لندن – «القدس العربي»: فوضى المسلسلات الرمضانية حديث الساعة. الكل يتابع الرافض لها والمدمن عليها، الجنس والعنف والمخدرات والألفاظ السوقية والتحرش والبلطجة بارزة في أغلب الاعمال. دراما متوترة قد يكون فيها جزء لا بأس به من الحقيقة، لكنها مشوهه ظالمة يكثر فيها الفساد ويتم التشجيع عليه ويبتعد عن الواقع المعاش وعن حاجة الناس لدراما تحاكي قضاياهم وتعالج هموم الشباب بقدر من المسؤولية لا ان تساهم في ضياعهم.
«القدس العربي» التقت المخرج السوري العالمي انور قوادري، وهو أيضا منتج ومؤلف وعضو الأكاديمية البريطانية للسينما والتلفزيون، ومن أعماله في الدراما التلفزيونية «رجل من الشرق» و«عرب لندن» و«سحر الشرق» لمناقشة نظرته النقدية لما يقدم من دراما رمضانية وتأثير الأزمة السورية على الإنتاج الدرامي السوري في رمضان وعلاقة المسلسلات الرمضانية بمستوى الذوق العام واهتمامات المواطن الحقيقية وقضاياه المصيرية.
سلطة الفضائيات والإعلانات
يرى قوادري أن فوضى المسلسلات سببها طريقة الانتاج العشوائي الذي تعودنا عليه في السنوات الأخيرة مع بداية الأزمات والتغيرات السياسية في بعض الدول العربية، ولم تعد توجد أسس متينة للمبدع أو المخرج أو كاتب السيناريو أو شركة الإنتاج لتعمل على أساسها، وأصبحت العملية الآن فقط تقتصر على إناس يحملون حقائبهم وينتجون من أجل الربح فقط، وليس من أجل تقديم أعمال ذات قيمة.
ويقول«دخل السماسرة فأصبح المنتج يتعامل مع صاحب القرار في محطة فضائية، ويبحث عن عمولة مغرية ويبيع العمل حسب شروط من يشتريه، ولهذا السبب أصبحت الأعمال الدرامية نسخة كربونية عن الأعمال التركية والمكسيكية، فهي في معظمها ليس لها علاقة بواقعنا، وتتسم بالتقليد حسب طلب صاحب المحطة الفضائية أو القائمين عليها أو شركات الإعلان التي تتدخل في اختيار الممثلين والنجوم. فعلى سبيل المثال تشترط هذه الجهات جلب فنانات جميلات اعتقادا منها في كسب جمهور أكبر من المشاهدين المتابعين.
التجميل والسيليكون
وتعليقا على مظهر بعض نجمات الدراما الرمضانية يقول: أن أغلب النجمات أصبحن تحت تأثير السيليكون وعمليات التجميل وعدوى تصغير السن أنتشرت وأصبح تمثيلهن باهتا ووجوههن غير معبرة. أصبحن يشبهن بعضهن البعض ونرى منافسة شديدة بين النجمات على من بإمكانها أن تظهر أصغر من عمرها بعشر سنوات، وان تأخذ ادوارا لا تليق بسنها كأن تلعب دور المراهقة أو دور عاشقة ولهانة مثلا. والمنافسة بين النجمات لم تقف عند هذا الحد بل تعدته للمنافسة على من تتعرى أكثر نلاحظ أنه لا توجد رقابة حول موضوع التعري.
وبشأن خطورة التقليد في الدراما يقول: يتم تقليد أفلام تركية أو أمريكية وتنقل هذه الأفلام كما هي وتحول الى مسلسلات، حتى اللقطات منقولة بشكل مشابه تماما، ومن الأمثلة على ذلك مسلسل يعرض الآن اسمه «لو» من إنتاج سوري لبناني فكرته مأخوذه عن فيلم امريكي اسمه «unfaithfull» أو (الخائن).
ويواجه مسلسل «لو» انتقادات كبيرة هذه الأيام بحسب وسائل التواصل الاجتماعي، وأعتبر بعض النقاد والمختصين هذا النسخ أو التقليد فضيحة في عالم الإنتاج الدرامي العربي.
ويضيف: المشكلة الأكبر انه تم نسب القصة والحوار لكاتب عربي وهذا غير مقبول ويعتبر مهزلة حقيقية، هذه هي الفوضى بعينها. هناك للأسف استسهال في الأعمال، والممثلون يبحثون عن فرص عمل بأي طريقة بسبب قلة الأعمال دون البحث عن نصوص جيدة.
وعن مضمون ما يقدم من أعمال درامية في ظل الفوضى السياسية في بعض الدول العربية، يقول المخرج: بالنسبة للمواضيع فأغلبها حول الخيانة الزوجية أو العنف أو المخدرات. لم تعد هناك مواضيع ذات مضمون جيد. هذا لا يعني انه لا توجد أعمال استثنائية يقدمها بعض الملتزمين فيما يتعلق بعرض الواقع المرير من فوضى سياسية تعيشها الدول العربية. هناك محاولات جادة لكنها قليلة.
أما عن تكرار الوجوه الفنية في أكثر من عمل درامي، فيرى ان هذا القرار تتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى شركات الإعلان، فهي تقوم بطلب واختيار النجوم بالأسماء ولا يوجد أي مانع عند الفنان لقبول أكثر من عمل في وقت واحد خاصة أن الأعمال الدرامية قليلة وتزدهر فقط في رمضان. وهذه فرصة، خاصة لمن تقدم به العمر وأصبحت الفرص محدودة بالنسبة له.
ويضيف قوادري أن نجوم السينما مثل يحيى الفخراني ويسرا وعادل امام وليلى علوي هم الأكثر حضورا وتميزا برغم كبر السن، اذ أنهم يقفون على أرضية صلبة. أما نجوم الفيديو من جيل الشباب فليست لديهم خلفية سينمائية، والسينما هي الأساس في نجاح النجم. والفيديو أو المسلسل استهلاكي ليست لديه ذاكرة خاصة المسلسلات التي تقلد الدراما التركية اذ انه بعد إنتهاء المسلسل ينسى مباشرة حتى لو كان هناك جهد كبير في إنتاجه فانك لا تشعر بالإبداع.
بعض المسلسلات الخفيفة سجلت نسبة مشاهدة عالية مثل «دلع بنات» لأنه يضفي بعض النكهات التي تبعد المشاهد ولو الى حين عن الهموم اليومية ومشاهد الدم والقتل التي أصبحت العرض اليومي في الإعلام المرئي لذلك يحاول المشاهد الإبتعاد عن كل ما يسبب له الحزن والكآبة.
أخطاء تاريخية
ويرى المخرج انور قوادري أن هناك اخطاء تاريخية لا يمكن الإستهانة بها في بعض الأعمال، ويقول: أذكر مثلا مسلسل «سرايا عابدين» هناك من علق وقال ان هذا المسلسل «الصيني تبعنا» بمعنى آخر التقليد للأصل المتمثل بالمسلسل التركي «حريم السلطان» على الرغم من وجود نجوم بارزين في مسلسل«سرايا عابدين» إلا أنه لم يركز على الجوانب التاريخية الهامة بل ركز على الجاريات والمحظيات.
ويضيف: المشكلة أن هناك أخطاء تاريخية متمثلة في تواريخ التنصيب والولادة فمثلا والدة الخديوي تظهر أنها تعيش معه في القصر نفسه وتحكم وتأمر، وفي حقيقة الأمر أنها كانت تعيش في قصر آخر في غاردن سيتي وقيل أن هذه القصة مستوحاة من قصة حقيقية في فترة حكم الخديوي، أما رأيي فهو انه لا يجوز التلاعب في القصص الحقيقية ويجب أن يكون البحث أدق فهذه أمور تاريخية لا يمكن التلاعب فيها أو تشويهها.
وعن مسلسل «صديق العمر» بطولة جمال سليمان يقول: فيه كارثة كبيرة من ناحية عملية البحث غير الدقيقة، وهناك إستسهال وإستعجال ومعظم الشخصيات غير مناسبة لتقمص أدوار الشخصيات التاريخية في المسلسل خاصة تقليد اللهجة المصرية فلم يكن موفقا بالتحديد مع شخصية قيادية متمثلة في جمال عبدالناصر.
اتقان اللهجة أمر في غاية الأهمية في مثل هذه الأدوار التاريخية ولاحظت أيضا ارتباكا شديدا وتوترا واضاعة 90٪ من المجهود في محاولة تقليد اللهجة المصرية و10٪ للتمثيل. للأسف في النهاية كلها صفقات وإستعجال والبحث عن مادة استهلاكية سريعة وهذا يقلل من قيمة العمل الدرامي ومن القصة التاريخية المراد طرحها. انور قوادري اهتم بمتابعة هذا العمل كونه انجز في عام 1997 فيلم «جمال عبد الناصر» الذي يعتبره من أهم انجازاته.
أعمال سورية في تراجع
«حلاوة الروح» إنتاج سوري، الكآبة فيه طاغية بشكل كبير. يعالج الأزمات التي تمر بالمجتمع السوري حاليا لذلك لم يأخذ حقه من المتابعة. المشاهد تعب من مناظر الحرب والموت والحزن لذلك ينتقل الى متابعة مسلسلات تخفف عنه وتنسيه الظلم والحزن والهم اليومي المعاش. يبحث عن المتعة والفكاهة والرقص وآخر موضة تلبسها الفنانات والعري للأسف.
وبالنسبة للممثلين السوريين قال: مصر سوق عمل جديدة للممثلين السوريين، الممثل السوري عانى كثيرا بسبب الأزمة وسافر الى دول مجاورة بسبب الحرب لإستكمال تصوير بعض المشاهد. للأسف بعض الأعمال السورية ظلمت ولم توزع على الرغم أهميتها، والفنان السوري بالتالي يحتاج الى عمل لكي يعيش، وبعـضهم انتقل الى مصر وأتقن اللهجة المصرية بنجاح، الممثل السوري يتكيف بسهولة وهو مطلوب، لذلك وجد فرصته في الظهور في أعمال مصرية وعربية مشتركة وأخذ دور البطولة في بعض الأعمال وهذا يسجل له.
وجدان الربيعي