شكري الصيفي
شدني اخيرا ما انجزته القناة الفضائية العربية حول بورقيبة من فيلم وثائقي، امر حفزني لطرح الافكار التالية حول الزعيم بورقيبة، وليس سهلا بالمرة ان تكتب في هذا الشان لتشعب مسارات هذه الشخصية التونسية /المغاربية / العربية وسجاليتها.
وكذلك لكثرة ما كتب وانجز من مقالات وكتب وندوات حولها، علي ان ذلك قد يوفر قدرا كبيرا من الافكار والآراء التي تساعد في سبر اغوار هذه الشخصية المتميزة، ولكنه من جهة اخري، قد يسقطنا في حالة من الترقب والتأرجح باعتبار ان ما كتب حول بورقيبة كثيرا ما يطرح مواقف متناقضة، بين مؤيد حد الايمان بكاريزما ميتا تاريخية لهذه الشخصية، وبين منتقد لبورقيبة باعتباره مغتربا في هويته، وبين هذين الموقفين ترصد كثيرا من وجهات النظر الاخري المعتدلة والتفهمية. في سياق مواز لا بد من الاشارة الي مبادرة فريدة لعدد من الشخصيات التي عملت مع الزعيم الراحل وبعض اصدقائه من الخارج منذ اكثر من سنة، الي تأسيس جمعية تعني بالتراث البورقيبي. من جهة اخري، كما اعتنت الحكومة التونسية بهذا الرمز الوطني، خاصة من خلال اقامة متحف يهتم بتاريخ الزعيم بورقيبة بتونس العاصمة. وكذلك من خلال احياء ذكري وفاته السنوية بشكل رسمي، بروضة آل بورقيبة بمسقط راسه بالمنستير والاحتفاء بمختلف منجزاته الاجتماعية والثقافية الاخري مثل مجلة الاحوال الشخصية وغيرها.
كل ما ذكرناه، وبصرف النظر عن طبيعة اهداف القائمين عليه والفاعلين فيه، فانه يعتبر تاصيلا وتاريخا جديرا بالنظر، لانه يندرج ضمن مسار المحافظة علي تراث الشخصيات الوطنية واحياء احداث تاريخية مضت. خاصة وان الزعيم بورقيبة يمثل احد ابرز الرموز السياسية في تاريخ تونس المستقلة والعالم العربي، وبرغم الاختلاف حول فترة حكمه وتعدد والرؤي حول المواقف التي تبناها او القرارات التي اتخذها، فهو يمثل الاب الروحي لدولة الاستقلال في تونس.
جيلنا الشاب واجيال قبلنا عرفت بورقيبة في مختلف مراحل حياته السياسية متمردا ومتوثبا رغم حالة العجز التي وصل اليها في آخر عهده. ومن خلال حصص التوجيهات الرئاسية اليومية عرفناه ممثلا بارعا وخطيبا مفوها يتحدث عن عائلته وعن امه بشكل خاص، يتقن رواية نضالاته والاحداث التي شهدها ابان فترة التحرير الوطني، واعيا بمغزي احاديثه واقواله حول ضرورة المشاركة والاسهام في معركة تشييد وبناء الدولة العصرية علي حد قوله. كما شاهدناه في آب (اغسطس) من كل سنة في مسقط راسه بالمنستير اين تنتظم احتفالات عارمة لاحياء ذكري ولادته. مشاهد عدة رابطها الاساسي هو بورقيبة، وهي رغم تكرارها الممل احيانا فانها تبقي عالقة في مخيلة هذه الاجيال المختلفة وذاكرتها.
اما عن الذاكرة التاريخية للزعيم بورقيبة، فانني احبذ ان ابدأها بما اورده الكاتب التونسي الصافي سعيد في كتاب متسلسل عنوانه بورقيبة آخر البايات نشرته صحيفة الزمان اللندنية منذ خمس سنوات تقريبا، وترتقي هذه الحادثة المذكورة الي فترة العشرينات عندما كان بورقيبة تلميذا وممثلا مسرحيا واثناء ادائه لأحد المشاهد قام باقتناص قبلة جريئة من الممثلة والمطربة حبيبة مسيكة. نذكر هذه الحادثة كمثال علي الجرأة الاستثنائية لهذه الشخصية، علي ان هذا الحدث مثل غيره من الاحداث الموضوعية او الذاتية الاخري يمثل تعبيرا عميقا عن مواقف يتقاطع فيها التمرد بالحنكة والصبر بالطموح.
هكذا تبرز شخصية بورقيبة، شخصية طريفة ومتمردة وواثقة من نفسها. ويذكر احد رفاق بورقيبة السياسي الباهي لدغم في هذا الصدد، حادثة جرت في بدايات الخلاف اليوسفي-البورقيبي، بانه عندما حاول اقناع صالح بن يوسف بالمشاركة في مؤتمر الحزب الحر الدستوري بصفاقس سنة 1955 اعلمه هذا الاخير بانه لا يستطيع الحضور لصعوبة منافسة بورقيبة في استقطاب الناس والسيطرة علي مواقفهم وعواطفهم، علي ان اضافة عامل موضوعي تبدو مهمة لتبين ملامح الصورة ككل، وهو ان بورقيبة قد اعد مختلف شروط النجاح السياسي لهذا المؤتمر كما لغيره من التمفصلات السياسية والثقافية في تونس، سواء من خلال بناء تحالفات سياسية مع اطراف فاعلة ومؤثرة مثل اتحاد الشغل وغيره من المنظمات الوطنية او باختيار الزمان والمكان المناسب لتفجير قنابله السياسية و دك خصومه. في مثل هذه الظروف تصبح الكاريزما الي حد كبير احد عوامل هذه السيطرة واستقطاب الجماهير، وغالبا ما ننتقل الي سياق ايديولوجي يتميز بديماغوجيا عبادة الشخصية La culte de la personnalitژ. لذا فانه عندما نؤكد علي استثنائية هذه الشخصية وقدرتها علي توظيف محيطها الانساني/الاجتماعي وسرعة بديهتها في اقتناص اللحظة التاريخية المناسبة، لا نعني بذلك البتة التقليل من قيمة واهمية بقية الزعامات السياسية والتاريخية او تهميشها بل نسعي الي تبين مواقف قد تغيب او تتواري في بعض الاحيان.
فهل هو الحظ ام الصبر؟ ام انها جملة هذه العوامل الذاتية والموضوعية التي قادت الي تشكيل شخصية بهذا الحجم وبهذه الكاريزما؟
ويبدو من المؤكد الآن، ان زعامة بمثل هذه الاهمية تتطلب، فيما تتطلب، مقاربة تاريخها النفسي، وهو مبحث يبدو ضروريا للتعرف علي مسار هؤلاء الزعماء الاستثنائيين في انتصاراته وفي خيباته.
واجمالا يمكن القول ان مسار بورقيبة نحتته الي حد كبير التجربة الشخصية والذاتية، كما بنته قوة حضور شخصيته وهيمنتها داخل المشهد التونسي العام. صورة هذا الزعيم وصلتنا من مريديه ومسانديه ورفاق الطريق الذين انشقوا عنه وكذلك من خلال معارضيه من اليسار واليمين، فعلي امتداد ثلاثة عقود من حكمه، كان جزء من هذه الصورة ينقل بشكل متقارب الي حد كبير من طرف كل هؤلاء، متفقين علي انه كان يمثل سلطة/مرجعية روحية ابوية اساسية في تاريخ تونس المعاصر مختلفين حول طبيعة ممارسته السياسية واستراتيجياته.
ومن المؤكد ان الزعيم بورقيبة كان يعتبر نفسه باني تونس الحديثة بدون منازع، ورغم ما يستبطنه هذا القول من نزعة تملكية عالية، فان شخصية بورقيبة بقيت اثيرة لدي مختلف شرائح التونسيين نخبا وجماهير، سلطة ومعارضة. علي ان بعض المآخذ التي سنشير اليها لاحقا بدت لدي الكثيرين من السلبيات الرئيسية لبورقيبة. ولعل اهمها علاقة بورقيبة بالهوية العربية الاسلامية و اجتهاداته الجريئة وتحرره الذي رأي ويري فيه البعض انفتاحا مبالغا فيه. ويذهب الكاتب الصحافي الفرنسي Jean LaCouture الي القول بانه لم ير رجلا اقل عروبة من بورقيبة في العالم العربي ولا اكثر فرانكفونية منه، قول يبقي نسبيا الي حد كبير فعلي رغم لائكية بورقيبة وفرانكفونيته، الا انه لم يكن بمثل عنف كمال اتاتورك في سلبه للهوية الاسلامية للشعب التركي، ولا هو بمثل فرانكفونية ليبولد سيدار سنغورSenghor Lژopold في التباسها بالسياق الثقافي الفرنسي الغربي. صحيح ان بورقيبة احدث قطيعة سوسيو- ثقافية عميقة كانت بمثابة الصدمة للمجتمع التونسي التقليدي الذي لا يزال في وضعية ما قبل حداثة، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا Une situation Poste Moderne بحسب التوصيف الانتروبولوجي، وقد يبدو قول البعض بان بورقيبة تعسف، الي حد كبير، علي المجتمع التونسي في محاولة نقله الي فضاء الآخر تحول كثيرا ما بشر به في مواقفه. ها هنا تبدو الرجة التي احدثها بورقيبة في هذا الكيان العتيق، بدءا باعلان الجمهورية علي انقاض السلالة الحسينية التاريخية التي هيمنت علي الحكم قرابة قرنين والنصف وبالتالي ضرب البني السياسية الارستقراطية الاقلوية، ثم اصداره لمجلة الاحوال الشخصية لمحاصرة الهياكل الاجتماعية القديمة، ورهانه المطلق علي نموذج التعليم الغربي الحديث، في موازاة مع تحجيم التعليم الزيتوني وسعيه الي تحديثه بشكل فوقي، كما منع ايضا التعليم الديني اليهودي والغي الاحباس ومنع كل المظاهر الدينية البارزة، مناديا بفكرة الامة التونسية الجديدة، محاولا تجذيرها تاريخيا وثقافيا، معتمدا نزعة انتقائية متعسفة في كثير من الاحيان، ولكنه من جهة اخري، كان في صميم الاطار العام للمشروع الاصلاحي التونسي، اي انه لم يخرج عن الثوابت والمحاور الكبري لرموز مثل: خير الدين وسالم بوحاجب والطاهر الحداد والطاهر بن عاشور وعبد العزيز الثعالبي… وغيرهم، لأن المسالة مع بورقيبة اصبحت تتعلق ببناء الدولة في ابعادها المختلفة وليست مرتبطة بمشروع حضاري فقط. وعندما يتعلق الامر باعادة بناء النموذج الوطني متمثلا في الحزب الجديد ثم الدخول في تجربة تأسيس كيان سياسي محدث، فان الامر مختلف الي حد كبير. ورغم ما قد يوجه من نقد لهذه التجربة ومناقشتها، ومهما يكن من امر صواب او خطأ هذه الافكار وصحة تطبيقاتها علي الواقع التونسي اثناء تلك الفترة، فان بورقيبة لم يكن المسؤول الوحيد عنها، فالنخبة/التشكيلة السياسية والاجتماعية الحاكمة كانت لها استراتيجياتها التي تسعي لتنفيذها. كما ان هذه التجربة لا تختلف عن تجارب حكم اخري في العالم العربي، ولكل تجربة خصوصياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما لها سلبياتها وايجابياتها.
في هذا الاطار، يؤاخذ كثير من الاسلاميين والعروبيين علي التجربة البورقيبية باعتبارها معادية للعروبة والاسلام، وقد يكون هذا الامر صحيحا الي حد ما، ولكنه يبقي مسألة نسبية في الممارسة السياسية. ويمكن ان نسوق في هذا الاطار النقاط التالية:- اولا: ان هوية تونس في بعديها العربي والاسلامي ظاهرة عميقة، وهي نتاج لتراكم سوسيوتاريخي بنيوي، ولا يمكن ان تنفيها او تؤكدها السياسات الظرفية، لانها ترتبط بمسار اشمل يندرج ضمن التاريخ الثقافي والاجتماعي وتاريخ الذهنيات. وكل التغييرات والتحولات التي تطرأ علي هذه الهوية تكون بالاساس هيكلية ولا تتوافق بصفة مطلقة مع التاريخ السياسي القصير. بل انها قد تتناقض في احيان كثيرة مع مسار تغير الانظمة السياسية.
ومن الاهمية بمكان ان نتناول امثلة تبرز استحالة استئصال او تفسخ الهويات الثقافية المرجعية للشعوب في الفضاء العربي الاسلامي او غيره كنتاج لفترة سياسية وقعت فيها محاولة انتاج مرجعيات اخري، ظاهرة غالبا ما ادت الي بروز ما يطلق عليه بعض الدارسين اعادة انتاج وتاسيس الهويات الجديدة التي قد تلتبس بالعنف والتشدد في حضورها في المشهد السوسيوثقافي. * المثال الاول يتعلق بالتجربة التركية الحديثة بعد انهيار الخلافة العثمانية عندما حاول الزعيم كمال اتاتورك استئصال الهوية الاسلامية للشعب التركي لصالح خيار الحداثة المطلقة الذي تبناه، ووصل الامر آنذاك الي حد تغيير محاور رئيسية في بنية الهوية التركية ومرجعياتها مثل الاحرف العربية للغة العثمانية والاسماء والسلوك اللباسي، ولكن ما محصلة هذا الامر، مرحلة جزر عرفت تقوقع هذه الهوية ثم مرحلة بروز تيار عريض يتبني الهوية. * المثال الثاني يتعلق بالتجربة الجزائرية مع الاستعمار الفرنسي وتكريسه لمقولة الجزائر الفرنسية، علي مدي اكثر من قرن وربع من الاستعمار، موازاة مع محاولات غرس الثقافة الفرنسية المطلقة وخلق نخب جزائرية متفرنسة شكلا ومضمونا في الجزائر، فهل استطاع دعاة تطبيق النموذج الفرنسي في الجزائر تذويب او اختراق الثقافة الجزائرية ذات المرجعية العربية الاسلامية؟ في كلا المثالين تتضح ردة الفعل العنيفة والمتشددة التي غالبا ما تتبني الافكار والنزعات ذات المرجعيات الدينية او الاثنية.- ثانيا: الدولة الوطنية المستقلة في تونس، كما في المنطقة العربية ككل، نشأت في ظل صراع ايديولوجي وجيواستراتيجي علي المستوي الدولي، ولم تكن لها الكثير من الخيارات اثناء فترة الحرب الباردة. كما ان الزعيم بورقيبة رغم اعلان انتمائه للمعسكر الغربي الحر، فانه حاول علي ما يبدو المناورة ليترك هامشا من الحرية لتونس. وهو لا يختلف في هذا الامر عن الزعيم جمال عبد الناصر الذي انتمي بصفة غير مباشرة للمعسكر الاشتراكي الشرقي. الفرق بين هذين الزعيمين، ان بورقيبة حاول بناء وطنية تونسية رغم اغراقها في المحلية فانها اثبتت واقعيتها الي حد كبير.
اما بالنسبة لعبد الناصر فانه حاول بناء الوطنية القومية العربية التي تتوفر علي قدر كبير من الطموح والارادة، ورغم ما آلت اليه هذه التجربة والتقاء العوامل الموضوعية الاقليمية والدولية في تقليص النجاح الذي حققته النخب السياسية المصرية الجديدة الحالمة التي قادت الثورة، سواء فيما يتعلق بالوضع الداخلي او بالعلاقات الخارجية، علي انها تبقي، رغم سلبياتها، تجربة رائدة في المجال العربي والاسلامي.
مع التاكيد علي ان الفترة الناصرية كانت احدي المراحل التأسيسية في بناء مصر المعاصرة والتي اتت بعد مرحلة التأسيس السياسي الحديث، مع محمد علي باشا وابنائه، لبناء مشروع نهضوي نموذجي في المنطقة العربية. وعلي الرغم من نجاح القوي الاستعمارية في اجهاض التجربة المصرية المبكرة، وتقسيمها لتركة الرجل العثماني المريض كمجال حيوي للقوي الغربية الاستعمارية الصاعدة فان مصر بقيت دولة قاعدة لبلورة البعد العربي الاستراتيجي، علي الرغم من التاثيرات اللاحقة لتاسيس الكيان الاستيطاني اليهودي في قلب المنطقة العربية. – ثالثا: ان مسألة الديمقراطية لم تكن مطروحة لا في المنطقة العربية ولا حتي في عدد كبير من الدول الغربية وخاصة بالمنطقة المتوسطية، اين تسود الديكتاتوريات العسكرية في اليونان، اسبانيا، تركيا.. وغيرها. كما تسود المركزيات السياسية كالديغولية في فرنسا. فظاهرة الحزب الواحد والحاكم الواحد كانت آنذاك سائدة علي المستوي العالمي. كما ان الحركة الديمقراطية كانت محتشمة، اذ لم يكن الصراع بين القطبين يسمح بهامش كبير من الاستقلالية بالتالي فان التعددية السياسية لم يكن لها صدي كبير، سواء في تونس او في المنطقة العربية.
ختاما رغم صعوبة الالمام بكل جوانب فترة الحكم البورقيبي وتواتر الاسئلة التي لا تزال تلف عديد الاحداث، اضافة الي تشعب مسار الفاعلين السياسيين وصمتهم في بعض الاحيان، الامر الذي يجعل من الضرورة بمكان ان تتم دراسة مجمل هذه الاحداث والشخصيات بالاعتماد علي عنصري التواصل والقطيعة، فان شخصية الزعيم بورقيبة تبقي، رغم مآخذها، حدثا فارقا في تاريخ تونس المعاصرة رغبنا في ذلك ام لم نرغب، وهو متواصل الي اليوم في شكل نوستالجي Nostalgique وعاطفي، كما انه حاضر بقوة في مؤسساتنا السياسية والثقافية وفي ذهنيات النخب والناس سواء في السلطة او في المعارضة.
ہ كاتب من تونس8