عن الذكاء والعبقرية والمستقبل

حجم الخط
0

د. عبد العزيز المقالح

تعالوا نبتعد قليلاً عن أحاديث السياسة والسياسين، وما تحمله مثل هذه الأحاديث من تداعيات تبعث علي الغم والاكتئاب، وتضاعف من درجة اليأس في النفوس. الموضوع الذي استحوذ علي اهتمامي هذا الأسبوع جاء من خبر قصير أوردته صحيفة عربية في كلمات معدودات تحت عنوان (5000 عبقري من أذكياء ألمانيا) وتفصيل الخبر يأتي علي النحو التالي أعلن نادي الأذكياء في ألمانيا أمس أن عدد أعضائه تضاعف في السنوات العشر الأخيرة وبلغ خمسة آلاف من العباقرة. وعلي هامش المؤتمر السنوي المزمع عقده الأسبوع الجاري أرجع النادي الذي يطلق عليه اسم (منسا) أسباب زيادة عدد الأعضاء إلي ارتفاع معدلات الذكاء.

والسؤال الذي يثيره خبر كهذا هو: كم عدد نوادي الذكاء في الأقطار العربية؟ وعلي الرغم من أن الإجابة بالنفي فإن أسئلة أخري سوف تتداعي منطلقة في الإطار نفسه، ومنها: لماذا لا تقيم الجامعات العربية في كلياتها المختلفة مثل هذه النوادي وتعمل علي اكتشاف نسبة الذكاء بين طلابها وإمكانية تطوير مساحة ذكائهم في تخصصاتهم العلمية والإنسانية. إننا كسائر البشر لا نختلف عنهم، وهم لا يختلفون عنا سوي بتهيئة الظروف والتمكين للأذكياء من إثبات وجودهم استعداداً للقيام بأدوراهم المطلوبة في خدمة مجتمعاتهم بدلاً عن تجاهل العبقريات ووأدها في مهدها أو تركها للصدفة التي لا تكتشف من الأذكياء سوي أقل من واحد في المليون!! إن الأمة العربية في شتي أقطارها زاخرة بالأذكياء وهي علي مدي التاريخ مخزن للعبقريات العلمية والأدبية والفنية، وما ينقصها سوي التنظيم والتركيز علي اكتشاف المواهب في مختلف التخصصات وبحكم عملي الطويل في التدريس الجامعي فقد كنت وما زلت أكتشف سنوياً في مجال تخصصي الأدبي مواهب خارقة لو توفرت لها حياة كريمة معقولة والالتحاق بنادي يسمي (نادي الأذكياء) لكان لنا منهم الكثير من العبقريات الأدبية وكذلك الشأن في بقية التخصصات الإنسانية والعلمية، ولكن من يستطيع أن يغير مصير هؤلاء الأذكياء العباقرة ويحولهم من الانشغال بأمور الحياة اليومية وتصريف ذكائهم العالي في أمور يستطيع القيام بها غيرهم من محدودي الذكاء؟!

تري هل سيأتي وقت يكون فيه لدي الأمة العربية، ولا أقول لدي كل قطر من أقطارها نادٍ للأذكياء يجتمعون فيه تحت رعاية علمية تستغل نسبة الذكاء لدي الشباب في تجاوز واقع التخلف وما انطوت عليه السنوات الأخيرة من كوارث وحروب وصراعات هامشية وثانوية؟ سؤال أتمني أن يشاركني في طرحه العشرات والمئات ممن يهمهم أمر هذه الأمة وضرورة العمل علي تغيير واقعها عبر منطلقات معرفية علمية ومن خلال رؤية محددة تبتعد كثيراً عن لغة المزايدات والمراوغة والمتاجرة بالشعارات الكاسدة والتي باتت عُملة صدئه لا تجد لها مكاناً في أسواق الأغبياء فضلاً عن أسواق الأذكياء.

ومن النافل، القول بأنّ العقل الإنساني الذكي هو الذي صنع معالم هذا التطور المذهل الذي تشهده الحياة المعاصرة، وأن هذا العقل الذكي هو الذي جعلنا نتناول الإفطار في صنعاء والغداء في واشنطن والعشاء في طوكيو أو بكين. وهو الذي أمدنا بكل هذه الإمكانات في تغريب المسافات وفي إزالة معوقات الرؤية عبر الأقمار الصناعية وما في مستواها من هواتف مرئية وانترنت. أما الأغبياء فهم وحدهم الواقفون في برزخ التخلف وهم الذين يحاولون تحطيم القدرات العالية أو تسخيرها لخدمة مصالحهم الضيقة وأحلامهم التي هي في الواقع كوابيس صار يعاني منها كل البشر الطيبين الذين يحلمون بأرض مليئة بحدائق الورد ونواد للأذكياء.

تأملات شعرية:

العقل المفتوح علي وديانالضوءالضارب في فلوات المجهول، يسير عميقاً في الأرضولا شاطئ يرتاح إليه.

يا هذا… امنحنا بعضاً من نورك بعضاً من مائك نلجأ منه إليه!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية