يوتوبيا أم ديستوبيا؟

حجم الخط
0

خيري منصور

قد تجتمع الصفتان معاً، المدينة الفاضلة والمدينة الراذلة في كيان واحد، تماما كما أن الخير والشر هما من صميم الشرط البشري، لكن النوستالجيا باهظة الثمن أحيانا، فنحن نعود إلي أمكنة بعينها لكن في زمان مغاير، فنري فقط ما نود رؤيته ونشيع عن كل ما يصدمنا أو يوحي لنا بأن المكان تبدل.

حدث هذا مرارا مع من عادوا إلي أمكنة الصبا وهم ناسون بأنهم انما رحلوا ليبحثوا عما أضاعوا من العمر، فالحنين في حقيقته ليس إلي مكان محدد بقدر ما هو لسنوات العمر التي بددها الإنسان فيه.

لقد قرأت عن سمرقند كثيرا قبل الوصول إليها، ومن بين ما قرأت كل الطرق تؤدي إلي سمرقند لكن علي غير تلك الطريقة التي عبر عنها هتلر عندما نسب إليه القول بأن كل الطرق تؤدي إلي روما.

سمرقند الناس والحجر والأسنان الذهبية التي تخفي ابتسامات الناس أو تحولها إلي ابتسامات صفراء لامعة، هي غير تلك التي ورد وصفها في الكتب، وهذا هو جذر الموضوعة الروائية لأمين معلوف، ما دام لكل سمرقنده التي ينحتها من خياله.

ما حدث معي في سمرقند، وهو أشبه بسقطة فجائية تشبه سقطة عباس بن فرناس أو ذوبان أجنحة ديدالوس الاغريقي تكرر في عدة مدن في عمق آسيا وافريقيا وحين عدت إلي القاهرة بعد ثلاثين عاما من الفراق القسري، أصبت بحمي لم أبرأ منها إلا بعد الفراغ من كتابة آلاف الكلمات تحت عنوان نوستالجي بامتياز هو نداهة اليتيم، وحين نشرت تلك الكتابة في مجلة وجهات نظر القاهرية، أوحشتني أصداؤها خصوصا لأبناء جيلي الذين ودعوا قاهرة الستينات بكل رموزها، أحد المثقفين وهو من أبرز المشتغلين في حقل الصحافة والكتابة اعترف لي بأنه بكي لأنه أحس بفقدان ما فقد من قبل مرتين، وسيدة لامعة في العقد الستيني الفريد، خرجت عن عزلتها الطويلة لتشاركني في برنامج تليفزيوني علي سبيل المثال عن النوستالجيا أيضا، لكننا اكتشفنا ونحن نغادر الاستديو بأننا في مكان آخر وزمان آخر وأن ما فعلناه لم يكن سوي محاولة يائسة لقطع نهر هيراقليطس مرتين!

في صنعاء امتزجت اللحظتان المتباعدتان، من فندق شيراتون الأشبه بجملة غريبة ومعترضة في كتاب جبلي الي زمان يعج بكائنات لم تنقطع عن تاريخها، وحين استوقفني عجوز بلحية مصبوغة بالحناء وهو يتوكأ علي عصا برية، سمعت منه ما جعلني أتردد في العودة إلي الفندق المعولم.

لكي تستكمل الخطة بعدها المفقود، اشتريت ساعة جيب قديمة من حانوت، وكانت بصحبتي فنانة تشكيلية مرموقة، لاكتشف أن الساعة قد توقفت عن العمل داخل الفندق!

وفي الرباط، كانت المسافة بين حي يعقوب المنصور وفندق بليير أطول مما اعتقد من عبرها، وحين أخذني صديق الي نهر أبي الرقران كي يبرهن لي علي عصيان الماء وبقائه عذبا رغم أنه يندمج في المحيط شعرت بأن المكان زمان بامتياز، وأن ما يقال عن الجغرافيا بأنها تاريخ متخثر يعني أبعد مما يظن الجغرافيون ومتسلقو الجبال علي الخرائط فقط.

ولا أذكر بالضبط أول من شبه المدن بالنساء قبل أن نقرأ قصائد لأصدقائنا الشعراء في هذا السياق.

أول من شبه المدن بالنساء، لا بد أنه قرأ ذلك الكتاب الذي وضعه هيراقليطس عن الحب والحرب، والمصطلحات المشتركة والمشتبكة بينهما، فقاموس الحب يوشك أن يكون قاموس الحرب، من الهجوم إلي الصد والمراوغة والتمنع، لهذا استعاضت العذرية الغربية عن العائق المعنوي والأخلاقي لدي العذر بين العرب بوضع سيف بين العاشقين كما هو الحال في حكاية تريستان وايزولدا!

السيف وهو رمز الحرب يعادل التحريم، إذا تغزل العاشق بمن يعشق ويعاقب بالحرمان، لكنه أحيانا يسعي علي هذا الحرمان كي يطيل أمد الغناء ويشحذ الحنين، المدن نساء أيضا، لهن مفاتيح وأسرار وعوالم سفلية وتمنع وانتشاء بجذب المحبين، لكن المدينة أشد تعقيدا من امرأة حتي لو كانت زنوبيا أو شجرة الدر أو جان دارك، لهذا قد تغوينا مدينة ما بأن تعطينا مفتاحا وهميا ينكسر في أول قفل يدار فيه، والغواية ليست وقفا علي نساء يبحثن عن عشاق بعدد المرايا التي تتلألأ عيونهن علي صفحاتها.

هذا ما يعبر عنه في أيامنا بثقافة السياحة وتبرج المدن وإخفاء أزقتها خلف الواجهات كي تكون أبعد عن الكاميرات!

ذات أسبوع آسيوي داكن كنت بصحبة الشاعر تيدهيوز الذي كان يحمل لقب شاعر البلاط البريطاني في مدينة دكا البنغالية واستضافنا الرئيس الشاعر والجنرال، ثم تجولنا في أمكنة بدت أشبه بأقفاص زجاجية، وما من أثر بنغالي فيها، وقد لاحظ هيوز ذلك فطلب التجوال في المدينة، لكن المستضيف اشترط أن يصحبنا حراس ببنادق طويلة وشبه بدائية، وانتهي الأمر الي الاعتذار بعد أن عرفنا أن هؤلاء الحراس سوف يحرسوننا من المتسولين والفقراء الذين تعج بهم شوارع وساحات المدينة، وفي إحدي المدن، كنت أشارك في مهرجان شعري، لأفاجأ بأن هناك سيارات شرطة تتقدم سيارات الشعراء، وتوسع لهم الطريق وتطلق أصواتا تفزع الطيور والأطفال وبعض الشعراء عمن لم يتدربوا بعد علي هذا البروتوكول البائس!

كيف يمكن ليوتوبيا أن تتحول إلي ديستوبيا خلال فترة قصيرة؟ وكيف يمكن لامرأة عشقناها وتعامينا عن سنها وعيوبها أن تفاجئنا بالقطيعة؟

كل ما في الأمر أن الخيال يلعب دور البطولة في هذه التراجيديا المشوبة بقدر من الكوميديا فالإنسان يشتهي أن يتوقف الزمان كي لا يكبر، لهذا يأخذ التصابي أشكالا عديدة، فهناك من يصبغون شعر الرأس أو يجرون جراحات تجميلية لإخفاء التجاعيد التي هي تواقيع الزمن علي الجلد.

وهناك ايضا من يلوذون بأساليب أخري كي لا يعترفوا بأنهم تقدموا في العمر، كأن يعودوا إلي أمكنة الصبا، لكنهم يفاجأون بأن القرائن التي عاشت في الذاكرة لم تعد قائمة.

انها لحظة طللية، لكنها في عمق الذاكرة وأحيانا في العالم السفلي للشعور، ورغم أنني تلقحت مبكرا ضد هذه اللحظة الطللية بسبب تعاقب الهجرات، وتعدد البيوت التي عشت فيها إلا أن الجرثومة الطللية تسللت إليّ.

وحين ذهبت إلي بيوت عشت فيها قبل ثلاثة أو أربعة عقود وجدتها خالية تماما من كل ما أعرف وما أتذكر!

في مصر الجديدة في القاهرة، وجدت غرفتي ذات النافذة الزرقاء جزءا من طلل في بيت مهجور كتب عليه ما لم أفهمه من مصطلحات البنوك وشركات التأمين، في ذلك البيت عشت قبل أربعة عقود، ولم يبق من أصحاب البيت أحد، إلا ابن وحيد هجر البيت وعاش في حي آخر.

لقد حدث هذا حتي في قريتي عندما عدت إليها بعد ثلاثين عاما ورأيت أبواب بعض البيوت المهجورة ممددة كالتوابيت الفارغة في الطريق!

عم نبحث بين هذه المدن وتلك الأطلال؟

هل نبحث عن أنفسنا أو ما ضاع منها في صرير أبواب ومسافات تتسع وتضيق تبعا لرغائبنا!

وكيف يمكن لعربي يرتدي الجينز ويرطن بمصطلحات لا يفهمها أسلافه لو بعثوا أحياء أن يقدم من وجدانه الجريح طبعة جديدة من اللحظة الطللية التي عاشها امرؤ القيس والعبسي وطرفة؟

ان الأمر يشبه الاستغراق لساعتين في مشاهدة فيلم رومانسي بالأبيض والأسود في أوائل ستينات القرن الماضي، فما أن تظهر كلمة النهاية حتي يصحو الغارق في غيبوبته علي عالم آخر ساطع الألوان وبه من الواقعية ما لم يعرفه زمن الأبيض والأسود، وقد حدث هذا معي شخصيا، عندما كنت أشاهد فيلم الطريق المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، فبعض المشاهد تم تصويرها في مقهي استرا بميدان التحرير، مقابل الجامعة الأمريكية في القاهرة، وكان هذا المقهي في طريقي اليومي بحيث اقترن في ذاكرتي بأبهي الأيام، وحين انتهيت من مشاهدة فيلم الطريق قبل أسابيع فقط هرعت إلي مقهي استرا، ناسيا أو متناسيا أنه فقد هويته تماما، وصار مطعما للبيتزا والهمبورغر، وتبدلت مقاعده مثلا تبدل زبائنه تماما.

أذكر دائما وكلما كنت بصدد الاستذكار عبارة للروائي والشاعر الجزائري مالك حداد، الذي حوله المنفي المزدوج إلي مالك الحزين.

فحين هبط بطل روايته ليس علي رصيف الأزهار من يجيب من القطار لم يجد أحدا بانتظاره وما كان سيشعر بالوحشة لولا مشاهد العناق التي غمرت رصيف المحطة.

قال مالك، يا صاحبي لا تهييء أفراحك، لكنني لم أصدق موعظة الشاعر الجزائري، وهيأت أفراحي.

ان المدن مثل النساء بل هي النساء وقد تحولن إلي كيانات أكثر تعقيدا تحت عباءات ومعاطف لا تشي تماما بما يختفي تحتها.. ويبدو أن من ابتكروا اليوتوبيات خدعونا لأن الديستوبيات أكثر، بل هي ما يغطي هذا الكوكب من مدن.

وإذا كان لكل منا بيلارس التي يحلم بها كي يحقق الوصال مع ذاته، وهي المدينة التي ابتكرها برتولت بريخت تعبيرا عن اليوتوبيا المستحيلة، فإن بيلارس قد أصابها الزلزال..!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية