القاعدة في الجزائر.. حقيقة أم خيال؟

حجم الخط
0

محمد عقبة القاسمي الحسني

ما حدث في الجزائر يوم الأربعاء 11 نيسان/ابريل خلط أوراقا كثيرة.. و لم يستطع المحللون ايجاد تفسير دقيق لما حدث. واستعجل البعض، وتاه آخرون.

من البديهي أن الاستعجال في الحصول علي أجوبة لن يكون ذا جدوي كبيرة لأن المعطيات المتوفرة لا تعطي صورة واضحة لما حدث. غير أن بعضها يغنينا عن الجنوح إلي تفسيرات خاطئة.

وأكبر من الخطأ، الخطرُ في أن يمعن بعض المهتمين من صحافيين ومحللين في مغالطات أبعد ما تكون عن الحرفية والموضوعية، بل والمنطق.

ولم تتملكني الدهشة ان سمعت مرارا من مدير تحرير صحيفة جزائرية مشهورة وهو يتناول الأحداث الأخيرة، علي قناة الجزيرة، ويقول بإصرار وتأكيد ما مفاده ان الجيش يحاصر تنظيم القاعدة في جبال بجاية، وان التفجيرات الأخيرة هي من صنع القاعدة.. ثم أقرأ في نفس الجريدة، وبعدها في جرائد أخري، عن القاعدة وكأنها صارت واقعا معيشا في الجزائر لا مفر من التعامل بمقتضاه! وتساءلت: لماذا الترويج لهذا الخطاب في الساحة الإعلامية المحلية والدولية؟ وهو للاسف لا يعدو أن يكون خطابا تهويليا، عاريا عن الصحة ومتسما بالسطحية.

وسعيا منا ـ كقارئين ومتابعين لا كمحللين ـ إلي ترتيب ما قد يصيبنا من تشويش في قراءة هذه التحليلات و التأكيدات؛ نحاول بهدوء أن نستوضح ما يجري.

الواجهة الإعلامية:

لا شك أن علماء المسلمين وشعوبهم يتفقون في إدانة منهج القاعدة في مقاومة الطغيان الامريكي. وليس هناك مسلم انتظم في عقله ميزان العقل والشرع، يرضي بتبرير ما حدث في ايلول (سبتمبر) 2001، بنيويورك، لما في ذلك من سفك دماء مدنيين أبرياء في غير وجه حق، وما نتج عنه من آثار سلبية في حياة أمتنا الإسلامية. لكن هذا الاستنكار الواسع والمتكرر لم يمنع من بقاء بعض اللّمعان الجذّاب لخطاب القاعدة ودعوتها، مما يستهوي أصحاب العقول الساذجة، والنفوس الغضبي لما يحصل من انحياز أمريكي سافر في فلسطين، واستدمار في العراق. إذن فعنوان القاعدة استهوي الجماعات المسلحة في الجزائر ووجدت فيه واجهة إعلامية تقتات بها لإضفاء بعض المصداقية علي نشاطها المفتقد للدعم الشعبي. وهي تجارة في العواطف، تستثمر في وجدان الشعب الجزائري، وثيق الصلة بما يحدث في أراضينا المقدسة، وما بين النهرين.

وهذا ما يجيب علي سؤال ما إذا كان التنظيم المسلح في الجزائر قد التحق فعلا بنتظيم القاعدة، أم هو انضمام شكلي أهدافه معروفة.

فما هي القواسم المشتركة بين مرجعية اسامة بن لادن ورؤيته، وسياسة الجماعة السلفية للدعوة والقتال ومنهجها:

من المؤكد أن ظروف نشأة القاعدة وظروف نشأة الجماعة السلفية للدعوة والقتال ودواعيها مختلفة تماما.

من المعروف أن المرجعية الفكرية لبن لادن هي الفكر السلفي الجهادي. في بادئ الأمر كان ضد الروس في افغانستان ـ وهو جهاد مشروع ـ ثم بعد ذلك توجه إلي ضرب المصالح الأمريكية، ابتداء من نهاية التسعينيات إلي أوائل القرن الحالي. وقد كانت بدايات عملياته غير مصرحة إلي أن جاء الاعتداء علي أفغانستان، وما تلاها من أحداث.. بعد ذلك كانت كل خطاباته المسجّلة، وكذا رفيقه ايمن الظواهري، موجهة للتحريض علي أمريكا. وقد خاطب الشعوب وحكامها علي سواء، وحضهم علي التوحد في مقاومة الطغيان الأمريكي. وفي الخطابات التي تلت، والتي أقرّ فيها بتخاذل الحكام عن دورهم في نصرة القضية الفلسطينية، وعدم استجابتهم لدعوته.. لم نسمع، ولو مرة، كلمة كفَّر بها حاكما، أو حرض علي قتل مسؤول أو أمير، بل لم يدعُ حتي إلي انقلاب علي رئيس أو ملك أو أمير.. كان يطغي علي خطابه التهجم عي أمريكا، والحثّ علي ضرب مصالحها أينما كانت.

وكان أتباعه في المملكة العربية السعودية، أو ممن تأثروا بفكره، قد قاموا بعدة عمليات ضد منشآت بترولية، قصد زعزعة الاقتصاد الأمريكي.. لكننا لم نسمع بأمير اغتيل هنا أو مسؤول في الدولة قُتل هناك، ولم نسمع بكمائن وضعت لأفراد من الجيش السعودي، ولم نشاهد تسجيلات صوتية وتلفزيونية تُكفَّر فيها الأسرة الحاكمة في السعودية، أو تصفهم بالطغاة الذين تجب محاربتهم. علي خلاف الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي يُعزي اليها هذا الأسلوب. وهو فكر تكفيري يلغي به الآخرين تماما، وينظر إلي نفسه ممثلا للفرقة الناجية. وقد افتقدت هذه الجماعة لمشروع فكري وسياسي تعرضه علي الشعب الجزائري، بل لم يكن لها تواصل إعلامي بالشعب أصلا سوي الترويع والإرهاب، ولقد احتار الشعب في هذه الجماعة التي ترفض الانضمام إلي مساعي التصالح وحقن الدماء، وتصر علي عزلتها وانقطاعها إلا عن القتل والسلب والنهب.. لقد كانت أشبه بالجماعات المتفرقة التي ترتزق بترويع الناس وسلب أمنهم، بغية مكسب لها.. لكنه فقط كسب مادي تعيش به وتشاركه من لهم مصلحة مشتركة، ليس من ورائه مكسب سياسي يذكر، سوي التشويش. هم متناثرون في كل مكان، في الجنوب والشمال، وحتي خارج الجزائر، يجتمعون ويتفرقون، وخصوصا مستعدون لضرب الاستقرار؛ تارة بعمليات مسلحة ضد أفراد الجيش الوطني، وتارة ضد العزل من المدنيين. وامتد نشاطهم المسلح إلي خارج الجزائر في بعض البلدان المتاخمة لحدود الجزائر الجنوبية. مسار يلفه الغموض، وتحيط به نقاط استفهام كثيرة. ثم، قبل ثلاث أو أربع سنوات، واتباعا لنفس السياسة الإعلامية للقاعدة والجماعات المسلحة العراقية، تظهر لنا الجماعة السلفية للدعوة والقتال، بتسجيلات فيديو بالصوت والصورة، في حلة انيقة، معدّة من لجنة إعلامية، تتكلم عن إنجازات الجماعة ضد الطاغوت الممثل بالدولة الجزائرية!

وفي العام الجاري تخرج علينا ببيان التحاقها بالقاعدة، وتعلن عن تأسيس تنظيم القاعدة في بلاد المغرب.

من هنا نبدأ في طرح تساؤلاتنا:

لماذا انتظرت هذه الجماعة هذا الوقت بالتحديد للإعلان عن انضمامها إلي القاعدة، أو بالأحري استعمالها واجهة القاعدة.. مع أن القاعدة عُرفت إعلاميا منذ سبع سنين علي الأقل؟

منذ قرابة العام، بدأ الحديث عن اهتمام أمريكي بمنطقة الصحراء الكبري في الشمال الإفريقي، التي قد تمثل مكانا بديلا تلجأ إليه الجماعات الإرهابية في ظل التضييق المستمر عليها. فكانت زيارة رامسفيلد إلي الجزائر كسابقة، تؤكد الاهتمام الأمريكي بالمنطقة. وقبيل أشهر قليلة نسمع عن رغبة امريكا في وجود قاعدة موحدة لقواتها في إفريقيا وبالتحديد في الشمال الإفريقي.. ورُشحت الجزائر! غير أن وزيرنا للخارجية أعلن، دون تأخر، عن رفض الدولة الجزائرية وجود أي قاعدة عسكرية أجنبية علي أراضيها. وتزامن ذلك مع الإعلان عن التحاق الجماعةالسلفية للدعوة والقتال بتنظيم القاعدة.. وما تلاه من تفجيرات انتحارية في الجزائر العاصمة.. فهل لتزامن هذه الأحداث وتعاقبها علاقة، أم انها المصادفة المحضة؟

تساؤل آخر.. لماذا لم يُستغل الاسترخاء الأمني المشهود منذ 2001 للقيام بهذه العمليات الانتحارية، ووقع فقط في هذه الآونة، أين نلحظ انحسارا بيِِّنا في عدد المجموعات المسلحة وإمكاناتها ونشاطها!

إذا سلّمنا جدلا بأن الجماعة السلفية للدعوة والقتال اعتمدت منهج القاعدة؛ فلماذا ضربت قصر الحكومة، والقيادة الجهوية للشرطة القضائية بباب الزوار، ولم تحاول ضرب احدي المصالح الأمريكية في الجزائر.. كما حدث في السعودية مثلا؟ أم أن القصر الحكومي أقل تحصـــــينا من المصالح الأمريكية في الجزائر العاصمة؟ فإلي من هي موجهة الرسالة؟ وأين هي أمريكا من مخططهم؟ أخيرا؛ لماذا يضرب استقرار الجزائر بقوة ودقة متناهيتين في هذا الظرف بالذات؟

اظن أنه من الاولي أن يجتهد الإعلاميون والمتخصصون في البحث عن أجوبة لهذه الأسئلة الملحة، وأن يصفوا هذه التنظيمات المسلحة بما هي عليه. فنَسب ما حدث إلي القاعدة لا يخدم إلا هؤلاء المرتزقة الذين يبحثون عن واجهة إعلامية لتبرير أعمالهم وإطالة أنفاسهم والحفاظ علي مصلحتهم ومصلحة أربابهم وعملائهم، الذين لا يعيشون إلا في مستنقع الفوضي وعدم الاستقرار؛ أو يخدم المصالح الأمريكية التي تتحجج بالغث والسمين من أجل التوسع ووضع رجلها في كل مكان.

ہ كاتب من الجزائر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية