أحمد الزعتري
عمّان ـ بدا واضحاً أن عادل قرشولي لم يأت إلي الأردن بعد خمسين عاماً ليدافع عن رؤيته في الترجمة والشعر، ففي الحوار الصحافي والأمسية التي تلته في عمّان بتنظيم من معهد غوته ودار أزمنة بالتعاون مع بيت تايكي ظهر قرشولي وكأنه ليس مسكوناً بنوستالجيا مستهلكة؛ إنه مزدوج الشخصية كما يقول.
فكيف يمكن لسوري كردي أن يؤسس لشخصيته الألمانية في ظل نظام ألمانيا الشرقية ومكاتب الاستخبارات السرية التي جندت آنذاك 4 من كل 10 ألمان شرقيين لحسابها ضد الـ 6 الباقين. قد تكون الاشتراكية ذات مفهوم شعبوي إلي الحد الذي يجعل من تنظيم الذين يحملون فكراً قريباً أمراً عادياً، لكن الأمر يتعدي ذلك إلي الثقافة في حالة قرشولي، فهل يمكن لألمانيا الموحدة الآن أن تحتضن كاتباً بالشكل الذي فعلته ألمانيا الشرقية في الستينيات؟ يبدو أن الأمر مرهون بتجربة شخصية لا يمكن حصرها في هذا الإطار، خاصة مع وجود كتاب مثل رفيق شامي الروائي السوري المتواجد في ألمانيا من أكثر من ثلاثين عاماً والذي يكتب بالألمانية، واليابانية يوكو تاوادا التي تكتب بالألمانية أيضا منذ الثمانينات.
إذ تقول تاوادا هناك أكثر من أربعمائة شاعر أجنبي يكتب بالألمانية، وليس كلهم معروفين أو مهمين. ولكن الألمان يقبلون أي مبدع قادم من ثقافة أخري، فهذا السياق جزء من الثقافة الألمانية المعاصرة.
بينما لم يستقطب العالم العربي الحديث إلا شاعراً صينياً اسمه أحمد جان عثمان طرد مؤخراً من سورية.
وكان الناقد فيصل دراج قدم قرشولي بقوله أن المدخل الأكثر بساطة لتقديم الشاعر هو ذكر ألقابه، فهو الشاعر الذي رأي في قصيدته مستقبلا يخلقه البشر ويكون علي مستوي توقعاتهم، والذي يحاور ثقافتين متباعدتين بلغتين. وهو الناقد المسرحي الذي اكتشف الإبداع المسرحي عند بريشت وترك فيه أثرا مستمرا علي المستوي الإبداعي. وهو الأستاذ الجامعي الألماني و المترجم الذي أسهمت ترجماته في إعادة اكتشاف الجمهور الألماني لمحمود درويش.
في عمّان، قرأ قرشولي القصائد ذاتها التي أبهرت الألمان في مدينة لايبسيغ في شبابه، حين اكتشف أن صور شعره الغريبة هي التي أثرت بهم وليس شعريته ذاتها، فقد حملت رمزية الشرق وغرابته ورمانتيكيته. وحاول، علي ما يبدو، من خلال قراءة تلك القصائد التي تعود إلي الخمسينيات من القرن الماضي، إيصال حميمية شعر بها آنذاك إلي جمهور ضم العديد من المثقفين والشعراء والكتاب، ممن توقعوا أن يأخذهم قرشولي إلي أسرار الشعر الألماني، إلا أنه فضل أن يبدأ بقصائد قديمة تتحدث عن غربته المبكرة إلي أن وصل إلي المرحلة المتوسطة في شعره بقصائد منها قصيدة عناق خطوط الطول:
في الهذا وفي الذاكفي اللاهنا واللاهناكأين أنا في وطن؟.. بلغتين تصاغ الجملة.
يداي تمسكان بالأشياء في عالمين.
أمي تتحدث معي في الحلم بالألمانية، وبالعربية تكلمني زوجتي الساكسونية.
من خط طول إلي خط طول تقفز خفيفة القدمين أحلامي.
من خط طول إلي خط طول تمتد فيشجرتي الأغصان.
وثمة وشم علي كل زهرة تتفتح في غصنوشمٌ حفرته قوافل شمسلم تزل تنبض في عروق الشجرة… أواه يا خطوط الطوليا غصونافي شجرة الزيتون والسنديانتعانقي أكثروأكثر في ذاتي.
عاش قرشولي، الحاصل علي الدكتوراة عن أطروحته حول مسرح بريشت، جدلاً ذاتياً بين الأنا والأنا والأنا والآخر، بين الرمزية والمباشرة، بين الرومانتيكية والاشتراكية والجدلية الماركسية، حتي أنقذه النفري بطريقته في المواقف وكتب مجموعة هكذا تكلم عبد الله: أسلوب النفري أعطاني المفتاح، فخاطبت نفسي وموضعت ذاتي في الخارج وجعلتها تخاطب ذات الداخل، فأصبحت القصيدة مناجاة تمكنت من خلالها أن أناقض نفسي وأجادل بصورة شعرية وليس معرفية فقط.
فعندما هاجر إلي ألمانيا الشرقية احتضنته مدينة لا يبسيغ، وشارك بـ الموجة الشعرية في العام 1963، وهي الحركة المضادة التي أسست لمكانة الفرد في مجتمع اشتراكي بحت، حتي أصبح قرشولي ذروة الأمسيات الشعرية. وكان بيان تلك الموجة قصيدة للشاعر براون عنوانها جاز، اشتبكت مع مفهوم موسيقي الجاز، حيث تنفرد كل آلة بصوتها الخاص وحريتها في الأداء. بدأت هذه الموجة الشعرية من المصانع والحدائق والجامعات إلي أن أصبحت حركة ثقافية أنتجت كبار الشعراء في ألمانيا الآن، مثل فولكر براون وسارا كريش وغيرهم.
وأصبح عليه آنذاك أن يعيد إنتاج نفسه عندما أتي محمّلا بالصورة العربية والأيدلوجية الماركسية الجدلية، ومتأثراً بالرومانتيكية والرمزية التي كان نزار قباني وبديع حقي وآخرون يمثلونها، فاصطدمت بالقصيدة المباشرة في الشعر الألماني، وصدمت بـ بريشت فلم أعد أعرف كيف أكتب الشعر.
ولم يشعر قرشولي بالحاجة للدفاع عن رداء الصوفية الذي يحاول من سطح هذه الحالة إلباسه إياه، بل يقول أنه استفاد في ثقافته من قراءاته في التصوف الإسلامي والمسيحي واليهودي والهندوسي، مع المحافظة علي الثنائيات التي يتبناها في فكره، فلا يلغي طرف آخر ولا يذوب فيه، بل يتكيف معه، وهذا ينسحب عنده علي الأفراد والمجتمع. أراد قرشولي أن يكون مثقفاً مؤثراً في البنية الثقافية الألمانية، فقد صار جزءا من المجتمع الألماني، متأثراً ومؤثراً بحركة التغيير التي سادت آنذاك، ومعولا علي نفسه كفرد من المجتمع يعنيه ما يحدث فيه. فترجم إلي الألمانية العديد من الشعراء العرب، وكتب بها أيضا لأنه لم ير نفسه في الترجمة، إذ بحسب تعبيره أن الترجمة تخلق نصاً موازياً للنص الأصلي، كما أن ترجمة القصيدة أصعب من كتابتها. فاللغة لها تاريخ حسي إيقاعي وليس دلالياً فقط.
وهو لا يحب شاعراً بكل أعماله بل قصائد لا أومن بوجود الصوت الأوحد، بل أؤمن بالتعدد، حيث أنني أدرك تماما أن إنجازي متواضع أمام الصورة الشعرية الكاملة.
أثار قرشولي أسئلة تستمد طزاجتها المتجددة من علاقة اللغة بالثقافة، فاللغة يمكن اكتسابها بالتعايش، والثقافة يمكن اكتسابها بالتجربة والوعي، لكن يبقي هناك ما هو أعمق من ذلك؛ تبقي ذاكرة اللغة بفتنتها وتأويلاتها، الأمر الذي يضع ثقافة ما بمواجهة ثقافة أخري، لكن الفرق في من يستطيع التأثير في الآخر انطلاقاًً من ثقافته الخاصة.
شاعر من الاردن