نجاح عبد الله غول في تبوء سدة الحكم في تركيا، وهو الإسلامي المخلص لمبادئه وأفكاره وإيديولوجيته في نظام يعتنق العلمانية اعتناق الرهبان، معناه أن الديمقراطية قل أن تنجح نجاحا كالذي حدث في تركيا.
ويبدو أن الإسلاميين هناك كما العلمانيين فهموا فحوي السياسة واتخذوها فنا لا لعبة فحسب. وعصروا ما في داخل حنايا الإيديولوجيات ولم يكتفوا فقط- علي غرار الكثير من الساسة والمؤدلجين والمناضلين- بإطلاق العنان لألسنة مصابة بإسهال السفسطة والفشفشة، وجعلوا من برامجهم تقوم علي عمادات واهية كالشوفينية والشيزوفرينيا والنرجسية التي تكفر بالديمقراطية باسم الديمقراطية، وتتشبث بفلسفة حمقاء خرقاء لا تقوم علي شمولية الحاكم فحسب، بل تكون الشمولية أو الديكتاتورية هي المحرك الأساسي الذي يحرك في الشخص غريزة النضال ثم المنافسة الحزبية ثم إن ساعفه الحظ وبلغ الحكم ألغي الآخر أو اعتقله أو اختطفه أو اغتاله، وفرض وصاية أبوية ممزوجة بالثيوقراطية الكنسية اللاهوتية علي مجتمع كثير من أفراده أوعي وأعلم وأفلح منه. ولكنه رغم ذلك يصنفهم قاصرين لم ولن يبلغوا عنده سن الرشد أبدا، هذا في حال لم ينافسوه الحكم أو يطالبوا بالمساهمة فيه أو التداول عليه.
أما إن كانوا غير ذلك فالسجون بالمرصاد وما يحدث فيها تسمي أحداث أبو غريب عينات منها فالحاكم بهذا الشكل ينتقل من أحادية الإيديولوجية إلي أحادية الحزب فأحادية الأسرة إلي أحادية الشخص الذي يتصور نفسه حينها بأكبر من إنسان وأقل من إله تماما كما صوره عادل إمام في مسرحية الزعيم، ولكن لماذا تنجح الديمقراطية في تركيا كيف وصل إلي الرئاسة عبد الله غول الإسلامي في كيان سياسي علماني متطرف في علمانيته؟
الحاصل أن ما حدث ليس بالمفاجأة، لأن الأتراك بإسلامييهم وعلمانييهم يعتقدون مصلحة البلد فوق الاعتبارات الإيديولوجية والحزبية والشخصية، فالعلمانيون يعرفون أنهم إن سلبوا غول حقه في الرئاسة إنما أضروا بتركيا والأتراك وعصفوا بكيانهم مستقبلا وقلصوا حظوة مرجوة لهم عن طريق التداول، وكذلك يدرك جيدا عبد الله غول والإسلاميون أن انتصارهم السياسي معناه فرصة لهم لإدارة نظام الحكم وليس لتغييره أو هدم أسسه لأن نصرهم وبلوغهم أعلي سلطة سياسية في الدولة لا يجعلهم في حل من مقتضي الديمقراطية الأساسي القائل بأن الأغلبية تحكم والأقلية تحترم، إذ ليس العلمانيون بأغبياء إلي درجة تجعلهم يسلبون حق غول وينقلبون عليه، وهم يتوددون علي أبواب أكبر فضاء ديمقراطي في الأرض الاتحاد الأوروبي، وليس عبد الله غول والإسلاميون بأغبياء ليغلقوا الخَمّارات ويلزموا البنات بالخِمارات بجرة قلم واحدة، لأنهم يعرفون أن الحكم والقيادة نفسها لا تخلو من النضال لتحقيق المطالب المشروعة. إن بلوغ غول رئاسة الجمهورية في تركيا هو وفاق بين الإسلام السياسي والعلمانية ويمكن أن يسمي بأسلمة العلمانية أو هو علمنة للإسلام السياسي.
عبد الله الرافعيكاتب صحفي جزائري[email protected]