جلسة شعر الاخوانيات في جدل بيزنطي تكشف المخفي من حياة الشعراء

حجم الخط
0

شارك فيها طارق ناصر الدين، عصام العبدالله، شوقي بزيع، حسن عبدالله وجودت فخر الدين:

بيروت ـ “القدس العربي” من ناظم السيد: جلسة استثنائية بعنوان قصائد الاخوانيات نظمتها حانة جدل بيزنطي في كاراكاس، ضمن أمسياتها الشعرية التي تقيمها أسبوعياً مساء الجمعة. الجلسة كانت فكرة الصحافي والناشر والكاتب المعروف رياض الريس الذي كان جمع الكثير من هذه القصائد التي كتبها شعراء وذلك بعدما استضاف في بيته العديد من مثل هذه الجلسات. كما أشرف علي تنظيم هذه السهرة الخاصة الصديقة فاطمة بيضون إضافة إلي الشعراء المنظمين في الحانة. وشارك في هذه الجلسة كلٌّ من الشعراء طارق ناصر الدين، عصام العبدالله، شوقي بزيع وحسن عبدالله الذين قدّمهم الشاعر جودت فخر الدين. في هذه التغطية نثبّت أبياتاً عديدة قيلت في المناسبة وكان الشعراء نظموها في مناسبات مختلفة، وذلك لأهمية هذه القصائد وموقع كاتبيها في المشهد الشعري العربي. وهي قصائد تنشر للمرة الأولي بعدما كان أصحابها رفضوا نشرها من قبل لأسباب سيقدّرها القارئ بعد إتمام قراءته لهذه التغطية.

بالطبع ليس شعر الاخوانيات جديداً في الأدب العربي. هو شعر يعود تاريخه إلي ماض قديم حين كان الشعراء يجتمعون في قصور الملوك ودواوين الأمراء وفي مجالس الشرب واللهو. كما أن الكثير من هذا الشعر كُتب كنوع من المبارزة أو المداعبة أو التحبب أو حتي الهجاء. صحيح أن مثل هذا الشعر لم يشكل عصب التراث العربي لكنه جزء أساسي من هذا التراث الذي ظلَّ حاضراً من العصور القديمة إلي يومنا هذا سواء في مصر علي أيدي شعراء أمثال نجيب سرور أم لبنان علي أيدي شعراء كتبوه في أوقات لهوهم واجتماعهم كما عند شعراء جبل عامل في لبنان أمثال موسي الزين شرارة، جعفر الأمين، عبد الحسين عبد الله، الشيخ محمد نجيب مروة وآخرين. حتي شعراء الخمسينات والستينات وبينهم شعراء مجلة شعر كتبوا هذا النوع في جلساتهم المغلقة أمثال بدر شاكر السيّاب، أدونيس، يوسف الخال وشوقي أبي شقرا. في كل حال، ثمة قيمة فنية لهذا الشعر وإن كانت قيمته السياسية والاجتماعية أوضح وأكثر حضوراً. شعر كهذا يكشف في جانب منه الحياة السيــــــاسية والاجتماعية لكاتبيه بطريقة مباشرة ليس فيها مواربة، ذلك أنه شعر يقوم علي اللحظة والراهن، مستعيناً بمظاهر حياتية من زمن ناظميه، وكل ذلك بلغة تعكس مستوي الأدب في ذلك الزمن أو ذاك.

تأتي أهمية جلسة شعر الاخوانيات التي نظمتها جدل بيزنطي كونها أقيمت في وقت تشهد فيه بيروت حالة من التشنج والفرز والاصطفاف قلَّ نظيرها في التاريخ الحديث للبنان. هكذا تشكل هذه الحانة، التي دأبت علي استضافة الشعر يوماً في الأسبوع منذ أكثر من سنة ونصف السنة، جزيرة في هذه المدينة المنقسمة إلي شوارع وطوائف وأحزاب وربما ثقافات مختلفة. حانة تُعدُّ علي ضيقها مكاناً رمزياً لحيوية العاصمة اللبنانية وقدرتها علي إشاعة الفرح وتنشيط الثقافة وإحياء الأدب في وقت ينشغل فيه الجميع- سياسيين وجماهير ـ عن التأدب.

تقديم لاختبار الشعراءإذاً، قدّم جودت فخر الدين الشعراء الأربعة بحادثة تدحرج هيثم الأمين (أستاذ جامعي في الأدب العربي وأحد روّاد جدل) من أعلي الجبل في بلدته الجنوبية الصوّانة فانكسر إبطه. عندها كتب حسن عبدالله في هذه الحادثة شعراً: تلقتك في شوق المحبين رجمة/ فضمّك منها ساعدان وباطُ/ وهل يتأذي سيد وابن سيد/ أخو سيد بالسيدات محاطُ/ يسارك ما زالت يسارك في الندي/ وإن لفّها تحت القماش قماطُ/ وأنفك ما زال الأشم كعهده/ وهل يلجم الأنفَ الأشمَ رباطُ/ فما عابه خيط الطبيب بعالم/ به بعضُ أفواه الأنام تخاط. ثم ألقي فخر الدين قصيدة نظمها لهذه الغاية ومنها: والآن لا أبغي هنا تقديمهم/ لكنني ألقي بهم في المعمعة/ لو قيل لي قدّم إلينا واحداً/ لأبيتُ معتذراً فكيف بأربعة/ كلٌّ يقدّم نفسه في شعره/ فيكون إما فطحلاً أو إمّعة/ والشاعر النحرير يعرف أنه/ فرس الرهان فإن جري يجروا معه/ جاؤوا إليكم بالقصائد فاحكموا/ هذا شجاع بينهم أو صعصعه/ هم صحبتي لكننا في الشعر لا/ نرجو مجاملة أو منفعة/ في الشعر نطري من يجيد ومن يسيءْ/ نفتكْ به فتكاً ونلعن مركعه. وبعد هذا التقديم الشعري انتقل في القصيدة نفسها واصفاً هؤلاء الشعراء في مقهي كافيه دو باريس حيث يجلسون يومياً: حسنٌ (أي حسن عبدالله) به نجم خفيف ظله/ مستنفرٌ، إن قيل شيء زعزعه/ ويخوض في موضوعه لا يرتجي/ إقناعنا أو يرتجي أن نقنعه/ يهوي الجدال بذاته ويحب إنْ/ راجعته في الأمر أن يسترجعه/ وتراه يحكي في العلوم وفي النجو/ مِ وينبغي مستسلماً أن تسمعه/ أما السياسة فهو فيها هائج/ أبداً ولا تدري الذي قد أزمعه/ في مجلس المقهي عصام (العبدالله) قابعٌ/ هو ركنه والوقت كأس مترعة. وختم جودت بالكلام علي الشعر والشعراء: والشعر تهذيب النفوس فكيف أ/ مسي للعضاريط السفيهة مزرعة/ في كل يوم تلتقي بشويعر/ يهديك ديواناً له قد وقّعه.

أول الشعراء الذين تناوبوا علي قراءة قصائدهم كان طارق ناصر الدين أو المير، أي الأمير، كما ينادونه بسبب اللقب الذي لحق عائلته منذ العثمانيين إلي اليوم. قصيدة ربما كانت الأجرأ تناول فيها الشاعر أصدقاءه في مقهي كافيه دو باريس ومقهي سيتي كافيه. وشملت القصيدة شعراء وروائيين وفنانين تشكيليين ورجال سياسة وحزبيين وصحافيين وأساتذة جامعيين جميعهم معروف في لبنان أو في العالم العربي علي درجات، وهم بحسب ورودهم في القصيدة، عصام العبدالله، شوقي بزيع، حسن عبدالله، رشيد الضعيف، جودت فخرالدين، هيثم الأمين، زهير غانم، علي نصّار، موسي وهبة، خليل حكيم، عباس بيضون، ناجي بيضون، فيصل سلمان، علي سرور، صفوان حيدر، علوية صبح، خيرات الزين، منح الصلح، عبد الرحمن الزعتري، حسين كنعان، عدنان شرارة، رياض الريس، فاطمة بيضون، أحمد طبّارة، فيصل الطبش، غازي قهوجي، غسان مطر، جبران عريجي، نهاد حشيشو، زهير جيباوي وهاشم قاسم (تم حذف أبيات لبعض من وردت أسماؤهم لضيق المقام) : أحبائي لقد أسستُ تاجي/ بفضل هجائكم فصفا مزاجي/ وأشعر أنني ذئب القوافي/ وأنتم تحت نابي كالنعاجِ/ عصام ولْد عبدالله يبدو/ مليكاً فوق عرش من زجاج/ إذا اصطاد العجوز جثا عليها/ كفيلٍ دون أنياب وعاج/ بكل عيونه الخمسين يزني/ كما تزني الرمال علي البِلاج / وشوقي فاق ديك الجن زهواً/ فإن كعروه قوقأ كالدجاج/ أتي حسن كشيبوب برمح/ طويل وانتخي تحت العجاج/ رشيد رشده من ساق أنثي/ صريع الهوي أضاعته السواجي/ فمفعول به زوجاً تعيساً/ ومفعول به بعد الزواج/ وجودت فاق برج المر (أطول بناء في بيروت) طولاً/ ويحلم أن يطول بلا اعوجاج/ يسائل نفسه يلقي جواباً/ وحيداً ليس بعد (عنوان آخر كتب جودت) سوي الكراجِ/ وهيثم سيد الأبوين لكن/ بلا أبويه نوريُّ النتاج/ إذا راقبته ستراه دوماً/ يعاقر أو يناقر أو يهاجي/ علي نصّار باع الكعك يوماً/ فكرّس نفسه كأديبِ صاجِ (يقصد رواية بائع الكعك لعلي نصّار، والصاج تعني التنّور في المحكية اللبنانية)/ وموسي لا كليم لا سميع/ فخمس حواسه قيد العلاج/ خليل وجهه حسن ولكن/ بلحيته الكثير من الأحاجي/ ورأس الشيب منتصب نزولاً/ ببيضونيه: عباس وناجي/ وفيصل فصّلوه بلا قياس/ فنط وغط في كل الفجاج/ وصفوان أمير الشعر فيكم/ فخير الشعر جاء من ارتجاج/ بدت علوية فينا كصبح/ مثير الضوء عذب الاختلاج/ تهم بها عيون جائعات/ كليل همَّ إثماً بالسراج/ وخيرات مواسمها حرامٌ/ علينا نحن كالماء الأجاج/ فلا خصب ولا وعد بخصب/ لقد فرغ الرصيد من القِجاج / ومن مقهي الحزينة تابعوني/ إلي مقهي المدينة غير راج/ فها مُنحٌ كدبّور تشظت/ معاقصه فأزَّ علي انزعاج/ وعدنان غلام الأنس فينا/ بعذب فمٍ تعركج بالدراج/ وحمرة خده روج الصبايا/ وسحبة ساقه خبز الكماج/ رياض ريّس النشرين كتباً/ وأعراضاً أقول ولا أداجي/ ملوكيُ الرؤي والفجر صاحٍ/ وسوقيُ الهوي والليل داج/ وفاطمة مواقفها حديد/ وحتي بحصها دون انزلاج/ وفيصل حجنا المبرور طبش/ وبطش من سيوف بني عجاج/ ولولا السكري لكان فحلاً/ تحيط به الأرامل بابتهاج/ وغسان بلا مطر يباس/ ونقص مثل أموال الخراج/ وجبران العريجي المغني/ علي ليلاه ظلَّ بلا اندماج/ أراد الحزب (جبران كان رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي) حصناً كيف يبني/ وباب الحصن مخلوع الرتاج/ أحبائي أنا قد نلت منكم/ خذوها من يدي دون انزعاج/ لأن المدح عار الشعر دوماً/ فأجمل ما نقوم به التهاجي.

شاعر المحكية عصام العبدالله الذي نظم سابقاً العديد من الشعر الكلاسيكي من غير أن ينشره، اكتفي بقصيدة واحدة مقتضبة بعنوان اللحم نثبّت هنا معظم أبياتها: اللحم أم شحم المطابع والورقْ/ والحبر أم كأس يحبحبها العرقْ/ أكلوا الحروف فأمسكت أفكارهم/ وتلين لو أخذوا مع الرز الورق/ يا ريّس الزمن الضحوك ونجمه (يقصد رياض الريس)/ ورفيف ملح الناس والناس حُرق/ ركبوا العواصف أنت أدري بالذي/ يهوي السباحة أو يناضل للغرق/ رمضان ليل، ألصيام نهاره/ والليل أحلي للمودة والشبق/ والصحب نحل والمودة شهدهم/ ولهم طنين. إنهم آخر رمق/ قاموا وقد أخذ الخوان عقولهم/ بدل الصلاة، الطيبات لمن سبق/ إخلع عليهم يا رياض خليعة/ أو صبها صباً فكأسك من حبق. شوقي في غيبته الكبريالشاعر شوقي بزيع أثبت إلي جانب الشاعر حسن عبدالله قدرة علي النظم مع حس الفكاهة العالية. وقد قرأ شوقي ثلاث قصائد، الأولي بعنوان الكلام الكيّس في بلاط رياض الريّس، كأنْ هو عرس بين نهرين التي ودّع فيها العزوبة بعد الخمسين بزواجه من ريم ضاهر التي تصغره بنصف سنوات عمره، و ثلاثية اليمن التي نظمها بالاشتراك مع أدونيس، عبد العزيز المقالح وجودت فخر الدين. وأبرز ما ورد في القصيدة الأولي التي بدأها بالحديث عن تقدّم العمر وفوات فرصة الزواج: ذوت وردة الأيام والروح تيبسُ/ وأنت علي صخر التمنّع تجلسُ/ وحيداً ولا إنس بحمراء سنترٍ/ يعزيك أو أنثي عليك تبهلسُ/ تحدّق في قلب الظلام بطرحة/ تلوح وتخبو ثم يلمع محبسُ/ تجاوزت سنَّ الأربعين بستة/ وأشهرت أسناناً علاها التسوس/ فحدّق بحسّون ومحفوظ قبله/ وخاطر والصحب الذين تعنّسوا (يقصد حسن عبدالله، الشاعر والمسرحي الذي رحل قبل عام ونيّف عصام محفوظ والناقد نزيه خاطر الذين تجاوزا الستين ولم يتزوجوا)/ وخذ عبرة منهم وقد راح بعضهم/ يبول علي بعض وبعضٌ يهلوس/ ولدت ببرج الجدي حتي إذا نمت/ قرونك في الأعوام رحت تتيّسُ/ كفاك عناداً فالرفاق تساقطوا/ معاً وبوالين المناعة نفّسوا/ وصحبك لكّوا صوفة حول ذيلهم/ فليس بهم إلا أصمٌّ وأخرس/ تنادوا إلي قصر الحريري (قبل استشهاده) جميعهم/ فلما أتي صلوا عليه وملّسوا/ وهذا إلي قصر المصيلح زاحفٌ (قصر الرئيس نبيه برّي)/ وذاك من الأعتاب لا يتكنّس/ وهذا إلي السلطان يرفع مدحه/ وهذا أيادي الحاكمين يبوّس/ وما همهم فقر العباد وجوعهم/ وما همَّ من يمضي ومن يترأس/ بل الهمُّ أن تبقي الولائم رحبة/ ويكثر معمول ويحلو ملبّس (نوعان من الحلوي)/ دع الغمَّ وارحل نحو فدم غضنفر/ يُسمّي رياضاً والعشيرة ريّس/ له دار نشر لا يُشق غبارها/ ولا ضمَّ ما تحوي من العلم فهرس/ نقي كأن الثلج بعض صفاته/ كريم ومن جاروا أياديه أفلسوا/ وليس وقد هامت به وردة الندي/ يجاريه من زكّوا وضحّوا وخمّسوا/ تري الناس أفواجاً علي باب بيته/ فكردٌ وأعراب وفرس وشركسُ/ يسابقه غليونه نحو ضيفه/ ويحميه من شمس الضغينة بُرْنسُ/ وتحنو علي أركيلة الشعر كفّه/ فيرقص تنباك ويزهو مدبّس/ يحيط به من آل عبدالله فارس (يقصد القاص عماد العبدالله)/ شديد علي الأعداء أمرد أملس/ تراه علي الكورنيش يجلس ساهماً/ يأصئص بزراً إن تعذر تُرْمسُ/ ويجمع ما لا يجمع الجن عقله/ فطوراً عروبي وطوراً مفرنس/ يحدّث حيناً عن الشاورما وأصلها/ ويبصر عظم الفكر إذ يتكلس/ علي حذر يمشي كأنْ وهو مقبل/ يداه علي أقدامه تتجسس/ ويبدو عصام الفذ كالديك جالساً/ إذا صاح في المقهي فلا صوت ينبس/ ويأكل صحني لوبياء بلقمة/ ويقطر من فكيه فول مدمّسُ/ يمشور في الحمرا ذهاباً وجيئة/ ويشلح كالبرق الثياب ويلبس/ وأما الغلام الغر يحيي بن جابر (الشاعر يحيي جابر)/ فساع إلي أمجاده متحمّس/ لشدة ما يهوي النميمة قلبه/ ينمُّ علينا مثلما يتنفس/ يؤلب بعضاً ضد بعض ويدّعي/ حياداً وللحرب الضروس يؤسس/ وحدّث عن الحسّون روحاً فإنه/ هزبر (أي أسد ويقصد حسن عبدالله) بحب الغانيات موسوس/ إذا خطرت بنت أمام عيونه/ يكزُّ علي أسنانه و يتأمسُ / وإن لاح باضت في يديه دجاجة/ المعاني وصيصان البلاغة فقّسوا/ مضي العمر ما حققتَ مجداً ولا غني/ وهل يغتني الإنسان وهو مدرّس/ فما ترتجي والبنيويون قد بنوا/ بناياتهم والألسنيون لحوسوا/ لتعذر يراعي يا رياض فإنني/ بما حدستْ نيران قلبك أحدس/ وراءك أنّي شئت يا خير ريّس/ فإن نمتَ نمنا أو تثاءبتَ ننعسُ.

بعد هذه القصيدة قرأ بزيع قصيدة طويلة كان ألقاها في عرسه، مودّعاً بها عزوبته بطريقة طريفة، منها هذه الأبيات: خليليَّ جرّاني إلي قدري جرّا/ فمثل الذي ينتابني الآن ما مرّا/ وردّا علي عينيَّ سحرَ طفولة/ تسيل علي الأطلال دمعتها الحرّي/ وقصّا علي الأجيال قصة شاعر/ تحكّم حبُّ الغانيات به دهرا/ تقلّب في مضغ اللذاذات فكّه/ فما لحمة إلا ويزلطها هبْرا / خليليَّ قوداني إلي القفص الذي/ ارتضيتُ فقــــد صارت عزوبيتي ذكري/ ونوحا علي الباب الذي أنا داخلٌ/ كما دخل المهديُّ غيبته الكبري. أدونيس يفتتح هجاء الطائرةبالطبع اكتفينا هنا ببعض الأبيات لطول القصيدة وقصر المقام من جهة ولإفساح المجال للقصيدة التالية التي كتبها كلٌّ من أدونيس، جودت فخر الدين، شوقي بزيع قبل أن يضيف إليها عبد العزيز المقالح مقطعاً آخر، ليكتب شوقي مقطعاً آخر في بيروت في زاهي وهبي عندما استضاف الدكتور خالد الكركي. أما مناسبة القصيدة الأصلية فهي سفر أدونيس وفخر الدين وبزيع إلي اليمن علي طائرة يمنية. وقد طلبوا الخمر فقيل لهم لا يوجد خمر علي الخطوط الجوية اليمنية. عندها قال أدونيس: لنهجُ هذه الطائرة وبدأ بهذا البيت: وطيّارةٍ شمطاءُ من دون خمرة/ ركبنا بها يوماً وطرنا إلي اليمنْ. ثم أتبعه بهذه الأبيات: فلا امرأة نفتضُّ ليل جمالها/ ولا كأس تروينا ولا ذَكَرٌ حَسَنْ/ فيا حمْير التاريخ كيف خدعتِنا/ عروبة هذا الدهر أشبه بالكفنْ. هنا أردف جودت فخر الدين: صحونا عليها صحوة حميرية/ فما هزّنا سكر ولا راقنا وسنْ/ وبتنا كأنا في سماواتِ محنة/ أكان علينا أن نطير فنمتحن؟/ أيا زمناً يجري بنا دون بهجة/ تراك ستبقي غافلاً أيها الزمن. بعد ذلك نظم شوقي بزيع ثمانية أبيات منها: إذا لم يذق منها أدونيس جرعة/ فمن يستحق النهل من كأسها إذن/ ولو أنسي الحاج ما ذاق طعمها/ لما قال اشعاراً ولا كان باض لن / أطيارة هذي التي تحت…/ أم أنا لفرط الغيظ نركب كركدن/ ونهمزها همزاً إذا حردت بنا/ وإن برطعت تيهاً شددنا لها الرسن. ثم أضاف عبد العزيز المقالح في اليمن إلي هذه الأبيات: إذا كنتَ في صنعا ولم تكُ ساكناً/ ببرجٍ لغمضانٍ فما أنت في اليمن/ فلا شعر إلا في سماء سمائها/ ولا وزن إلا في مرابعها سكنْ/ ولا عبرت خيل الحريري بساحها/ ولا حصَّ بعد الآن يعلو ويصعدنْ/ حمي الله صنعا من شرور كثيرة/ فلا مسّها ضرٌّ ولا نالها حزن. بعد ذلك كانت أبيات لجودت وشوقي ثم قفلة ببيت من نظم أدونيس: سلام عليكم يا غواةُ فشعركم/ كوحي ولكن لا سماءَ ولا سننْ.

حسن عبدالله المعروف بذاكرته التي تحفظ الكثير من الشعر الكلاسيكي القديم وقدرته علي النظم وتماسك لغته، لكن المعروف أيضاً بقصيدة التفعيلة الحديثة التي كتبها مطلاً منها علي المواضيع اليومية بلغة سلسة ومقطرة وبأســــلوب رشيق، مؤسساً بالفعل شــــــعراً واقعياً وملفتاً قلَّ نظيره بين أقــــــرانه، قرأ قصيدة في مديح رياض الريس بعنـــــوان حوله نتشــــــــمس نذكر منها هذه الأبيات: رئس الكرامَ من الأنام الريّسُ/ الكاتب الفذُّ الظريفُ الكيّسُ/ كالشمس حين يطل يبعث شخصُه/ دفئاً فنجلس حوله نتشمس/ ويطيب مجلسه ويحلو قوله/ أبدأً، فما أحد هنالك ينعس/ أبداً وما أحد هنالك ينبس/ أبدأً وما أحد هنالك يعطس/ ذو الحاجة المحشور يضغط نفسه/ ضغطاً ويحبس بولة لا تُحبس/ والكل مأخوذ بسحر حضوره/ والكل من عذب الكلام مسرْخس/ رجل إذا مدَّ الولائم للقري/ جاعت بنا قبل الجسوم الأنفسُ/ الناشرون عداك معظم نشرهم/ مرُّ المذاق وفاسد ومسوس/ الناشرون عداك ينشر عرضَهم/ قرّاؤهم فكتابهم لا يؤنس/ غالٍ وخاوٍ كلما أدنيته/ للعين يدركك النعاس فتنعس/ ما ضاقت الدنيا علي أحرارها/ كلا، وفي الدنيا رياض الريّسُ/ إن تاه خلان الصفاء فبيته/ في بلسّ (شارع الجامعة الأمريكية في بيروت) موجود لكي لا يبلسوا.QRE

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية