العراق: الوطن المقتول علي يد ابنائه

حجم الخط
0

لم نكن نتعرف علي الوطن الذي احببناه منذ كنا صغارا الا عبر الاناشيد المدرسية، ومن ثم دواوين الشعر، وعشقناه من خلال ما قيل عنه من جميل القصائد حتي وكان الشعر اصبح لدينا هو الوطن، والوطن هو القصيدة فنتغني بقوافيها وعذوبة كلماتها اكثر مما تطربنا اشجاره وسهوله وسواقيه، ونردد ابياتها عن ظهر قلب اسهل علينا مما نحفظ مشاهد من جباله الشاهقة ونخيله الباسقة وانهاره الدافقة حييت سفحك عن بعد فحييني يا دجلة الخير يا ام البساتين وقالوا ايضا بين السهول وفوق النخيل عيون تقول بلادي اجمل ما في الوجود، قورن الوطن بالمرأة الام باعتبار ان كلا منهما يمثل رمزا للعطاء، ووصفوه بالمرأة الحبيبة وقالوا في حقه غزلا جميلا لما يتمتع به الاثنان من قيم جمالية رائعة. تلك ارض سماؤها مثل عينيك صفاء وماؤها سلسبيل ذلك هو الوطن الذي غادرته مرغما منذ ثلاثة عقود من الزمن، وكنت اتوق اليه وانا في الغربة مغرما به موطني لو نسمة من موطني لو شراع نحوه يحملني لو تخفيت كعصفور فما يعرفني حارس يغلق عن عيني سمائي لو صديق لم اقل عز الصديق ان كل الشرفاء اصدقائي انما آه لاقمار الطفولة. حثنا الشعراء من اجل الدفاع عنه، وحذرونا من الاعداء والمحتلين ولي وطن آليت الا ابيعه وان لا اري غيري له الدهر مالكا ولم يلتفت معظم الشعراء في قصائدهم الي ان جوهر الوطن هو الانسان، وان ضرورة تقويمه وتوجيهه لخدمة اخيه الانسان واجب وطني، فمن اساء اليه فقد خان الوطن والحق الضرر به، فاقصاء المواطن العربي من قبل اهله هو بمثابة حكم الاعدام علي الوطن وجريمة بحق المواطن واصبح الاقصاء من اولويات السياسات العربية بداية من الحاكم المستبد الذي يستمد شرعية حكمه بقوة السلاح لا من الدستور وحب الشعب، وهو الحاكم الذي لا هم له سوي ان يقصي معارضيه، نزولا الي اصغر مسؤول في الدولة وهو يبعد من يختلف معه من الموظفين الي رئيس التحرير في اية صحيفة مهما قيل عنها باعتبارها مستقلة قد لا ينشر لكاتب يخالفه الرأي. ولم نكن نتوقع في يوم من الايام ان الوطن يمكن ان يقصي ابناؤه ويبعدهم عن ذويهم وديارهم وذكرياتهم الجميلة ويفرق بين الاصدقاء والاحبة.

ومن جهة اخري فان الوطن ينتهي ويموت في ظل التجاوزات والفساد، فالمواطن الذي يفتقد الي عنصر الولاء للوطن لا يعنيه شأن اخوته في الوطن ولا يهمه شأن المواطنين بقدر ما تعنيه مصالحه الشخصية فيعمد الي ان يسلك كل الطرق ويستخدم جميع الوسائل غير المشروعة لنيل مآربه وهي كثيرة فالرشوة آفة ضارة وسامة تفتك بالوطن وبالمواطن، والسرقة بكل انواعها عار في جبين الوطن، والجهل ظلام في سماء الوطن، اما القتل وخاصة القتل الجماعي فهو جريمة بحق الوطن والانسانية، وقد اصبح العراق نموذجا شاذا للوطن المقتول علي يد ابنائه بين الامم التي تحترم الانسان. والعراق اليوم وطن ينتشر فيه الموت المجاني، والقتل اليومي من كل حدب وصوب بالاحزمة الناسفة والسيارات المفخخة وانواع اخري من الاسلحة الفتاكة التي قضت علي الحياة في العراق الذي يزدحم بالشهداء الابرياء وكذلك بالقتلة المجرمين واللصوص ومحاصر بالاغتيالات والاختطاف والابتزاز والتهجير بسبب الجهل والتعصب الطائفي، ولم يعد للانسان العراقي اي اعتبار، ولا اية حرمة ولم يبق للانسانية اية معان نبيلة او قيم اخلاقية سامية.

وفي المحصلة نكتشف بان ابناء الوطن هم اعداؤه ابناؤك هم اعداؤك يا وطني….. وبالتالي ستنتشر الفوضي ويعم الفساد والدمار في الوطن سقط الزمان واهله يتسابقون للابتذال يتبجحون بانهم نصروا الحرام علي الحلال فان نظرت الي اليمين وان نظرت الي الشمال اكوام مسحوقين لا في الجسم لكن في الخصال هذا زمان لا يعين ولا يعان باي حال اذنابه عدد الحصي وذئابه عدد الرمال….. ينتعش الوطن عندما تنتشر المحبة بين ابنائه، وتصفو النفوس، وتنجلي الاحقاد والضغائن من القلوب، ويسعد عندما يسود العدل وتتحقق المساواة وتعم الحرية علي الجميع.. يزدهر الوطن عندما يتألق المبدع وينجز العامل وينتج الفلاح ويجتهد الطالب، وبعكس ذلك سيصبح الوطن في خبر كان عندما يقتل المواطن اخاه في الوطن لان الوطن هو الانسان. حسني ابو المعاليفنان تشكيلي من العراق6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية