د. لويس حبيقة
يمر لبنان اليوم بأزمة حادة مصدرها سياسي، لكن نتائجها متنوعة. هنالك كباش حاد يحصل بشان انتخابات رئاسة الجمهورية من الناحيتين القانونية والسياسية. تعرف المعارضة جيدا انعكاسات انتخاب شخص من تحالف 14 اذار عليها رئيسا للجمهورية لست سنوات، وبالتالي ستحاول منع ذلك بكل الطرق المتوافرة. ليس من السهل علي تحالف 14 اذار الذي انتصر في الانتخابات النيابية القبول بشخص لا ينتمي اليه في الفكر والتوجهات. خطورة ما يجري هو امكانية الوصول الي حائط مسدود يؤدي الي فراغ في المركز الدستوري الاول او الي انقسامات كبيرة لا تقل سوءا عن الفراغ. المطلوب هنا الكثير من الحكمة والمنطق من قبل طرفي السياسة بحيث لا يدفعان البلد الي الهاوية السياسية، وبالتالي الي المزيد من الهجرة والبطالة والفوضي الاجتماعــــية بكل جوانبها. لا يمكن للحل ان يبدأ الا عبر التوافق علي رئيس مقبول من الطرفين من عالم السياسة او خارجه، بحيث لا يبدأ العهد الجــــديد مثقلا بالتحديات والمقاطعات السياسية القاتلة. يجب ان تكون انتخابات رئاسة الجمهورية بداية الحل للمشكلة اللبنانية الداخلية ذات الابعاد الاقليمية وربما الدولية. لا شك ان المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والانسانية تتفاقم بسبب الازمة السياسية الحالية. من يهتم مثلا بالمواضيع البيئية والمعيشية والفقر كما بالخدمات العامة وفي طليعتها الكهرباء؟ كل شيء متروك للمستقبل المجهول دون اي خوف من المحاسبة. هنالك شلل كبير في عمل المؤسسات الرسمية يخشي ان يتفاقم ويصبح فوضي. من السهل نقل البلاد من وضع عادي الي فوضوي، لكن من الصعب جدا اعادته الي الوضع العادي والطبيعي غير المرضي عنه اصلا. في كل الدول المتقدمة والنامية هنالك نزاعات سياسية وتنافس حاد يصب في مصلحة اطراف وضد اطراف اخري، الا ان مقومات البلد تبقي موجودة ومحترمة من الجميع ولا يمس بها. ما يجري في الولايات المتحدة بين الحزبين ليس بالقليل، ويمكن وصفه بالخلاف الحاد علي كل السياسات وفي طليعتها السياسة الخارجية. الا ان المؤسسات تبقي عاملة والاقتصاد يتحرك والامريكي يعيش حياته العادية. كذلك الامر في فرنسا وبريطانيا والهند والبرازيل وغيرهما. اما في لبنان اليوم كل شيء مقبول وممارس، وهذا في غاية الخطورة. حتي لو استطعنا في نهاية المطاف انتخاب رئيس جمهورية جديد وبالتالي الحصول علي تشكيلة حكومية جديدة، سيبدآن بالعمل من موقع متدن صعب ناتج عن سنتين متتاليتين من الركود القاسي بينما العالم اجمع يتقدم.
من نتائج ما يجري في السياسة زيادة الفساد الاداري بسبب وجود حكومة لا تستطيع القيام بواجباتها كاملة. هذا وضع ممتاز للفاسدين والمفسودين للاستفادة والارتشاء حتي لا نقول الابتزاز. في هذه الاجواء تتعطل اكثر اجهزة الرقابة وهيبتها وبالتالي يصبح المجال واسعا للفوضي. من يفكر في لبنان اليوم بالشفافية والمحاسبة وتطوير الانتاجية وتحفيز التنافسية؟ اصبح الاصلاح الاداري في لبنان اصعب من اي وقت مضي، وبالتالي لن يكون تنفيذه ممكنا الا مع رئيس جديد قوي وحكومة جديدة مدعومة من كل الشعب اللبناني. المهم هو اختصار هذه الفترة الانتقالية المتشنجة اكبر قدر بالامكان تخفيفا للخسائر المادية والنفسية وتسهيلا لمهام الفريق الآتي الي السلطة التنفيذية قبل نهاية العام.
في المال، سيزداد الوضع سوءا اي عجز الموازنة والدين العام. بسبب الاوضاع الراكدة، ستنخفض ايرادات الدولة مع بقاء الانفاق علي ما هو عليه او ربما يرتفع بسبب الحاجات الاجتماعية المتزايدة. بسبب غلاء المعيشة ووصول مؤشرات التضخم الي مستويات لم نعرفها منذ الثمانينات، سينخفض توفير المواطن او ربما يغيب كليا. بسبب الركود وتدني ارباح الشركات، باستثناء اقلية معروفة، سيخف توفير الشركات او ربما يزول. هذا يعني ان الدولة ستضطر الي الاقتراض اكثر من الخارج لتمويل انفاقها الجاري. نعلم جميعا انعكاسات هكذا وضع علي القطــــاع المصرفي والنقدي العام في لبنان.
