حتي يكون لدي الطرف الآخر ما يخسره
إليكم الخلاصة النهائية التي لا يمكن التملص منها: منع اطلاق صواريخ القسام نحو غربي النقب بصورة تامة بوسائل عسكرية يستوجب وجود الجيش الاسرائيلي في غزة، ليس في مناطق اطلاق الصواريخ أو أي اسم مغسول آخر من مصطلحات الجيش، وانما عميقا عميقا لدرجة الدخول الي المدينة نفسها. يجب التواجد هناك لفترة طويلة، والسيطرة بالقوة علي منطقة مأهولة ومعقدة والدخول أكثر فأكثر في كل مرة يقوم فيها أحد ما بانتاج صاروخ أطول من سلفه في مخرطة محلية.
هذا هو جوهر المسألة. كل الحلول الاخري المقترحة ـ الردع، والعقاب، والتصفيات، وإزالة البيوت عن وجه الارض، وتحويل الأحياء السكنية الي ساحة لكرة القدم ـ كلها مجرد ذر للرماد في العيون ومادة للحديث حولها في البرامج والندوات الصحافية. بعضها يمكن أن يكون قابلا للتطبيق في مكان آخر، في مواجهة خصم آخر. لكن ليس اليوم، وليس في غزة. ليست هناك أي امكانية حقيقية للردع. الردع يتبلور في مواجهة طرف ثانٍ توجد لديه مصلحة وممتلكات وأمور يخشي عليها تصبح في دائرة التهديد اذا ما استمر في أفعاله. في الجانب الفلسطيني ليس هناك من يمكن أن يرتدع. حتي تشعر بالردع يتوجب ان تكون لديك مسؤولية في اليد: حماس صاحبة القوة في غزة لا تملك أية مسؤولية عن مصير السكان، وليس لديها ما تخسره. قيادة الجمهور في اسرائيل أسهمت في هذا الوضع بصورة حاسمة، من خلال ذلك الحماس الذي رحبت به بنظرية اللاشريك بمنهجية تم من خلالها إزالة ما تبقي من الحكم الفلسطيني المستقل، في اطار النظرية أحادية الجانب المتفشية والتي أدت الي شن الحرب علي الفلسطينيين والانسحاب من غزة. ليس هناك أي تهديد في إزالة المنازل أو الأحياء، وقصف محطات الطاقة أو اغلاق خطوط المياه. هذا تهديد مادي واضح للسكان، ولكن من يطلق النار لن يتأثر من ذلك، والمدنيون لا يستطيعون منعه من القيام بما يريد. وحتي اذا أزلنا مخيم لاجئين بأكمله عن الوجود، فستتعزز قوة حماس أكثر فأكثر ولن يتوقف اطلاق النار من قبل العصابات. اسرائيل في المقابل ستتحول الي دولة مارقة دوليا ومجرمة حرب علي الساحة الدولية. من يتحدث عن ضبط النفس وكأننا نستطيع إحداث ضرر فظيع، إلا أننا نمتنع عن ذلك فقط لأننا انسانيون أو لأننا انسانيون بدرجة مفرطة، انما يخدع نفسه. تصفية القادة هي ليست أكثر من عملية تهوية وانعاش للغضب ومشاعر الانتقام. اذا مات اسماعيل هنية فستدخل حماس في أحسن الاحوال في حالة دفاع وتتوقف عن اطلاق النار لفترة ما، إلا أن ذلك لن يمنع باقي العصابات من اطلاق النار، تلك العصابات التي تراكم المكانة في الساحة الداخلية الفلسطينية علي ظهر سكان سدروت. حماس كما يجب أن نذكر لم تقم باطلاق النار بصورة منظمة طول أشهر كثيرة، وصواريخ القسام لم تتوقف. رشقات الصواريخ في هذا الاسبوع لم تُذكرنا فقط بالفرق بين قوتها وبين قوة التنظيمات الاخري، وانما ذكّرتنا أن لديهم ما يكفي من الصواريخ ايضا حتي من دونها. في الحالة الأكثر منطقية لن يتوقف اطلاق النار من قبل حماس وانما سيتعاظم فقط.
حُقنة تحفيز للارهابمن الناحية الاخري اليكم تكلفة الدخول الطويل الي غزة الذي يعتبر كما أسلفنا الحل العسكري الوحيد لاطلاق صواريخ القسام: جيش الدفاع الاسرائيلي سيخصص لذلك قوة مؤلفة من عدة فرق، حيث ستقوم باحداث الدمار الهائل وإلحاق الكوارث الكبري التي تتجاوز قتل عائلة واحدة بقذيفة علي شاطيء البحر (عائلة غالية). قسم كبير من هذه القوة سيضطر للبقاء في غزة، والدفاع عن نفسه داخل المنطقة الملائمة جدا لحرب العصابات العمرانية التي يمكن أن تخطر في البال متحملا الخسائر والاخفاقات التي ستتوالي كلما قام العدو بتطوير قوته والاستفادة من التجربة. ايضا هذا الامر سيستغرق مدة طويلة في أحسن الاحوال. عملية السور الواقي التي احتُلت مدن الضفة ومخيمات اللاجئين في نابلس من خلالها وحظيت بتمشيط دقيق لدرجة أن أحد قادة الألوية قال ان 85 في المئة من المنازل في منطقة مسؤوليته حظيت بزيارة من جنوده، لم توقف العمليات الانتحارية داخل اسرائيل واحتاج الامر الي أكثر من عام وعمليات كثيرة جدا الي أن تم تحقيق الهدوء النسبي. لن تكون في غزة، حسب التقديرات، عملية ناجحة مثل عملية السور الواقي. القوة التي ستكون مطلوبة للعملية ستؤخذ من اجل هذا الهدف من ساحات التدريب التي تستعد فيها للمجابهة الوشيكة في مواجهة سورية وحزب الله. عملية اعادة الجيش الي جاهزيته بعد حرب لبنان الثانية التي ظهرت فيها نتائج الاخفاقات ذات الجذور العميقة للوراء ستتوقف. القيادات والقادة لن يتدربوا. البديل المطلوب للقوات في غزة سيجتذب اليه قوات نظامية واحتياطية كبيرة كان من المفترض أن تكون في مكان آخر والاستعداد لحرب اخري. دافعية سورية وحزب الله لهذه المجابهة ستزداد جدا في حالة دخول الجيش الاسرائيلي الي غزة وتورطه في حرب عصابات هناك، في الوقت الذي تُقدر فيه شعبة الاستخبارات العسكرية اليوم أن هذه الدافعية ليست عالية.
هذه هي التكلفة وفق المفاهيم العسكرية فقط. هذا من دون أن نتحدث بعد عن الضرر السياسي وعن دافعية الارهاب التي ستتصاعد وعن براعم وأزاهير المبادرات السياسية في الشرق الاوسط التي ستمني بضربة قاسية.
من الجانب الآخر نجد معاناة سكان سدروت، المدينة التي أهملتها دولة اسرائيل. سكان سدروت يستحقون ما يستحقه سكان الجليل والوسط في البلاد: العيش بأمان أو علي الأقل الشعور بأن الدولة تفعل كل ما في وسعها لتوفير أقصي درجة من الأمن والحياة الطبيعية لهم. ليس من المعقول أن يعيش الناس هناك تحت ظل الصواريخ طوال سبع سنوات. وزير الدفاع يتحدث عن حل تكنولوجي لصواريخ القسام. هذا الحل لن يتحقق. وحتي اذا قام أحدهم باختراع القبة الفولاذية أو هذه التكنولوجية أو تلك، فسيكلف ذلك اقتصاد اسرائيل الكثير الكثير، هذا من دون أن تكون هناك نجاعة أكيدة ضد الرشقات الصاروخية. علي الدوام يسهل دائما أن تُخترع الصواريخ الهجومية وبأبخس الأثمان وفي فترات قصيرة جدا.
أما بالنسبة لمسألة التحصين والاخلاء، الأمرين اللذين كان من المفترض أن يكونا بديهيين، فنحن نري بأم أعيننا نفس حالة العجز واللافعل. تنازل الحكومة عن مسؤوليتها الذي يميز كل جوانب حياتنا، كان ملموسا في حرب لبنان الثانية ايضا. القطاع الخاص سيقوم مثلما حدث حينئذ بسد الفراغ الذي تعجز الحكومة عنه: أركادي غايدماك يستعد من الآن لاجلاء السكان من المنطقة، ويقولون ايضا انه قد يقوم بتحصين الاماكن التي لم تتمكن الطواقم الحكومية الموعودة بعد من الوصول اليها رغم تخصيص الميزانيات منذ مطلع العام. هذا ايضا سيكون قليلا جدا، وأقل من المطلوب ولن يكفي للجميع. هناك حدود حتي لما يمكن للجبار أن يفعله. اسرائيل واجهت في أكثر من مرة معضلات من هذا النوع، كما يحدث في سدروت الآن: الحاجة الي الحسم بين مصالح متناقضة: الادراك بأن ما أسماه الدكتور عمانويل فيلد رحمه الله وهم الأمن المطلق، هو بالفعل مجرد كذبة، والدولة تضطر لشد بطانية الأمن الي هنا أو الي هناك والاختيار بين الأولويات. منذ ايام الفدائيين وحتي صواريخ الكاتيوشا في الجليل كان هذا الوضع حالة ثابتة في الكينونة الاسرائيلية. مواجهة هذا الوضع تستوجب حسما واضحا ومن ثم تحديدا للأهداف حتي يتمكن الشعب من الوقوف من ورائها. هناك حاجة لتكرار حقائق الحياة أمامنا، ومن بينها حقيقة أن توفير الأمن المطلق للجميع في هذه البلاد، رغم وجود الميزانيات الضخمة والاجهزة الأمنية العملاقة، ليس ممكنا لسوء الحظ ـ ولكن من الناحية الاخري يتم بذل كل الجهود من اجل توفير أقصي حد من الأمن، وتعويض من يدفع الثمن. يتوجب اعطاء ذلك فتحة من الأمل من خلال الاستعداد لعملية سياسية هامة وحقيقية في مواجهة الفلسطينيين والدول العربية التي تعتبر الامر الوحيد الذي يتمخض عن مصلحة حقيقية لايقاف العنف. هناك حاجة الي إزالة النهج أحادي الجانب ووهم الاعتقاد بأن جدارا مهما كان شاهقا سيتمكن من توفير الحماية لنا وإزالة من يوجد في الجانب الآخر من الذاكرة. هناك حاجة الي قيادة نوعية باختصار شديد. واسرائيل لا تملك قيادة.
عوفر شيلحكاتب في الصحيفة(معاريف) 18/5/2007