عناية جابر
حين بدأت الكتابة في هذه الزاوية، وسط أقلام متمرسة، كنت ممسوسة بفكرة انني اختال في فسحة الهواء الطلق هذه، بعباراتي الخاصة. لا حسيب ولا رقيب. هنا فحسب علي ما اعتقد، في هذا الهواء الطلق، لا حسيب ولا رقيب فعلا. أنت امام موروثك الأخلاقي، وثقافتك وفنيتك وتجاربك وحريتك. هذه زاوية تندر الي حد في عالم الصحافة العربية لنعترف، ومثلها مراقب في هواءات اخري، ليست طلقة بشكل تام، هواءات ليست طلقة بالشكل الذي يليق بالهواء.
خمس سنوات علي ما احسب، اقل او اكثر، ولم اعدل في احد نصوصي حرفا او فاصلة. لم يسألني احد ذلك، كما لم اسأل نفسي، او سئلت او ســــألت لما كتبـــت، لما استمريت في الكتابة.
في هذه الزاوية، اعرف الهدوء غير العادي الذي يشعر به الكاتب لحظة الكتابة، من يقينه بأنه غير مراقب او موصي عليه. وما دمت اثق انني حرة في كتابة ما اشاء، فانني لا افكر في تجاوز حريتي الي فوضي الكتابة. في الاحساس الراسخ بأنني مقبلة علي كتابة حرة، اثق بأنني سأخرج بمادة حقيقية، عن شيء حقيقي حتي لو كان حجرا، الحجر اكثر الاشياء حقيقية في عالمنا العربي.
اننا جميعا هنا، في هذه الزاوية تحديدا، نخدم بعض الامور الوطنية والمعرفية والفنية والاخلاقية والعاطفية في انواع كتاباتنا المختلفة واساليبنا، ولست في وارد الخوض في تـصنيفات من اي نوع. بدون تنوعها، كتاباتنا اعني، لن يكون ثمة من هواء، لا طلقا ولا محبوسا.
اذا كنت وحدي كاتبة انثي، لا اتدلل في انوثتي، اتدلل في كتابتي، لا افكر لحظة ان اكتب علي غرار ما يكتبون، بل استحضر كل اشارات عالمي الكتابي الذي اكتشفته بجهدي الخاص، بحساسيتي وتعبي. انغمس بفكرتي الشخصية عن الكتابة. اعيد تجسيد المعاني الغائبة، اجعلها تحيا، لا اواجهها او اقمعها، بل احدب عليها واتنفسها كعناصر تنتشر في الهواء، تدخلني وتنفخ رئتي وقلمي. افسح للاشياء الهامشية مكانا، الاشياء التي هجرها العالم، وادعوها تبكي هجرانها علي صدري.
تبدأ الكتابة عندي دون خوف كبير، لكنه يبدأ يتصاعد في اللحظة التي اقرر فيها انني انهيت ما وددت قوله. دائما مغادرة الورقة ترعبني كأنما ما زالت ـ اكيد ـ اماكن سرية تستدعيني، ومشاعر رخوة تستعطفني، واطفال لم يتسن لي حضنهم، ورجال لم الحظهم، وقطط وكلاب تحف انوفها ببشرة قلمي. ثمة تيمة احسب انها تظل عالقة فوق الورقة لحظة مغادرتها. كل مرة اجتاز هذه الطقوس واقلق، فطبيعتي الداخلية ريبية. اكتب بسرعة تماما كما اسرع في كل شيء. البطء يولد الخوف. الكتابة السريعة اكثر اثارة، كما لو ان السرعة التي حققت كتابتي هي التي تحميها من الجبن والهذر.
انني وان رقيقة ابدو، وفروي ناعم، شرسة جدا في الذود عن مفردتي، التي هي وجهة نظري بالحياة كافة. اضحك احيانا من الترابط التام لكلمات اصحاب النظريات الكبيرة التي ترفضني ككاتب حر، وترفض كلماتي. اندهش من صرحها الضخم الذي إتحدت تفاصيله ضدي، انا التي املك للكتابة نظريات صغيرة جدا، وكافية لاكثر مما ينبغي عن حياة يسودها الظلم.
لنلعب معا بالحروف اذن، ولتخدم الكلمات طيبتنا وهشاشتنا، مكرنا وشراستنا، معرفتنا وحقنا في النزق والتجريب، فمن البؤس بمكان قراءة العالم من خلال سطر واحد، لا يحيد ولا يتغير.
ليست الجرائم السياسية المدوخة ما اود ان اكتبها. ليس عالم الصراعات الذي نعرف جميعا ويطالنا اذاه. كما ليست الوضاعات والخسة في عالم الكبار. ما يشد انتباهي هي المواقف الفاتنة بسبب العواطف المختلفة التي تسببها الرياح التي تضيع الآثار، وعداء الاشياء وبراعة هزيمتها، والاسرار التي تحتويها السجون، والاحتمالات المفاجئة للوقوع في الحب، الناس الاكثر غرابة، الاكثر تعاسة، الاكثر حبورا وارتجافا، ثم الاعترافات الاشد صدقا، وهي الاخصب، والاقدر علي توضيح اعاجيب الكبرياء الانساني، في ذكائه وتعاطفه المستنير.