تتأثر ربحية الشركات سلبا بالاوضاع الحالية، وربما تشكل خطرا علي استمراريتها. لحسن الحظ، اكثرية الشركات في لبنان عائلية وهذا مفيد في زمن الشدائد ومعيق للتطور والتوسع في زمن الازدهار. تستمر الشركات العائلية بفضل الوراثة وتسمح بانتقال الادارة بشكل اسهل بفضل الثقة بين الاهل والاولاد. تزدهر الشركات العائلية عموما في اوضاع ادارية عامة فاسدة وفي غياب المؤسسات العامة الفاعلة والشفافة. تستطيع الشركات العائلية في غياب اسواق مالية فاعلة وشفافة ان تحصل علي تمويل افضل واسرع. يحصل هذا بفضل العلاقات الشخصية والعائلية مع اصحاب او مديري المصرف. توسع الشركات يتطلب توسيع الملكية وتداول الاسهم في الاسواق، وهذا لا يحصل في معظم الدول النامية والناشـــــئة حيث تغيب ثقافة الشفافية والمحاسبة.
من ناحية اخري، ينظر اصحاب الشركات العائلية الي شركاتهم كجزء منهم وليس كمجموعة اصول يجب تحفيز عائدها. هنالك صيت العائلة وتاريخها وطرق تعاملها مع الغير والتي تدخل جميعها في حسابات اصحاب الشركات العائلية. لا شك ان العديد من الشركات العائلية يضطر الي بيع جزء من الملكية في غياب الكفاءة ضمن العائلة الواحدة، وهذا ما يحصل في العديد من الشركات في لبنان. من ميزات الشركات العائلية سهولة اتخاذ القرار وبالتالي سرعة تأقلمها مع الاوضاع الاقتصادية العامة مما يسمح لها بالاستمرار كما يحصل في لبنان. في نفس الوقت، وجود العائلات في الشركات يعيق عموما نموها بسبب تغلب العوامل الاجتماعية والانسانية علي الاخري المالية والاقتصادية. يؤثر الوضع الاقتصادي الحالي سلبا علي فرص الشباب في الحصول علي عمل او في تأسيس شركة او مكتب. يؤدي الوضع الحالي الي توسيع الشرخ بين الميسورين واكثرية الشعب اللبناني. ينذر بحصول مشاكل اجتماعية حتي علي المدي القصير بسبب الفقر وغياب شبكات الامان. ليس هنالك اخطر من الفقر علي الامن، وهذا معروف في كل مدن ودول العالم. تؤثر الاوضاع الحالية ايضا علي تفكير الانسان وبالتالي تدفعه الي الانغلاق حماية للنفس والعائلة. لذا نخشي كنتيجة لاستمرار الاوضاع، اما هروبا اكثر للشباب الي الخارج او البقاء هنا منغلقين علي النفس والغير. هذا يحصل عموما في غياب الثقة ووجود قلق علي المستقبل وضمن انسداد الافق السياسي التفاؤلي. تؤثر الاوضاع الحالية ايضا علي مستويات التعليم المدرسي والجامعي بسبب انخفاض التواصل الشخصي بين الخارج والداخل. في ازمات كالتي نعيشها اليوم، تخف زيارات الباحثين والتقنيين الاجانب الي لبنان بسبب السياسة والامن، كما تخف زيارات اللبنانيين الي الخارج بسبب الضائقة الاقتصادية المتفاقمة.
المعروف عالميا ان تطور التعليم هو افضل الوسائل لمحاربة الفقر، وبالتالي لتخفيف فجوة الدخل بين الاغنياء والفقراء. تشير الاحصائيات الي ان عائد الانفاق علي التعليم والتدريب كبير علي المستويين الفردي والوطني، وبالتالي مطلوب زيادة هذا الانفاق في كل الاوقات. لا شك ان العامل المدرب يستطيع التأقلم بسهولة مع التغيرات التكنولوجية في العالم. لا شك ان الطالب المتعلم يستطيع المشاركة في تطوير تطبيق التكنولوجيا في مكان عمله، وبالتالي ترتفع انتاجيته وانتاجية الشركة. ان الانفاق علي التعليم والتدريب يعزز القدرات الشخصية والعائلية مما ينعكس ايجابا علي الاقتصاد العام. يخشي في هذه الظروف الاقتصادية الضيقة والمالية المتعثرة ان يخف الانفاق العام والخاص علي الحاجات الانسانية وفي طليعتها التعليم. ما ميز لبنان منذ عقود هو ديناميكية الفرد الذي برع في الداخل والخارج بفضل العلم والتدريب والرغبة في النجاح في وجه الازمات. هذه الميزة المهمة مهددة جديا اليوم بسبب الاوضاع العامة.
ہ كاتب من لبنان8