ريموند كارفرترجمة صالح دياب
الغرفة الصغيرةكان هناك انتقام كبيرالكلام يطير كحجارة عبر النوافذ.
كانت تصرخ، تصرخ، كملاك يوم الحساب.
ثم تنبثق الشمس ويقطع السماءَ الصباحيةَ خيط من الدخان.
في الصمت فجأة، تجد الغرفة الصغيرة نفسهافي شكل غريب وحيدة، بينما هو يمسح دموعها.
تصير مثل كل الغرف الصغيرة علي الأرض التي لا يستطيع الضوء أن يغمرها.
غرف، حيث الناس يصرخون و ينجرحون.
ثم يشعرون بالألم، والوحدة.
و الريبة، والحاجة إلي المواساة.
شبكة العنكبوتمنذ بضع دقائق، خرجت إلي باحةالبيت العائم.
من هنا بإمكاني سماع الماء، وما حصل لي خلال كل هذه السنوات.
كان الهواء حارا وساكنا.
والبحر في أقصي الجزر. لم يكن حتي عصفور يغني.
بينما أستند علي الدربزينشبكة عنكبوت لامست جبهتي.
و دخلتْ في شعري.
لا أحد يمكنه تأنيبي إذا علي دخولي. لم تكن هناك ريح.
البحر كان مزيّتا.
علّقتُ شبكة العنكبوت علي غطاء المصباح.
حيث أراقبها تهتز من وقت إلي آخر عندما تلتقي بها أنفاسي.
خيط رفيع. معقد.
سريعا، قبل أن ينتبه كائن من كان إلي ذلك. سأكون قد ذهبت.
خشبة طوافة والدي أمام الموقد بقلايةٍ تحتوي علي أمخاخوبيض. ولكن من عنده الشهيةهذا الصباح؟ أحس أنني خفيف بقدر خشبة طوّافة.
شيء ما قيل للتو.
أمي هي التي قالته.
ماذا هناك بالضبط.
؟ شيء ما، أراهن عليه مقابل النقود.
سأقدم مساهمتيإذا لم آكل.
والدي يستدير نحو الموقد. إنني في قعر الحفرة.
لا تدفعني أكثر.
الضوء يهتز ضعيفا عبر النافذة.
شخص ما يبكي.
آخر ما أتذكره هو رائحة الأمخاخ والبيض المحترقين.
كلّ الصبحيةمرميةُ بالمجرفة إلي القمامة و ممزوجةبأشياء أخري.
بعد قليل من الوقتأنا وهو نسير، نحو المزبلة العمومية علي مسافة خمسة عشر كيلو مترا.
لا نتكلم، نقذف الأكياس والكرتونإلي ربوة رمادية.
جرذان توصوص.
تنفخ خارجة من جوال نتنٍ.
البطون منتفخة.
نركب في السيارةكي نراقب النار والدخان.
المحرك يشتغل.
أحس بدبق الطائرة علي أصابعي.
ينظر إلي ّ بينما أقرّبُ الأصابع من أنفي.
ثم يشيح بوجهه عني، باتجاه المدينة.
يريد أن يقول شيئا ولكنه لا يقدر.
في هذه الأثناء بدأت أفهم كيف بالإمكانأن نكون في مكان، وفي مكان آخر في الوقت نفسه.
بلاد ما بين النهرينمستيقظا قبل الفجر، في بيت ليس ليأنصت إلي صوت الراديو ينبعث من المطبخ.
خلف النافذة يسير الضباب علي غير هدي بينما صوت امرأة تقدم نشرة الأخبار ثم حالة الطقس.
أنصت إلي ذلك، وصوت اللحم يقرقش في التقائه مع الدهن الحار في القَلايَة.
أعيرُ السمع قليلا أيضا، نصف نائم.
يشبه و لا يشبه مثلما عندما كنت طفلا وكنت في السرير في العتمة، أنصت إلي امرأة تبكيوصوت رجل يرتفع، من الغضب واليأس، علي كلٍ كانت الراديو مشتغلة.
ما أسمع هذا الصباح، هنا، هو رجل البيت يسأل، كم صيفا تبقي لي؟
أخبريني؟. المرأة لا تجاوب بشيء مفهوم.
لكن منْ يمكنها أن تردّعلي سؤال كهذا؟ بعد دقيقة، أسمع من جديد الرجل يتكلم عن شخص أظنأنه رحل منذ زمن طويل. (هذا الرجل كان بإمكانه القول يا بلاد ما بين الرافدين! فتغرورق عيون مشاهديه بالدموع). أقفز من السرير وألبس بنطلوني.
ثمة ما يكفي من الضوء في الغرفة كي أريأين أنا، في النهاية.
قبل كل شيء، إنني راشدٌ، وهؤلاء الناس أصدقائي.
أمورهملا تمشي علي ما يرام، في هذه الأوقات.
أو أمورهم أفضل أكثر من أي وقت مضيلذلك ينهضون باكرا، ويتكلمون عن أشياء لا غني عنها بقدرالموت وبلاد ما بين الرافدين.
أن يكون هذا أو ذاك، أشعر أنني مجذوب إلي المطبخ.
حيث تحصل أمور كثيرة غامضة و مهمة هذا الصباح.
حيث كانا يعيشانفي كل مكان ذهب إليه ذلك النهار كان يمشي في ماضيه الشخصي. مقذوفا خلال كمٍمن الذكريات. ناظرا عبر نوافذ لم تعد له.
عمل، فقر، احتيال.
في ذلك الزمن، كانا يصنعان ما يريدان، مقررين ألا يقهرا.
لا شيء كان بإمكانه اعتراضهما. وهذالوقت مستقطع.
في غرفة فندقٍ علي الطريق العامتلك الليلة، في الساعات الأولي من الصباح.
أزاح الستارة.
علي منظر الغيوم تتجمع حول القمر.
انحني علي الزجاج.
كان الهواء البارد يعبرويضع يده علي قلبه.
أحببتكِ، فكّر.
يا حبيبتيقبل أن أتوقف عن حبكِانتظارتأخذ اليسار تاركا الاوتوستراد وتنحدر من التلّةِ.
تصل إلي الأسفل، من جديد إلي اليسار.
تابع الذهاب إلي اليسار. الطريقيصنعُ مفترقا.
إلي اليسار أيضا.
يوجدُ خليج صغير إلي اليسار.
تابع.
بالضبط قبل أن ينتهي الطريق، سيكونهناك طريق آخر. اذهبْ في هذا الاتجاهوليس إلي مكان آخر. وإلا ستتهدم حياتكأبدا. هناك منزل من سيقان الأشجار بسقف من ألواح الخشب، إلي اليسار.
ليس هذا المنزل.
إنهالتالي، تماما بعد المنحدر. المنزلالذي أشجاره مثقلةبالثمار. حيث تزهر الشواظة، والفرشيسيةو الآذارية.
المنزل حيث امرأةتستند علي البابوالشمس في شعرها، تلكالتي انتظرتْ كلّ هذا الوقت.
المرأة التي تحبك.
تلك التي يمكنها القول، ما الذي أخّرك َ؟ ريموند كارفر: شاعر وقاص أمريكي ولد في كلا تينسكين 1938 وتوفي عام 1988، إثر معاناته من مرض السرطان.
ينحدر من عائلة فقيرة.
عمل في مهن مختلفة سائق شاحنات، ناطورا، حارسا ليليا.
حاز علي جائزة الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب. ترجمت أعماله إلي أكثر من عشرين لغة.
يعتبر أحد أكبر الكتاب الأمريكيين في عصرنا. من مؤلفاته:
لا تعمل لي منها قصة، حدثني عن الحب، أرجوك أن تسكت، تسع قصص وقصيدة إلخ.
القصائد المترجمة من كتاب أزرق داكن.QTR