الرباط – «القدس العربي» بعد مرور النصف الأول لولاية الحكومة المغربية، فهي لا تزال تسعى إلى تعزيز إنجازاتها في ظل ترؤس حزب العدالة والتنمية الإسلامي لها. ولعل ملف البنوك الإسلامية يشغل اهتمام قيادات الحزب الذي مني بإخفاقات عدة في ملفات تضييق الحريات في عهده وأخرى تتعلق بمحاربة الفساد، وهو أبرز شعار رفعه الحزب قبل فوزه في أولى إنتخابات ما بعد دستور 2011 الذي جاء كاستجابة لمطالب الشارع المغربي بالتغيير يوم 20 شباط/فبراير من السنة نفسها.
ولوحظ إيلاء الحزب الحاكم في شخص خبيره المالي الدولي محمد نجيب بوليف، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة- في نسختها الأولى- المكلف بالشؤون العامة والحكامة، أهمية قصوى لملف البنوك الإسلامية. والذي شرع منذ تولي منصبه في إتصالات مع خبراء وطنيين ودوليين في المالية الإسلامية لإنجاح مشروع إقامة بنوك إسلامية بالبلاد. وقد أجرى مباحثات مكثفة حول الموضوع، إضافة إلى ندوات تعريفية بالبدائل المصرفية الإسلامية وخصائصها وميزاتها.
لكن الحكومة وبعد نسختها الثانية على خلفية التعديل الوزاري إثر انسحاب حزب الإستقلال شهر أيار/مايو 2013 منها، سيشهد موقع الوزير في الحكومة المغربية تغييرا بالانتقال من الإشراف على الشؤون العامة والحكامة إلى الإشراف على التجهيز والنقل واللوجستيك حيث عين بوليف وزيرا منتدبا مكلفا بالنقل. تاركا بذلك مكانه لمحمد الوفا، وزير التربية الوطنية عن حزب الإستقلال، الذي طرد من الحزب بسبب رفضه للتوجيهات القاضية بالإستقالة من الوزارة كما فعل الوزراء الخمسة الآخرون من الحزب ذاته.
وصادق مجلس النواب- الغرفة الأولى في البرلمان المغربي- قبل أسابيع، بالأغلبية على مشروع قانون خاص بالبنوك الإسلامية، حيث صوت 75 برلمانيا لصالح المشروع فيما لم يعترض أي من النواب الحاضرين عليه، مع امتناع 19 نائبا من المعارضة عن التصويت. وتوقع سعيد خيرون، رئيس لجنة المالية والتنمية الاقتصادية في مجلس النواب المغربي عن حزب العدالة والتنمية، أن يؤدي هذا المنتوج البنكي الجديد إلى «إغناء السوق المالية في المغرب والاستجابة للحاجيات الاقتصادية والمالية لشريحة كبيرة من المواطنين الذين يرغبون في التعامل مع هذه البنوك» معتبرا المصادقة على المشروع «يوما تاريخيا للتشريع» و»لا داعي للخوف» وأضاف أن هذا القانون سيفتح الباب أمام استقطاب رؤوس أموال العديد من المستثمرين المغاربة والأجانب. مطمئنا بعض الأوساط الاقتصادية بخصوص طريقة تفعيل بنود هذا القانون بالتأكيد على أن «التجربة المغربية ستبدأ، وستستفيد من تجارب سابقة في بلدان أخرى».
وينص القانون الجديد على خضوع «البنوك التشاركية»، كما سماها المشرع المغربي، بدلا عن البنوك الإسلامية، لرقابة المجلس العلمي الأعلى (مؤسسة دينية رسمية) كما سيتم إنشاء «لجنة للتنسيق والرقابة على المخاطر الشمولية» بهدف تحليل المخاطر المحتملة للمشروع على استقرار النظام المالي لإحتوائها ومواجهة آثارها، وستضم اللجنة ممثلا عن وزارة المالية.
وقد وجه الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية طلبا إلى لجنة المالية والتنمية الاقتصادية لعقد اجتماع عاجل بحضور عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب (محافظ البنك المركزي)، لمناقشة السياسة النقدية للمملكة. وذلك في سابقة هي الأولى من نوعها. وفقا لما يقرره الفصل 102 من الدستور بأن: «للجان المعنية في كل المجلسين أن تطلب الإستماع إلى مسؤولي الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية، بحضور وتحت مسؤولية الوزراء التابعين لهم». وقد طلب «العدالة والتنمية» حضور محمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية، الاجتماع إلى جانب محافظ البنك المركزي، وذلك في إطار سعي الحكومة المغربية منذ فوز الحزب الإسلامي في الانتخابات سنة 2011 إلى تطوير التمويل الإسلامي لجذب رؤوس أموال من الخليج العربي ولتمويل العجز الكبير في الميزانية.
وأوضح عبد الله بوانو، رئيس فريق العدالة والتنمية في مجلس النواب- الغرفة الأولى البرلمان المغربي، في وقت سابق أن ثلاث قضايا أساسية دفعت الفريق لاستدعاء والي بنك المغرب وهي: السياسة النقدية، وعلاقة البنوك بالتنمية، والبنوك التشاركية (البنوك الإسلامية). ويقترح القانون الجديد تقديم «خدمات بنكية تتوافق مع الشريعة الإسلامية» وهي العبارة التي حذفتها الحكومة من المشروع الذي أحالته على البرلمان، وكان منصوصا عليها في مسودته الأولى. وقد بدأ البنك المركزي فعلا في تشكيل مجلس شرعي للإشراف على قطاع التمويل الإسلامي، حيث شرع 7 مستشارين شرعيين وخبراء ماليين في التدرب على مهام أعضاء المجلس.
من جهته قرر محمد الشيخ بيد الله، رئيس مجلس المستشارين عن حزب الأصالة والمعاصرة المعارض، إحالة مشروع القانون المتعلق بمؤسسات الإئتمان والهيئات المعتبرة في حكمها- والذي يضم فصلا كاملا حول البنوك الإسلامية- على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لإبداء الرأي فيه وسط دهشة عدد من أعضاء لجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية بمجلس المستشارين، على الرغم من برمجة المشروع في لجنة المالية في الغرفة الثانية. وحضور إدريس الأزمي الإدريسي، الوزير المنتدب لدى وزير الاقتصاد والمالية عن حزب العدالة والتنمية، لتقديم المشروع المذكور. وبالتالي سيكون على مجلس المستشارين انتظار أجل 60 يوما وفقا لما ينص عليه القانون المنظم للمجلس قبل إبداء رأيه في المشروع الجديد الذي صادق عليه مجلس النواب قبل أسبوعين. وأثارت الخطوة حفيظة عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة المغربية والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، حيث اعتبرها وقياديون في حزبه محاولة لتأخير صدور القانون. ومناورة تشريعية لتمديد مناقشة المشروع، وبالتالي تأخير صدوره. ووصف بن كيران قرار الإحالة الذي أصدره بيد الله بأنه «محاولة لعرقلة العملية التشريعية وتأخير أشياء ليس هنالك منطق لتأخيرها وإن كان مسموحا بها قانونيا” مشبها الخطوة بـ”من يخسر المباراة، فيبدأ باستخدام الخشونة في اللعب”. معتبرا أن حزبه سيستفيد شعبيا من هذه العرقلة وأن خصومه «يقومون بالدعاية للحزب في الإنتخابات المقبلة، ولذا أقول لهم كفوا عن هذا».
ورد بيد الله على اتهامات رئيس الحكومة له بالقول أن الأخير «يستغل ما يسمى بالبنوك الإسلامية للقيام بحملة انتخابية سابقة لأوانها» مشددا على ضرورة «حفاظ المؤسسة التشريعية على استقلاليتها» متهما بدوره بن كيران بـ»التحكم فيها». مشيرا من جهة ثانية إلى أن المشروع لم يصادق عليه في مجلس النواب إلا بعد 5 أشهر من تقديمه رغم توفر بن كيران وحزبه على الأغلبية “في حين يطلب منا برمجته والمصادقة عليه في زمن قياسي” نافيا أي نية له لعرقلة العمل التشريعي. كما دافع مكتب مجلس المستشارين عن قرار بيد الله، واستغرب أعضاء من مكتب المجلس الهجوم الذي شنه رئيس الحكومة عليه. منبهين بن كيران أن «مجلس المستشارين ليس غرفة للتسجيل”.
ويشير مراقبون إلى توظيف العدالة والتنمية لمسألة البنوك الإسلامية سياسيا، وذلك كإحدى الأوراق الإنتخابية الناجحة بعد أن بدا الحزب بعد مرور نصف ولايته عاجزا عن محاربة الفساد، كما سبق ووعد، وبدون سلطة حقيقية تمكنه من تطبيق الإصلاحات. لذا فالحزب يراهن بقوة على إقرار قانون البنوك الإسلامية في ولايته الحكومية قبل سنة من الإنتخابات البلدية التي ستعد نتائجها بمثابة استطلاع للرأي العام المغربي حول شعبية الحزب، لكن مشاريع الحزب الإسلامي في هذا الباب تعرضت مرات عدة للعرقلة والمماطلة نظرا لحساسية النخبة السياسية في البلاد إزاء توجهات الإسلاميين من جهة، وهو ما يفسر حذف الحكومة لعبارة: «خدمات بنكية تتوافق مع الشريعة الإسلامية» من المشروع الذي أحالته على البرلمان. ومن جهة أخرى يتم الحديث عن رفض اللوبيات البنكية في المغرب للبنوك الإسلامية خوفا على مصالحها، وذلك بالنظر للتوقعات المشيرة إلى أن المغاربة سيقبلون بقوة على هذه البنوك التي ستساهم أيضا في توفير استثمارات داخلية لمواجهة البطالة، حيث ستلعب دورا حيويا بتمويلها للشركات والمشاريع الصغرى.
مصعب السوسي