العراق: اختبار للوفاق او الافتراق مع ايران

حجم الخط
0

محمد صادق الحسيني

ثمة جدل واسع وسط النخب العربية حول ما يسمي بـ المشروع الايراني في المنطقة!.. وتتراوح الآراء والافكار والنظرة اليه من التبني الكامل له الي اعتباره الاخطر حتي من الاحتلال الامريكي للعراق وصولا الي مقارنته بالخطر الصهيوني، هذا ناهيك عمن يذهب الي اعتباره اخطر من ذلك بكثير لا سيما بعد ان اصبح الخطر الاسرائيلي وراءنا بعد اجواء الاقتراب من نهاية الصراع والقبول بالتعايش مع هذا الخطر السرطاني موطنين النفس علي انه صار من الماضي، علي حد قول بعض المتهورين والمنبهرين بحكاية السلام والتطبيع!

لست هنا بصدد الوقوف في موقع المدافع عن السياسة الايرانية الحكومية الرسمية، ولا حتي الثورية الشعبية الاسلامية، ناهيك عن ما يسمي بـ المشروع الايراني القومي الاعلي! بل ان السؤال المركزي المحير والذي لا اجد اجابة بينة واضحة عليه هو سبب هذا الاسفاف في تهميش الخطر الاسرائيلي ـ الامريكي الذي لا يزال جاثما بكل ثقله علي صدور العرب والمسلمين علي اكثر من ساحة عربية؟!

فلا المعركة مع الصهاينة فوق ارض فلسطين قد وصلت الي نهايات معلومة لا سلما ولا حربا، ولا المواجهة مع المشروع الغربي الامبريالي الانكلوساكسوني القاضي بمنع وحدة العرب واستقلالهم وتقدمهم قد وصلت الي آفاق واضحة وملموسة حسما بالقطيعة او بالتعايش!

هذا في الوقت الذي اضيفت الي هاتين المعركتين الاساسيتين معركة او اكثر في سياق المزيد من الضغط علي العرب ومحاصرة آمالهم لا سيما في المكان الاخطر اي العراق!

بالمقابل تظهر ايران بمثابة المعادل الاستراتيجي لغياب مصر والعراق معا والقادرة علي تعبئة الفراغ الاستراتيجي الذي افرزته واقعة خروج الدولتين العربيتين الآنفتي الذكر من المعادلة الدولية من جهة وانكسار الاحادية الامريكية التي كانت تنزع لاحتلال موقع الامبراطورية الاوحد في العالم والتي لا تغيب عنها الشمس من جهة اخري.. سواء بفضل المقاومة العراقية الصلبة او بفضل لعبة الدهاء السياسي المعقد والمتشابك الابعاد اللتين لعبتهما القيادتان الايرانية والسورية تجاه الحالة العراقية!

من وجهة نظري كمتخصص ومتابع للشأن الايراني لا اجد مكانا للنظرية التي تقارن بين المشروعين الامريكي والايراني ناهيك عن تلك التي تساوي بينهما او بين الايراني والصهيوني ناهيك عن تلك التي تري في الايراني اخطر من كليهما، لاسباب عديدة ربما اهمها ما يلي:

اولا: ان اي مشروع ايراني اقليمي ـ اي خارج حدود الوطن والجغرافيا الايرانية ـ لا يمكن له ان ينجح مطلقا ولا حتي ان يلقي قبولا لا في اوساط النخب العربية ولا في اوساط الجمهور العربي الا ان يكون عربيا بامتياز ومعاديا لاسرائيل والمشروع الصهيوني ـ الامريكي!

من هنا نري تسابق الرموز الايرانية الحاكمة وصاحبة المشروع في التقرب من العرب وقضاياهم والتنكر لاي تسويات ممكنة مع امريكا علي حساب العرب!

ثانيا: ان استمرار بقاء النظام الاسلامي الحاكم في سدة الحكم بقبول جماهيري نسبي ومشروعية دينية مبررة امر غير ممكن الا بالتناغم والتعاضد والاصطفاف مع العرب وقضايا العرب الاساسية.

ومن هنا يمكن فهم ذلك العداء المستحكم بين هذا النظام وبين القوميين الايرانيين المنتشرين في عواصم المهجر وجزء من الداخل والذين يتهمون النظام بانه نظام عربي بامتياز ومتنكر لقوميته الايرانية وفارسيته.

ثالثا: ان قيامة نهضوية ايرانية دينية كانت ام قومية لا تأخذ بعين الاعتبار خريطة المنطقة الاقليمية المحيطة بها ديموغرافيا ودينيا وعرقيا وسياسيا واستراتيجيا وكذلك للاصطفاف العالمي الامبراطوري التوسعي الجديد ضد الهوية الحضارية والثقافية والفكرية والسياسية لمنطقتنا العربية والاسلامية، وبالتالي حتمية وضرورة الاصطفاف مع العرب ولصالح العرب ضد اعدائهم وخصومهم التقليديين او المستجدين ستعني بالضرورة انكفاءة ايرانية علي الذات ستكون اولي نتائجها تفكيك الوطن الايراني وتجزئته وتفتيته وخروج ايران من لعبة الامم وخرائط الدول.

ان المحافظين الجدد الذين تقترب سفينتهم من الغرق التام من الآن وحتي اواخر الخريف في بحر العرب والمسلمين وبفضل تلاحم قوي المقاومة والممانعة العربية والاسلامية هم اول الواعين والمنتبهين لهذه القصة، وبالتالي فان جل سعيهم هو ان لا يتركوا المنطقة المجبرين علي الرحيل منها قريبا الا بدق اسفين العداء والفتنة بين الاقوام والفرق والملل والنحل والطوائف والمذاهب المختلفة وفي مقدمة اولئك جميعا بين العرب والايرانيين، ذلك لان وحدة كل من هؤلاء والتنسيق فيما بينهم قد يكون هو الحائل الوحيد امام عودة الاستعمار من جديد الي المنطقة فضلا عن كونه العامل الاساسي في تسريع انهيار الامبراطورية الامريكية الجشعة!

ان التقاط هذه اللحظة التاريخية من جانب العرب والايرانيين فرصة ذهبية قد لا تتكرر بسهولة وقد تكون زيارة احمدي نجاد التاريخية لدولة الامارات العربية المتحدة والتعامل الحكيم والعاقل والمتزن من جانب القيادة الاماراتية مع ملفات الاختلاف التي لديها مع ايران وتغليب المشترك علي المختلف عليه قد تكون هي الاخري فرصة تاريخية للعقل النخبوي العربي والايراني عليه ان لا يضيعها ايضا!

والعراق ساحة اختبار وامتحان عسيرين امام العرب والايرانيين ليعيدوا النظر فيما ارتكبوه من اخطاء او اهمال او اساءة لعلهم يتعلمون كيفية صناعة مستقبل واعد بعيدا عن قرار الاجنبي في التحكم في خلافاتهم واتفاقاتهم!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية