هل من أمل مع أوروبا؟

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

هل يمكننا الاعتماد علي عقلانية وموضوعية أوروبا وعلي حيادها النسبي في صراعنا الدموي المتعاظم مع المشروع الأمريكي ـ الصهيوني؟ الجواب هو كلاُ، اعتماداً علي معطيات أهوال التاريخ الأوروبي معنا وعلاقات الحاضر، ولنا فيها عبر وأيُ عبر.

لنمعن النظر في أقوال الرئيس الفرنسي الجديد الذي سيتربًّع علي كرسي الرئاسة اليوم. منذ فترة قصيرة، إبُان حملته الانتخابية، وقف في مدينة مرسيليا أمام قدماء المستعمرين الفرنسيين للجزائر ليوصيهم بأن لا يخجلوا من تاريخهم الاستعماري الهمجي في الجزائر ويؤكد لهم بأن أمة فرنسا، خلافاً لما يطرح بين الحين والآخر، لن تعتذر لأحد ولن تعيد كتابة تاريخ عارها الذي نحر في الجزائر مليون عربي مسلم باسم التمدين والتحضُّر. وهكذا أعاد هذا القائد السياسي الإعتبار للقتلة والمغتصبين والسٌّراق، وأكًّد مرة أخري توجهاته العنصرية السابقة يوم وصف شباب الضواحي الباريسية من الفقراء والمهمشين العرب والمسلمين والأفارقة السود بأنهم ليسوا أكثر من زبالة. وجاء ذلك كله تتويجاً لشناعات لفظية نطق بها رئيس وزراء إيطالي سابق وعبُّرت عنها كتب وصحف ومنابر إعلام وساحات سياسية عبر أوروبا كلٍّها تقريباً.

وهكذا فان أوروبا الأنوار والتقدم الحضاري وثورات حقوق الإنسان، والتي نجحت إلي حدٍ ما في إيجاد قطيعة مع بربريتها مع نفسها عبر قرون طويلة، لم تزل غير قادرة علي إيجاد قطيعة حقيقية مع تاريخها البربري الظالم معنا.

بالنسبة لنا ستحتاج أوروبا أن تنزل في بركة التذكر لتتطهًّر بمياه الأسف والاعتذار عن كل ماهو أسود وبربري في تلك الذاكرة. إنها تحتاج أن تتذكر وتأسف لموجات حروب دينية صليبية شنًّتها علينا طيلة قرنين، لتطهير ديني لمسلمي الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر اقتلعتهم من أرضهم وألقي بمن سلم منهم علي سواحل أفريقيا، لاحتلال استعماري مستبد مستغل لكل الأرض العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين الذي أنهك قوي شعوبها وأضاف إلي فقرها وتخلفها، لمؤامرات متعددة لتمزيق أوصال الوطن العربي الكبير بدءاً بتوصيات لجنة رئيس وزراء بريطانيا العظمي في سنة 1907 بضرورة تجزئة المنطقة العربية وإبقائها متخلفة متناحرة حتي لا تكوًّن خطراً علي الإمبراطوريات الأوروبية آنذاك مروراً بمعاهدة سايس ـ بيكو سنة 1916 لاقتسام الهلال الخصيب بين بريطانيا وفرنسا وانتهاء بوعد بلفور الذي دشًّن للوجود الاستيطاني الصهيوني في فلسطين إلي يومنا هذا، وأخيراً للاجتياح العسكري الاستعماري للعراق الذي إما باركته أو شاركت في القيام به دول أوروبية عدة والذي جعل من هذا القطر العربي القوي الناهض حطاماً ومن شعبه الأبي ملايين من الفقراء الباكين التائهين في كل بلاد الدنيا.

السؤال هو: هل ستستطيع أوروبا أن تنهي ثنائية تاريخها الطويل التي شخًّصها المفكر الفرنسي إدجار موران في كتابه الثقافة والبربرية الأوروبية بثنائية بربرية التطهير الديني والعرقي الذي طبع كل تاريخ أوروبا من جهة ومدنية أوروبا وأنوارها التحررية والإنسانية من جهة أخري. إن موران يناشد أوروبا أن تخرج من صحاري بربريتها إلي واحات مدنيتها وتحضرها، ولايجزم بأن ذلك مؤكد. وهو علي حق في ذلك. دعنا نعود إلي فرنسا كممثل لروح تلك القارة: هناك فرق بين أن يصف رئيسها السابق الحرب الأمريكية علي العراق بالحرب الظالمة ويعارضها باسم فرنسا المتمدنة وبين أن يأسف رئيسها الجديد لوقوف بلاده مكابرة ضدًّ الغزو الأمريكي للعراق. باسم فرنسا الاستعمار البربري هناك فرق بين مناداة قوي فرنسية لاعتذار بلادهم عن أخطائها التاريخية وبين تصريحات رئيسها الجديد المكابرة. إن فرنسا، ومعها دول أوروبا، ما إن يحاولوا الخروج من الصحراء إلي الواحات حتي تغلبهم طبائع تاريخهم فيعودون إلي صحاري البربرية. مثل هكذا دول وهكذا حضارة، هل يمكن الوثوق بها لتساهم في إنقاذ عرب فلسطين وعرب العراق وغيرهم من فكٍّ التمساح الأمريكي ـ الصهيوني؟ إنه حلم بعيد بعيد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية