لندن ـ “القدس العربي”:
حذر تقرير اعده المركز الملكي للشؤون الخارجية في لندن والمعروف بـ تشاتام هاوس من انهيار العراق. واعترفت الدراسة التي اعدها غاريث ستانسفيلد المحاضر في جامعة اكستر تحت عنوان قبول الواقع في العراق ان الوضع الامني لم يتغير في العراق علي الرغم من الخطة الامريكية الجديدة في بغداد، حيث لا تزال العمليات تحصد يوميا ارواح المدنيين العراقيين. وفي شهر نيسان (ابريل) الماضي قتل اكثر من 1500 شخص. وفي الوقت الذي تراجعت فيه اعداد القتلي في بغداد الا ان الاعداد ازدادت خارجها، في الوقت الذي تزايدت فيه اعداد القتلي من الجنود الامريكيين الذين صاروا يقتلون بمعدل 3 ـ 4 يوميا. وقال الباحث ان عمليات اخراج اعضاء جيش المهدي من مدينة الصدر جعلت الاخيرة عرضة لعمليات من المقاتلين السنة، فيما ركزت جماعات اخري عملياتها في مدن اخري مثل الموصل وكركوك. وقال الباحث ان التطورات في العراق مثيرة للقلق بشكل تجعل فيه من امكانية نجاة العراق كوحدة واحدة بعيدة ولم تكن السنون الاربع الاخيرة منذ سقوط نظام صدام حسين ناجحة لا للقوات الامريكية والبريطانية من جهة ولا للحكومة العراقية.
ويري الباحث ان العراق اليوم يقف علي منعطف تحوله لدولة فاشلة بعد محاولة تحويله من الديكتاتورية الي الديمقراطية، وسيناريو كهذا ينذر بتمزق العراق وتشرذمه، في الوقت الذي لا زال فيه الامريكيون والبريطانيون والمجتمع الدولي يحاولون فيه فهم التركيبة السياسية للعراق، وكل التحليلات فشلت بانتاج استراتيجيات تناسب الوضع او تقدم تمثيلا لما يجب ان يكون عليه الوضع.
ومن هنا يري ان فهم العراق يتطلب استراتيجيات تتفهم واقع العراق الحالي، الذي انهار فيه النسيج الاجتماعي، ولم يعد هناك مجال للحديث عن حرب اهلية واحدة بل حروب اهلية متعددة واشكال متعددة من التمرد والمقاومة كلها تعمل علي افشال الحكومة العراقية. وفي الوقت الذي توجد فيه وطنية او قومية في العراق الا انه لا وجود لوطنية عراقية واضحة المعالم.
كما يجب ان تعترف الاستراتيجيات بوجود قوي وحقيقي للقاعدة في العراق والذي انتشر في معظم المدن العراقية الكبيرة. كما يجب التاكيد علي ان العوامل الاقليمية اقدر علي ممارسة التاثير والمساهمة في الحل من كل من امريكا وبريطانيا. كما يجب ان تاخذ الاستراتيجيات بحقيقة ان الحكومة العراقية الحالية اصبحت من دون سلطة فعلية وغير معترف بها في انحاء كثيرة من البلاد.
وبالنسبة لمشكلة الامن فانه لن يتم حلها في مدي اشهر كما تتطلع الادارة الامريكية للقيام به بل يجب تاطيرها علي مدي سنوات قادمة.
وفي حالة انسحاب امريكا وبريطانيا فلن يكون بمقدور القوات الامنية العراقية السيطرة علي الوضع الامني الحالي. ويدعو الباحث الي ان يتم التركيز علي حل قضايا حيوية ومصيرية خلال العام الحالي والقادم لانها ستحدد وجهة ومستقبل العراق، مثل توزيع الثروة النفطية والفدرالية، في الوقت الذي وصلت فيه عمليات الفرز الطائفي مداها الكبير، وتراجع الدعم الشعبي الامريكي للحرب لمعدلات متدنية.
ويعتبر الكاتب ان الخيارات المتوفرة لامريكا والحكومة العراقية محدودة جدا. وفي الوقت الذي تغيرت فيه لهجة الادارة الامريكية في الآونة الاخيرة فانها لا تزال تتمسك بقشة امكانية تحويلها الوضع الحالي الي نصر، ولكن مهمتها صعبة اذ ان امامها ملفات، مثل النفط وتوزيعه، الامن، والفدرالية وما يطلق عليه الكاتب المناطق المتنازع عليها، مثل كركوك. وفي الوقت الذي يري فيه ان العنف وتحليل اسبابه بات تمرينا اكاديميا الا انه يجب الاعتراف بوجود تنوع فيه، فهو ليس عنفا سنيا – شيعيا، او كرديا ـ شيعيا بل هو عنف يتركز من اجل السيطرة علي مقدرات البلد، ومن هنا نلاحظ وجود صراع سني ـ سني، سني ـ شيعي، سني ـ امريكي، وشيعي ـ شيعي، كردي ـ شيعي الخ ومن هنا فان تنوع وتداخل اشكال الصراع يجعلان من الصعوبة الحديث عن شكل واحد من الامن خاصة اذا كانت الدولة عاملا فيه. ويقول ستانسفيلد انه علي الرغم من ان تنظيم القاعدة يواجه بعض الصعوبات في التحرك في بعض المناطق التي لا يرحب فيها زعماء القبائل المحليين بمثل هذا التدخل، الا ان هناك زخما واضحا في نشاطاته. واشار التقرير الي ان للدول المجاورة للعراق قدرة اكبر علي التاثير علي الوضع علي الارض من بريطانيا والولايات المتحدة. ويعتقد ان حل المعضلة الامنية لا يتم الا من خلال جلب السنة للعملية السياسية، واضفاء شرعية علي المقاومة او بعض منها والاعتراف بمقتدي الصدر الذي يقول ان جماعته لم تلق تغطية جيدة من الاعلام الغربي مع ان الصدر يتمتع بدعم كبير مما يضفي عليه شرعية سياسية، خاصة ان داعميه يرون انه واحد منهم وليس مثل بقية الاحزاب الاخري التي ينظر اليها كاجنحة للتاثير الايراني، اما البعد الثالث في العامل الامني فهو دعم الاكراد والتوصل لتسوية لمدينة كركوك التي تعتبر قنبلة موقوتة، مما يعني ان الفشل في حلها سيؤدي الي انهيار التحالف الكردي ـ الشيعي.
ويتهم التقرير كلاً من السعودية وايران وتركيا بان لديها اسباباً لرؤية استمرار عدم الاستقرار في البلاد وتستخدم كل منها اساليب مختلفة للتاثير علي التطورات. واعترف ستانسفيلد ان الاستراتيجية الامريكية الجديدة في زيادة عدد القوات في العراق نقلت العنف الي مناطق مختلفة لكنها لا تتغلب عليه.
ولكن العراق وبسبب انهيار النسيج الاجتماعي وتصاعد الطائفية التي تتواجد علي مواقع انترنت مثل يوتيوب تشير الي انهيار السلطة المركزية وتصاعد القوي المحلية والمناطقية التي تدير الامور الان كما في البصرة وفي مدينة الصدر والانبار ومناطق الاكراد. وتعترف الورقة البحثية ان حكومة نوري المالكي التي فشلت في السيطرة علي الشوارع في بغداد ومعظم مدن العراق لن تكون قادرة علي السيطرة حتي بعد الخطة الامريكية الجديدة، وفي غياب الحل العسكري بات مطلوبا التحاور مع القوي المحلية اللاعبة: البحث عن ممثلين للسنة للتحاور معهم والاعتراف بشرعية مقتدي الصدر كلاعب سياسي والتعامل بجدية مع مطالب الاكراد، ويقول الكاتب ان مؤتمرات كشرم الشيخ الذي عقد بداية الشهر الحالي اثبت ان الحل للوضع في العراق موجود في العراق نفسه.