الاتحاد الاوروبي نحو بلورة استراتيجية جديدة تجاه دول جنوب البحر المتوسط

حجم الخط
0

فشل مشروع الشرق الأوسط الكبير واكتمال توسيع الاتحاد وراء التصور الجديد

مدريد ـ “القدس العربي” من حسين مجدوبي:

بدأ يتبلور مفهوم جديد في الاتحاد الأوروبي تتزعمه اسبانيا وفرنسا وايطاليا والبرتغال يهدف الي البحث عن الآليات السياسية والمالية المناسبة واجراءات الثقة لخلق علاقات متينة مع دول جنوب البحر الأبيض المتوسط ومن ضمنها المغرب العربي-الأمازيغي كمخاطب رئيسي، وكشف وزير الخارجية الاسباني ميغيل آنخيل موراتينوس عن هذا التوجه بالدعوة الي مؤسسات أورو ـ متوسطية مشتركة مثل مجلس الرؤساء والملوك وبرلمان مشترك.

ويستغل الاتحاد الأوروبي عاملين أساسيين تم تسجيلهما في السنتين الأخيرتين، الأول فشل سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ونسبيا في المغرب العربي، ثم اقتراب انتهاء مسلسل ضم دول أوروبا الشرقية الي حظيرة الاتحاد.

ففي أعقاب سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد الأوروبي، كان القلق الكبير للاتحاد الأوروبي وقتها هو كيفية مساعدة الدول التي انفلتت من هيمنة الدب الروسي علي بناء ديمقراطيات حقيقية واقتصاد قائم علي مفهوم السوق الحرة. وتزعمت المانيا بزعامة المستشار هيلموت كول سياسة الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن. وكان الخاسر الأكبر دول جنوب البحر الأبيض المتوسط التي وجدت نفسها محرومة من اهتمام الاتحاد الأوروبي ورأت كيف أن المساعدات المالية تراجعت بشكل كبير. ورغم محاولات الاتحاد الأوروبي القيام ببعض المبادرات ومن ضمنها مسلسل الحوار الأورو-المتوسطي أو ما يعرف بقمة برشلونة سنة 1995، فهذه المبادرات بقيت ترقيعية ولم تتعد تطييب خاطر دول جنوب البحر الأبيض المتوسط.

الآن، يعتقد قادة الاتحاد الأوروبي أن مسلسل التوسع نحو أوروبا الشرقية قد اكتملت حلقاته الرئيسية، وأن عمليات ضم البوسنة وجمهورية الصرب مسألة وقت فقط ويبقي موضوع تركيا الوحيد المعلق. وعليه، فالعمل الآن يتجه نحو دول المغرب العربي خاصة وجنوب البحر الأبيض المتوسط عامة.

في الوقت نفسه، الاتحاد الأوروبي مازال يراهن علي لعب دور مؤثر في السياسة الدولية، وخاصة في محيطه المباشر الذي هو المغرب العربي والشرق الأوسط. ولا يخفي الأوروبيون باستثناء البريطانيين، ارتياحهم لفشل مشروع الشرق الكبير الذي بشر به الرئيس الأمريكي جورج بوش منذ ثلاث سنوات، ويعتبرون أن تورط الولايات المتحدة في العراق ومناشدتها الحوار مع ايران وسورية كما جري في قمة شرم الشيخ مؤخرا من علامات التراجع الأمريكي. ويعتبر الأوروبيون، وفق الكثير من تقارير المعاهد الاستراتيجية ومقالات الصحف أن الوقت حان لتصبح أوروبا المخاطب السياسي والأمني والاقتصادي الرئيسي للعالم العربي أو علي الأقل لدول جنوب البحر الأبيض المتوسط. ونشرت جريدة آ بي سي الاسبانية مقالا للباحث ألبيرتو سوتيلو منذ أيام يؤكد فيه أن الاتحاد الأوروبي لم يكن يتوفر علي سياسة تجاه المغرب العربي، والآن بعد فوز ساركوزي حان الوقت للتخطيط لسياسة موحدة.

اضافة الي هذه التغييرات الاستراتيجية التي شجعت الأوروبيين علي التفكير في دول جنوب البحر الأبيض بصورة مخـــتلفة عن الماضي، هناك القلق الشديد من بعض الظواهر التي أصبح مصدرها هذا الجنوب، وعلي رأسها الهجرة السرية التي عادت بقوة هــــذه الأيام والارهــــاب. وعلاقة بالهجرة، فالاتحاد الأوروبي يرغب في يد عاملة ولكن بدون فوضي قوارب الهجــــرة السرية التي تصل يوميا الي شواطــــئ ايطاليا واسبانيا. ولمواجهة هذه القوارب اتخذت المفوضية الأوروبية منذ أسبوعين قرارا بنشر ما يمكن تسميته درعا واقيا من القوارب في مجموع جنوب البحر الأبيض المتوسط والواجهة الأطلسية عبر نشر عشرات السفن الدائمة المعززة بطائرات المراقبة. في حين أن الارهاب تحول الي النقطة الرئيسية في أجندة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية للدول الأوروبية التي تشعر بخطر حقيقي قادم اذا لم تستطع تدارك الأمر.

وكشف وزير الخارجية الاسباني ميغيل آنخيل موراتينوس عن الاستراتيجية الأوروبية التي يمكن تطبيقها مستقبلا في حالة مصادقة الاتحاد الأوروبي عليها، وتهدف الي اقامة مجتمع أورو ـ متوسطي يتضمن ما يلي.

مؤسسات شبيهة بالتي توجد في الاتحاد الأوروبي، أي مفوضية أورو متوسطية.

مجلس أورو ـ متوسطي يضم ملوك ورؤساء الدول والحكومات الأوروبية والمتوسطية للبث في القضايا السياسية الاستراتيجية التي تهم المنطقة، ويجري اجتماعاته بشكل دوري.

لجنة سوسيو ـ اقتصادية يكون من مهامها الاشراف علي تطبيق منطقة التبادل الحر المرتقبة لسنة 2010. التشجيع علي اقامة فضاء للحريات السياسية والحقوقية.

وانشاء مجلس برلماني أورو ـ متوسطي يضم نواب عن الدول الأوروبية وجنوب البحر الأبيض المتوسط، يكون مجالا لبعض التشريعات المشتركة وفضاء للحوار. في الوقت نفسه، ورغم الاتهامات بميله للادارة الأمريكية، فالرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي كشف في حملته الانتخابية عن تصورات قريبة من تلك التي كشف عنها موراتينوس من خل ما يسمي الاتحاد المتوسطي، وبدوره رئيس الحكومة الايطالية رومانو برودي تحدث عن مقترحات في هذا الشأن خلال المدة الأخيرة.

اسبانيا وفرنسا وايطاليا وحتي البرتغال بدأت تشكل لوبيا حقيقيا للدفاع عن دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، حيث تعتبر أنه بعد مهمة تطوير أوروبا الشرقية جاءت المهمة التاريخية بتطوير جنوب المتوســـــط لأنه في ذلك تعزيزا لأمن الاتحاد الأوروبي. رئاسة البرتغال للاتحاد الأوروبي ابتداء من بداية تموز (يوليو) المقبل، ستكون نقطة انطلاقة هذه السياسة الأوروبية الجديدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية