مغادرة بلير: غياب مسنّن واحد عن آلة راسخة مستدامة

حجم الخط
0

صبحي حديدي

نفيس مصدّق أحمد، استاذ العلاقات الدولية في جامعة ساسكس وصاحب الكتابين المميّزين ما وراء الحرب علي الإرهاب و تفجيرات لندن: تحقيق مستقلّ، يستخدم ـ دون كبير وجل من حرّاس المصطلح المقدّس ـ تسمية الهولوكوست المستدام في وصف ملايين الضحايا من المدنيين العراقيين الذين سقطوا جرّاء العواقب المباشرة أو غير المباشرة لسياسات التدخل العسكري الأنكلو، ثمّ الأنكلو ـ أمريكية، طيلة 90 سنة منذ مطالع القرن الماضي.

وفي التوثيق الإحصائي الصرف لهذا المصطلح، يتكيء مصدّق أحمد علي خلاصة الأخصائي في الكيمياء الحيوية جدعون بوليا، البروفيسور المتقاعد من جامعة لاتروب الأسترالية، والذي يعمل منذ سنوات علي مشروع في التحليل العلمي للوفيات علي نطاق كوني: قرابة ثمانية ملايين نسمة! وهو إذ يستعيد هذا الرقم الرهيب ـ وتفاصيله بين حقبة وأخري لا تقلّ رهبة: منذ إعلان ونستون تشرشل أنّه يمكن تجريب أسلحة الفتك البريطانية علي بدو العراق، وصولاً إلي الدور البريطاني في سقوط أكثر من 650 ألف عراقي منذ 2003 بعد غزو البلد، مروراً بالأدوار السرّية التي لعبتها استخبارات الـ MI6 البريطانية بالتعاون مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في تدبير الانقلابات العسكرية ومساندة الطغاة وقهر حركات التحرّر ـ فلكي يقول إنّ رئيس الوزراء البريطاني توني بلير يغادر ميدان السياسة وعلي كفّيه قسط غير قليل من دماء هذه الملاين الثمانية. الجانب الثاني من المسألة أنّ بلير يغادر اليوم، ولكنّ المذبحة متواصلة وسوف تظلّ هكذا لأنّ مغادرة الأشخاص ـ مارغريت ثاتشر، جون ميجر، جورج بوش الأب، بيل كلينتون وجورج بوش الابن ـ لن تعطّل آلة الإبادة المستدامة الراسخة، بل هي تبدّل مسنّناً قديماً بآخر جديد وأكثر فعالية!

لكن مصدّق أحمد يتساءل، إلي جانب هذا الشطر العراقي من ملفات إدانة بلير، عن سبب آخر خفيّ يجعل رئيس الوزراء البريطاني يغادر المنصب في هذه الأيام بالذات، أي احتمال وصول التحقيقات الجنائية في فضيحة المال مقابل منح ألقاب الشرف، إلي بلير شخصياً. ومنذ تموز (يوليو) الماضي، حين جري استجواب اللورد ليفي، كبير متبرّعي بلير ومبعوثه الدبلوماسي إلي الشرق الأوسط، ثمّ إعادة استجوابه في كانون الثاني (يناير) الماضي، وإبطال ثلاثة ألقاب وانسحاب صاحب اللقب الرابع طواعية، لا تكفّ التقارير الصحافية عن الإشارة إلي أنّ التحقيقات سوف تطال روث ترنر مديرة العلاقات الحكومية في 10 داوننغ ستريت، وبالتالي سوف تبلغ بلير. وحين فرغت الشرطة من تحقيقاتها في أواخر نيسان (أبريل) الماضي، وسلّمت المدّعي العام اللورد غولدسميث تقريراً من 213 صفحة، تزايد الضغط علي بلير من برلمانيي حزبه ومستشاريه وحتي من أصدقائه (وقد يكون بينهم اللورد سميث نفسه، الذي أفتي ذات يوم بأنّ المشاركة البريطانية في غزو العراق كانت مشروعة حتي دون قرار من مجلس الأمن الدولي)، كي يغادر قارب الحكومة تلقائياً، قبل أن يتعاظم مدّ الاحتجاج فيغرقه قسراً. والحال أنّ مصدّق أحمد يتجاهل، وفي هذا التجاهل إضعاف لحجّته السياسية والأخلاقية ضدّ بلير، أنّ نجاح حزب العمّال في تحقيق انتصار ثالث متعاقب وتاريخي للمرّة الأولي منذ مائة عام، كان مردّه جوهرياً أنّ الأغلبية في الشارع البريطاني ما تزال تنظر بعين الرضا إلي هذه الحزمة الإقتصادية والإجتماعية والعقائدية ـ وربما السياسية أيضاً، علي نحو ما ـ التي تآلفت تحت مسمّي حزب العمال الجديد، بقيادة بلير شخصياً ونفر من رجالاته ومحازبيه. ومن الثابت، في جانب آخر من المعادلة، أنّ أغلبية الشارع هذه ليست عمّالية خالصة، وفيها شرائح من أنصار المحافظين وأخري من أنصار الليبراليين الديمقراطيين، ولهذا فإنّ توني بلير سنة 2005 لم يكن توني بلير سنة 2001، وهو استطراداً لم يعد توني بلير1997 حين حقّق العمال ذلك النصر الصاعق والكاسح.

وفي الحكم علي حصيلة مؤتمر حزب العمّال الأخير، سرد المعلّق البريطاني بول فوت جملة أسباب عميقة للشكّ في أنّ هذا الـ توني بلير هو نفسه ذاك الـ توني بلير الذي صعد من صفوف الحزب إلي هرم القيادة علي أساس مناهضة سياسات مارغريت ثاتشر الإجتماعية ـ الإقتصادية، ومن منبر دفاعه الحارّ والبليغ والصارم عن حقوق الضمان الصحي، والنقابات، واقتصاد السوق. أهذا، تساءل فوت علي سبيل المثال، هو توني بلير الذي وعد، في مؤتمر حزب العمال سنة 1996، بخطوط حديد يملكها القطاع العام وتخضع لمساءلة القطاع العام، وهو اليوم المسؤول الأوّل عن عدم بقاء الخطوط الحديدية ملكاً للقطاع العام، وعدم خضوعها لرقابة القطاع العام؟ أهو الذي وعد بإعادة صناعة الكهرباء إلي الدولة، بعد أن خصخصها المحافظون؟ وأيضاً، أهذا هو بلير نفسه الذي جرّ البرلمان والبلاد إلي حرب وحشية علي أساس مزاعم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، ويصرّ اليوم بالحماس ذاته أنه كان وما يزال علي صواب في قرار الذهاب إلي الحرب؟

الجواب هو النفي بالطبع، إذْ ثمة أكثر من بلير كما للمرء أن يستخلص بسهولة، الأمر الذي لا يعني أنّ جوهر الظاهرة ينكشف اليوم فقط. بعد أسابيع قليلة أعقبت إنتصار العمّال الثاني، سرّبت صحيفة الـ إندبندنت البريطانية محتوي تقرير داخلي سرّي رُفع إلي بلير، يقول في عنوانه العريض إنّ حكومة العمال أخذت تبدو متغطرسة في نظر الناخبين، وأنّ هؤلاء يبدون المزيد من القلق حول مسائل الصحة والتعليم والنقل. وأوضح التقرير أنّ تقدّم حزب العمال في استطلاعات الرأي ليس سوي قناع كاذب يحجب انقلاب الناس علي حكومة بلير لأنها تفشل في تنفيذ ما وعدت به أثناء حملة انتخابات 1997. كان ذلك قبل دفع بريطانيا إلي المستنقع العراقي، وقبل تظاهرة المليون في شوارع لندن، وقبل انتحار جون كيللي وتعاقب فصول الفضائح في مسلسل التمهيد لغزو العراق.

لكنّ البريطانيين أبقوا علي العمّال في الحكم، وكان مفتاح الفوز جليّاً في الواقع، أو هو بالأحري ذلك الجوهر البسيط الدائم للمبدأ الذرائعي في السياسة: ثمة أغلبية تمقت هذا الرجل بسبب مواقفه وأفعاله وأقواله، خصوصاً زجّ بريطانيا في غزو العراق وانتهاج سياسة ذيلية خلف الرئيس الأمريكي جورج بوش؛ لكنّ الأغلبية ذاتها تريد بقاء حزب العمّال في السلطة، إمّا لأنها ناخبة الحزب ومناصرته التقليدية، أو لأنها لا تريد عودة المحافظين إلي السلطة؛ والحصيلة هي أنّ إبقاء الحزب أغلبية في مجلس العموم يقتصي غضّ الطرف عن قباحات بلير، بل ومنحه أربع سنوات أخري في رئاسة الحكومة!

ثمة سبب آخر ليس أقلّ أهمية، وهو أنّ بديل العمّال والمحافظين ليس الحزب الليبرالي الديمقراطي، أو ليس بعدُ في أيّ مدي منظور. هذا لا يعني البتة أنّ الحزب لن ينجز اختراقات ملموسة، خصوصاً في الأوساط والشرائح التي كانت وتظلّ شديدة الإعتراض علي مشاركة بريطانيا في غزو العراق. والمرء يتذكّر هذه الورقة من دفتر مذكرات بادي أشداون، وكان زعيم الليبراليين الديمقراطيين حين حقّق العمّال انتصارهم الساحق الأوّل: في السادس من أيار سنة 1997 اجتمع به بلير وأخبره أنّ معلوماته تفيد، تماماً كما تفيد أرقام الأغلبية الصريحة التي أنجزها العمّال، أنّ لا يد لليبراليين الديمقراطيين في هذا الإنتصار، ولهذا لا شأن للعمّال بأيّ حوار مع أشداون في أيّ أمر يخصّ حكم البلاد. ولقد ردّ الأخير باقتباس شهير من الكتاب المقدّس، ومن سفر أيوب تحديداً: الربّ أعطي، والربّ أخذ!

لكنّ الناخب البريطاني لم يكن بحاجة إلي كبير عناء لكي يدرك الفارق بين الشابّ الصاعد توني بلير والزعيمين التقليديين نيل كينوك (أو حتي جون سميث نفسه) من جهة، والفارق العملي والبرنامجي الضئيل بين حزب العمال والركائز الكبري في الفلسفة الثاتشرية من جهة ثانية. وباستثناء الفصول الإجتماعية من برامج ثاتشر، حيث يبلغ امتهان الإنسان ذروة فاضحة، فإن بلير رسم صورته الشخصية المتميزة دون أن يعبأ كثيراً بإخفاء الظلّ الكبير الذي يرتسم ويستطيل وراءه: ظلّ السيدة الحديدية دون سواها. وبهذا المعني كانت المراجعة العمالية ذات طابع إيديولوجي أساساً، فانطوت صفحة وفُتحت أخري دونما حاجة إلي انشقاقات وكسور وصدوع في العمارة القديمة.

وهكذا، إذا كان صعود الأحزاب الإشتراكية والإشتراكية ـ الديمقراطية قد اقتضي عدداً من المراجعات الإيديولوجية الكبري (تعديل الميتيرانية والدعوة اليوم إلي حزب إشتراكي ـ ديمقراطي في فرنسا، حزب العمال الجديد في بريطانيا، إزاحة اليسار إلي الوسط في ألمانيا…)، فإنّ الغالبية الساحقة من أحزاب أوروبا ظلت ملزمة بهذا القدر أو ذاك من خيارات سيرورة معقدة انطوت علي حال دائمة من التنازل المتبادل والمناورة بين سِراطين مستقيمين: أوروبا الإجتماعية القادمة في هيئة ضحيّة ضخمة للعولمة، وأوروبا الإيديولوجية الغابرة. المشكلة أنّ هذه لا تبدو كالآتية من ماضيها اليساري، ولا كالذاهبة إلي مستقبلها اليميني، لأنها إنما تتلكأ في حال وسط حافلة بالكثير من الآلام والقليل من الآمال، وعنوانها العريض يكاد يردّ علي مذكّرات أشداون: الناخب أعطي، هذا صحيح، ولكن ثاتشر هي التي أخذت!

تيموثي غارتون آش، المعلّق المعروف في الـ غارديان البريطانية، أصرّ علي أنّ الناخب هو الذي يعطي وهو الذي يأخذ، ولكنه تمسك بالبديهي لكي يعيد التشديد علي أطروحته القائلة بوجود صفّ ليبرالي بريطاني متين، لا تنقصه إلا خطوات توحيدية بسيطة سوف تتيح كسب المزيد من الناخبين والفئات والقوي، خصوصاً في تيّار يسار الوسط: هنالك أغلبية ليبرالية في بريطانيا، لكنها منقسمة بين العمّال والليبراليين الديمقراطيين. هذا الشقاق، في أشكاله المختلفة، أفسد يسار الوسط علي امتداد أجيال، وساعد المحافظين علي التمتّع بالسلطة في وستمنستر طيلة 76 سنة من أصل 100 في القرن الماضي. ما العمل، إذاً؟ اقترح غارتون آش علي الناخبين ذوي الميول الليبرالية وصفة مبسطة حقاً، وطريفة في آن معاً: إذا وجدتَ أنّ المرشّح الليبرالي الديمقراطي أفضل حظاً في هزيمة المرشح المحافظ، فانتخبه، وإذا وجدت أنّ المرشّح العمّالي هو الأفضل حظاً للمهمة ذاتها، فانتخبه.

الأيام كذّبت هذه الوصفة، ليس في صندوق الاقتراع وحده، بل كذلك في أروقة مؤتمر حزب العمّال حين رفض بلير الاعتذار عن زجّ بريطانيا في غزو العراق لأنه ـ ببساطة السياسيّ الذرائعي ـ أدرك أنّ معارك السياسة الخارجية والعقائد والنظريات باتت تُخاض في أمكنة أخري. قد تتعاطف الغالبية الساحقة من اعضاء حزب العمال مع أطروحات امثال مصدّق أحمد، وقد تشعر بالخزي من سلوك زعيم الحزب ومسؤوليته ومعه الحزب بأسره عن هذا الهولوكوست المستدام في العراق، وقد يحوّل البعض الشعور بالخزي إلي سخط واحتجاج وتظاهرات مليونية. كلّ هذا صحيح، ولكن الأصحّ منه ـ بمعني هيمنته في الفعل وفي القوّة وفي المصلحة ـ هو أنّ الصراعات الكبري لا تُخاض اليوم في تظاهرات الشارع أو مؤتمرات الأحزاب، بل في قاعات البورصة أو اجتماعات مجالس إدارة الشركات العملاقة، أو الجمعيات العمومية لأصحاب الأسهم.

هنا العقد الاجتماعي، وهنا الحزب، وهنا البرلمان، وهنا الأخلاق!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية