بيريس غادر إحدي الجلسات محتدا بعد ملاسنة مع عمرو موسي.. ومحمد بن راشد آل مكتوم يكلف زوجته بإدارة مشروع في الأردن
عمان ـ “القدس العربي” من بسام البدارين: كشفت البراغماتية الايرانية عن انيابها التي تخشاها دول معسكر الاعتدال العربي خلال فعاليات قمة دافوس التي تنهي اعمالها في البحر الميت في الاردن رسميا اليوم الاثنين، فقد ظهرت المشاركة الايرانية المكثفة في هذه القمة باعتبارها حركة ملموسة للمراقبين والاعلام حيث يشارك الايرانيون لاول مرة وبحضور قوي الي جانب الشخصيات الاسرائيلية في واحدة من تجليات تداعيات مثل هذه اللقاءات، حيث يتم تقريب المسافات بين الاسرائيليين والاخرين في المنطقة لدعم فكرة التعايش والسلام.
والحضور الايراني في البحر الميت كان لافتا للنظر خصوصا وانه ترافق مع حضور اسرائيلي لا يستهان به فيما شكل غياب الحكومة السورية عن الفعاليات علامة فارقة موازية احتار المراقبون في قراءتها وتفسيرها خصوصا بعدما حرصت سورية علي الحضور والمشاركة في لقاءات القمة نفسها في العامين الماضيين.
وبدا واضحا ان السعودية هذه المرة تشارك بخجل وبتناقص عددي واضح لممثلي القطاع الخاص، مع عدم وجود أي شخصية سياسية بارزة تحمل العنوان السعودي.
كما ان المشاركة المصرية اعتمدت علي وزير التجارة المصري فقط ولم تحضر من القاهرة ايضا شخصيات بارزة او كبيرة، الامر الذي يوحي ضمنيا بوجود تلاقي بين الرياض والقاهرة في مسافة المشاركة ذات البعد الرمزي.
ومن الواضح ان الايرانيين لفتوا الانظار وانهم استثمروا عبر وزير خارجيتهم صاحب الوجه المبتسم ابدا في البحر الميت الاجواء لتنفيذ حملة علاقات عامة نشطة، فوزير الخارجية الايراني منوشهر متقي اعتلي منصة الخطابة علي المنبر الرئيسي للاجتماع واكثر من اللقاء مع الاعلاميين والصحافيين، واطلق تصريحات معتدلة فيما يبدو ارسل خلالها رسالتين الاولي وهي الاكثر اهمية تتعلق بعدم وجود مشروع ايراني لتدمير اسرائيل، والثانية تتعلق بعدم وجود مشروع مناهض للدول العربية.
ويمكن القول ببساطة ان مشاركة طهران في دافوس البحر الميت نجحت في خطف الاضواء لانها لم تقتصر علي الوزير متقي بل تجاوزتها نحو مشاركة شخصيات بارزة من خبراء ومفكري ومثقــــفي طهران وبشكل يوحي ضمنيا بعدم وجود فيــــتو علي المشاركة باجتماع يحضره الاسرائيليون وعدم وجود فيتو علي التواصل مع الاخرين ومن بينهم الاسرائيليون. وكانت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية بترا قد تقصدت الإشارة لغياب جرعة الممانعة عن الإيرانيين عندما كشــــفت عن تفاصيل حضورهم لفعاليات فيها طرف إسرائيلي، فواحدة من مــفاجآت البرنامج الموضوع لجلسات حوار دافوس تجلت في إستضافة شخصيات إيرانية وإسرائيلية، فحسب البرنامج المسائي لأمس الأحد شاركت وزير ة خارجية إسرائيل تسيبي ليفني وشمعون بيريس في جلسة يشارك فيها الباحث محمد لاريجاني شقيق مسؤول الملف النووي الإيراني علي لاريجاني.
ولا يقتصر الحضور الإيراني في منتدي دافوس الموسمي علي لاريجاني الشقيق، فرغم المشاركة الإسرائيلية في اللقاء إلا ان عدة شخصيات إيرانية شاركت في الحوارات والإجتماعات حيث تمثل القطاع الخاص الإيراني عبر سياماك ناميازي المسؤول الأول لشركة خدمات ومقاولات عملاقة في إيران، كما يشارك الدكتور محمد غلام في جلسات الحوار الفرعية وهو محاضر معروف في جامعة طهران الوطنية. وظهر بين جنبات المؤتمر أمس محمد علي أبطحي مستشار الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي بإعتباره ممثلا لمؤتمر حوار الأديان.
ولاسباب غير مفهومة حتي الان شارك الايرانيون بكثافة فيما تمنع السوريون لاسباب لها علاقة بالتأكيد بمستوي اتصالهم السلبي بالحكومة الاردنية، لكن مفاجآت اجتماع البحر الميت لم تتوقف عند هذه الحدود، فالشخصيات الاسرائيلية التي شاركت ظهرت في مستويات لا يستهان بها من النزق والانفعال، وهذا ما ظهر به الثعلب الاسرائيلي شمعون بيريس الذي غادر امس الاحد احدي جلسات الحوار في المؤتمر محتدا وغاضبا احتجاجا فيما يبدو علي اصرار الامين العام للجامعة العربية عمرو موسي علي اعتبار حركة حماس حركة مقاومة وطنية للاحتلال الاسرائيلي.
والملاسنة بين موسي وبيريس انتهت بانسحاب الثاني، بعد ان اصر من جانبه علي وصف حماس بانها حركة ارهابية وهو ما اعترض عليه بشدة عمرو موسي. وقبل ذلك كان بيريس يعلن في جلسة الحوار بان اسرائيل ستتقدم لاحقا بورقة مكتوبة تتضمن موقفها من المبادرة العربية الاخيرة، فيما رد موسي في نفس الجلسة معربا عن امله في ان تقول اسرائيل كلمتها بوضوح تجاه تحرك العرب باتجاه السلام واصفا مواقف اسرائيل في الماضي تجاه المبادرات العربية بانها مضيعة للوقت.
ويبدو هنا ان موسي يتجاوب مع تكتيك باطني يتحدث عنه المسؤولون الاردنيون ويهدف الي محاصرة الاسرائيليين خلال مثل هذه المنتديات واظهارهم بمظهر الرافض لمبادرات السلام، استنادا لوثيقة المبادرة العربية الاخيرة، وهو ما ظهر علي ارض الواقع عبر حلقات الاتصال السياسية علي هامش فعاليات دافوس.
وفي الجانب العربي كان حضور حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هو الطاغي في البحر الميت، حيث فجر الرجل مفاجأة عندما اعلن عن تأسيس مؤسسة عملاقة لدعم البحث العلمي والفكر والثقافة في العالم العربي برأسمال عشرة مليارات دولار، وقد خطفت هذه المبادرة اضواء التقارير الاعلامية والصحافية خلال المنتدي.
كما اعلن آل مكتوم علي هامش لقاء البحر الميت تكليف زوجته الاميرة هيا بنت الحسين بالاشراف علي احد المشاريع الاستثمارية الضخمة في الاردن، وهو مشروع يحمل اسم منطقة دبين شمالي العاصمة عمان برأسمال يقترب من 100 مليون دولار. واهمية تكليف الاميرة هيا بالمشروع تكمن في ازالة الصعوبات والعوائق التي زرعها في طريق هذا المشروع الكثير من المسؤولين واركان الحكومة الحالية في الاردن، لكن مشاركة الاميرة هيا تخلق انطباعات في اتجاهات اخري تتعدي جزئية المشروع نفسه فقط.
وبنفس الوقت اثارت فعاليات دافوس عاصفة من الجدل تحت اكثر من عنوان ابرزها علي الاطلاق العنوان المتعلق بالتيار الاسلامي الاردني، حيث شارك رئيس البرلمان عبد الهادي المجالي باحدي جلسات الحوار قائلا بان الحركة الاسلامية في الاردن غير مؤهلة لاستلام الحكم او تشكيل حكومة اغلبية برلمانية.
وبطبيعة الحال اثار التصريح غضب رموز الحركة الاسلامية الذين سارعوا بدورهم بعقد اجتماع طاريء والرد علي المجالي عبر مطالبته باعلان برنامجه السياسي كزعيم لاكبر كتلة برلماني، وعبر استعراض منجزات المشاركة الاسلامية في الانتخابات البلدية والبرلمانية خلال عدة سنوات.
وبعيدا عن المسار المحلي في نقاشات البحر الميت يمكن القول ان قمة دافوس الحالية تحقق للاردنيين اغراضها المباشرة، فهي تظهر قدرتهم علي تنظيم اللقاءات الدولية الحساسة وسط الاقليم الملتهب، كما تظهر قدرتهم علي استقطاب مشاركة من كل الفرقاء، لكن لقاء البحر الميت الاخير ركز علي المسائل الاقتصادية الفنية واكتفي بجرعة صغيرة من السياسة، فقضية فلسطين حظيت باهتمام نسبي، وقضية العراق لم تطرح اصلا مما يكرس هذه اللقاءات كاجتماعات خبراء وكفرصة لعقد الصفقات ذات البعد التجاري، ومما يكرسها اردنيا كلافتة تقول بان عمان موجودة ونشطة ومازالت تبادر وتناور.