقي الثقافي والاجتماعي سوف يندحر. نربي الأمل وندجّن الخوف، ونصنع حريتنا.
جوليانو خميس ورفيقاته ورفاقه في مسرح الحرية، يفتحون كوة الأمل، لهم التحية والحب.